العدد 1767- الجمعة  19  شعبان  1423هـ  إسلامية-أسبوعية- جامعةISSUE NO 1767  FRIDAY  19  Shaaban  1423H 25 October 2002

الصفحة الرابعة 

        1

 

(لقد حالت ظروف عديدة دون تعرف الغربيين على أبعاد حضارة الإسلام، وظلت النزعة العدائية تشكل عائقاً أمام التعرف على حقيقة الإسلام وطبيعة حضارته، وجاءت الأحداث الأخيرة لتمد أصحاب هذه النظرة بوقود جديد لحربهم ضد الإسلام)

الاعتدال وقبول الآخر في الخطاب الحضاري السعودي

بقلم : د. عادل فهمي البيومي

يعرف الجميع ان الطرح السعودي للقضايا الدولية طرح هادىء ورزين ومستشعر دائما لحساسية العلاقات الدولية وكانت معظم الدول الغربية تفضل التعامل مع المملكة فيما يخص مواطنيها من المسلمين.. ولم يلحظ المراقبون شيئا يتجاوز المساعدة المجردة من الهوى للمسلمين في الغرب فما الذي تغير؟؟».

ودعونا نعترف بأن الأحداث الأخيرة قد راكمت اثرا بالغاً في نفوس الامريكيين وكثير من الغربيين وحملتهم على تقبل التوجه الإعلامي الصهيوني المعادي للحضارة الإسلامية، والذي وجد في الأحداث الاخيرة ميدانا لتنفيذ خططه الجاهزة في علاقته مع الحضارة الإسلامية بما في ذلك مسلمو الغرب وان قسما من هذا التوجه اصبح يميل الى فكرة حوار الحضارات لا الى صدامها على عكس ما يروج له اليهود وأصحاب المصالح المعروفة وغيرهم من اصحاب النظرة الحضارية المتعصبة لكن الفريق الممتلىء بالبغضاء لايزال يشهر أسلحته فما العمل؟

لقد حالت ظروف عديدة دون تعرف الغربيين على أبعاد حضارة الإسلام، وظلت النزعة العدائية تشكل عائقاً أمام التعرف على حقيقة الإسلام وطبيعة حضارته، وجاءت الأحداث الأخيرة لتمد أصحاب هذه النظرة بوقود جديد لحربهم ضد الإسلام.

ومع كل هذا تقف أمتنا خلف قيادتها ثابتة ترفض هذا المسلك وتدعو الى المحبة والتعايش والسلام من منطلق تأكيد ذاتيتها الحضارية احياء وربطا بجذورها ليس فقط لحماية نفسها من هيمنة الحضارة الغربية ولكن لتعريف العالم من جديد بعطائها