الإرهاب ليس جهاداً شرعياً
ويتنافى
مع آداب الجهاد
الجهاد
هو ذروة سنام الإسلام، وهو شعيرة إسلامية عظيمة تعني في الأساس بذل النفس والمال
والجهد في سبيل الله وفق ما شرعه الله وقد تعرّض هذا المبدأ الإسلامي العظيم إلى
كثير من التشويه سواء عمداً أو جهلاً وبخاصة من طرفين:
-
الطرف الأول بعض أجهزة الإعلام العالمية. وقد
حاولت بشتى الوسائل الإعلامية أن تربط بين الجهاد وبين الإرهاب.
-
الطرف الثاني: الجماعات الإرهابية في العالم
العربي والإسلامي وقد حاولوا التلييس على المسلمين زاعمين أن ما يقومون به من
عمليات إرهابية هو جهاد.
ومحاولات
الطرفين هي محاولات يائسة؛ لأن الإرهاب لا يمت بصلة إلى الجهاد المشروع كما يتضح
ذلك في الفرق بينهما وفي منافاة الإرهاب لآداب الجهاد.
أولاً:
الفرق بين الجهاد والإرهاب
الجهاد:
حرب مشروعة بخلاف الإرهاب يقول الله تعالى: (انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً
وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ
لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (التوبة:41).
الجهاد
حرب منضبطة بضوابط شرعية بخلاف الإرهاب. ومن مظاهر انضباط الجهاد بضوابط شرعية ما
يلي:
إعلان
الجهاد ودعوة الناس إليه هو من حق رئيس الدولة وحده متى ما دعت الحاجة إليه.
يقول
ابن قدامة: " وأمر الجهاد موكول على الإمام واجتهاده ويلزم الرعية طاعته فيما
يراه من ذلك " [1].
قال
الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ
انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ
بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي
الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) (التوبة:38).
أن
الجهاد ضرورة والأصل في العلاقة بين المسلمين وغيرهم هو السلم قال الله تعالى: (كُتِبَ
عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً
وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ
وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (البقرة:216).
وقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله
العافية، فإذا لقيتموه فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)[2].
وقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وإذا استنفرتم فانفروا)[3].
يقول
الشيخ محمد رشيد رضا: " الحرب ضرورة، وأن السلم هو الأصل التي يجب أن يكون
الناس عليها " [4].
يقول
صادق عرجون " ولم يكن يظهر القتال والحرب إلا في صورة من صور هذا الجهاد
وضعها الإسلام في آخر صوره لا يأذن في مباشرتها لحاملي راية الدعوة إلى الله الا
تحت ضغوط الضرورة القصوى التي لا تبقى وراءها ضرورة حتى لا يبقى من القتال محيص
ولا من الحرب مفر " [5].
الإسلام
يرفض الغلو وينهي عنه قد يكون السبب في ممارسة الإرهاب هو الغلو في الدين، كما
لوحظ في الإرهاب الذي استعرت ناره في الجزائر ومصر واليمن وباكستان والسعودية
وغيرها من الدول.
والغلو
هو التشدّد في الدين ومجاوزة الحدّ فيه [6].
ويعبّر
عن الغلـو بالتطرف في أحيان كثيرة، والتطرف هو: " تجاوز حد الاعتدال وعدم
التوسط " [7].
والغلو
مرفوض في الإسلام ومنهي عنه في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
ففي القرآن، قال الله تعالى ناهياً عن
الغلو: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى
اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ
اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا
بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا
اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي
السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً) (النساء:171).
وقال
الله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ
الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا
كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) (المائدة:77).
وقال
الله تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا
إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (هود:1121).
وفي
السنة النبوية الشريفة ورد النهي عن الغلو في مواضع عدة منها:
قال
رسول صلى الله عليه وسلم: (وإياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو
في الدين) [8].
وقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قوماً
شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية
ابتدعوها ما كتبناها عليهم)[9].
وقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه
فسددوا وقاربوا وابشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة) [10].
وفي
معنى الحديث قال ابن حجر: " والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك
الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب " [11].
وقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هلك المتنطعون) قالها ثلاثاً [12].
قال
النووي في شرح الحديث: " هلك المتنطعون: أي المتعمقون المغالون المجاوزون
الحدود في أقوالهم وأفعالهم " [13].
الجهاد
هو قتال للمقاتلين فقط وردّ للعدوان بخلاف الإرهاب.
قال
الله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونك ولا تعتدوا إن الله لا يحب
المعتدين) البقرة 190.
يقول
ابن تيميه: " وكانت سيرته صلى الله عليه وسلم أن كل من هادنه من الكفار لم
يقاتله، وهذه كتب السيّر والحديث والتفسير والفقه والمغازي تنطق بهذا، وهذا متواتر
من سيرته عليه السلام فهو لم يبدأ أحد بقتال " [14].
ثانياً:
الإرهاب يتنافى وآداب الجهاد بخلاف الإرهاب
للجهاد
في الإسلام آداب يوجب الشارع الحكيم على المجاهدين مراعاتها والالتزام بها ومن هذه
الآداب:
1-
الامتناع عن قتل النساء والصبيان
فقد
نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان وعن ابن عمر رضي الله
عنهما قال: وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهى
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان.[15]
2-
الامتناع عن قتل الشيوخ والأطفال
فعن
أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث جيشاُ قال:
(انطلقوا، انطلقوا باسم الله، لا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً صغيراً، ولا امرأة
ولا تغلوا وضمنوا غنائكم، وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين).
3-
الامتناع عن قتل الرهبان
يمنع
الشارع الحكيم على المجاهدين قتل الرهبان في الجهاد
فهذا
أبو بكر أول الخلفاء الراشدين يوصي قائد جيش المسلمين إلى بلاد الشام قائلاً: (إنك
ستجد قوماً حبسوا أنفسهم لله فدعهم وما حبسوا أنفسهم له)[16].
4-
الامتناع عن قتل الأجراء والعمال
نهى
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الأجراء والعمال الذين لا يحاربون، فعن رباح
بن الربيع قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة وعلى المقدمة خالد بن
الوليد، قال فبعث رسول الله صلى الله عليه رجلاً فقال: قل لخالد " لا تقتل
امرأة ولا عسيفا " [17].
وفي
رواية فقل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك فيقول: (لا تقتلن ذرية ولا
عسيفاً) [18]
والعسيف: هو الأجير[19].
5-
الامتناع عن قتل فئات من الناس بعينها
لقد
عدد الفقهاء فئات من الناس يمنع المجاهدين من قتلهم في الجهاد ومنهم الأعمى
والمعتوه والراهب والسائح والمقعد والمجنون والخنثى المشكل، ويابس الشق[20].
6-
الامتناع عن قتل المؤمّن على نفسه
نهى
الشارع الحكيم من قتل المؤمن على نفسه
عن
عمرو بن الحمق الخزاعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من أمن رجلاً على
دمه فقتله فإنه يحمل لواء غدر يوم القيامة)[21].
7-
النهي عن الغدر
نهى
الشارع الحكيم عن الغدر.
فعن
عبد الله بن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الغادر يرفع له لواء يوم
القيامة إذا اجتمع الناس من الأولين والآخرين فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان)[22].
8-
النهي عن قتل الذمي
عن
عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من قتل فتيلاً من أهل
الذمّة لم يجد ريح الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً)[23].
9-
النهي عن قتل المعاهد
عن
أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من قتل نفساً معاهداً بغير حلّها
حرّم الله عليه الجنة أن يشم ريحها)[24].
ثالثاً:
الإرهاب مظهر من مظاهر الخروج عن سلطان الدولة وبغي على المجتمع
إن
ممارسة الأعمال الإرهابية أو الانضمام إلى الإرهابيين يعدّ مظهر من مظاهر التمرد
على سلطان الدولة وخروج عن سلطة الحاكم وبغي على المجتمع وكل ذلك مخالف للشرع.
فقد
توالت التحذيرات على لسان رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم من الخروج عن
الدولة والبغي على المجتمع ومن ذلك ما يلي:
عن
أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من خرج عن الطاعة وفارق
الجماعة فمات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبية أو يدعوا إلى عصبية
أو ينصر عصبية فقتل فقتلته جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برّها وفاجرها ولا
يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لـذي عهد عهده فليس منّي ولست منه)[25].
وطاعة
ولي الأمر وعدم الخروج عنه ثابتة بنص القرآن الكريم الصريح.
يقول
الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم
فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر
ذلك خير وأحسن تأويلاً)النساء 59.
وعدم
الخروج عن سلطان الدولة ثابت شرعاً لما فيه من مفاسد عظيمة تلحق المجتمع والدولة،
فمهما كانت الانحرافات من قبل الحاكم فإنها لا تسوغ لصاحبها الخروج عنه.
قال
سول الله صلى الله عليه وسلم (ألا من ولي عليه وال، فرآه يأتي شيئاً من معصية الله
فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يداً من طاعة)[26].
وطاعة
ولاة الأمر وعدم الخروج عنهم ومقاتلتهم تشمل برهم وفاجرهم وخيارهم وشرارهم.
وفجور
الحاكم وانحرافه لا يبرر أبداً مقاتلته في الشريعة الإسلامية ويدل على هذا حديث أم
سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنه يستعمل عليكم أمراء
فتعرفون وتنكرون، فمذكره فقد بريء، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع. قالوا:
ألا نقاتلهم؟ قال: لا ماصلوا)[27].
قال
ابن تيميه: " وهذا يبين أن الأئمة هم الأمراء ولاة الأمور وأنه يكره وينكر ما
يأتونه من معصية الله، ولا تنزع اليد من طاعتهم، بل يطاعون في الله، وأن منهم
خياراً وشراراً "[28].
وقال
الشوكاني: " فيه دليل على أنه لا تجوز منابذة الأئمة بالسيف ما كانوا مقيمين
للصلاة "[29].
[1] أنظر : المغني لابن قدامة 10/273.
[2] متفق عليه ، صحيح البخاري ح (3024) ، صحيح مسلم ح 19/1740).
[3] متفق عليه ، صحيح البخاري ح (2825) ، صحيح مسلم ح (1853).
[4] الوحي المحمدي ص 240.
[5] موسوعة سماحة الإسلام 2/730.
[6] أنظر : تعريف الغلو، في اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية 1/289 ، فتح الباري لابن حجر 13/278 ، الالتزام الديني منهج وسط للزحيلي ص 45 .
[7] أنظر : ماد : طرف المعجم الوسيط 2/561 .
[8] أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وصححه الحاكم وابن تيمية والنووي . أنظر : المسند 1/215 ، سنن النسائي 5/268 ، سنن ابن ماجة ، ح/3029) ، صحيح ابن خزيمة 4/2867 المستدرك 1/446 ، اقتضاء الصراط المستقيم 1/289.
[9] أخرجه أبو داود في سننه بإسناد حسن (4904).
[10] أخرجه البخاري في صحيحه، باب الدين يسر 1/16 .
[11] فتح الباري 1/94 .
[12] شرح صحيح مسلم 16/220.
[13] شرح صحيح مسلم 16/220 .
[14] الرسائل المفيدة في الأصول والفروع – رسالة القتال – ص 125 .
[15] متفق عليه ، صحيح البخاري ح (3014) ، صحيح مسلم ح (1744).
[16] جامع الأصول لابن الأثير 2/599 .
[17] أخرجه أبو داود في سننه ح (2669).
[18] أخرجه ابن ماجه في سننه ح (2842).
[19] أنظر المصباح المنير للفيومي مادة عسف ص 155.
[20] أنظر: بدائع الصنائع 7/101 ، منح الجليل للحطاب 3/144 ، مغني المحتاج 4/222 ، المغني لابن قدامة 10/539.
[21] أخرجه ابن ماجه ح (2688).
[22] أخرجه البخاري ح (3188).
[23] أخرجه النسائي في السنن الكبرى ح (8689).
[24] أخرجه النسائي في السنن الكبرى ح (8690).
[25] أخرجه مسلم في صحيحه ح (1848).
[26] أخرجه مسلم ح (1855).
[27] أخرجه مسلم في صحيحه ، ح (1853).
[28] منهاج السنة النبوية 1/117.
[29] نيل الأوطار للشوكاني 7/197.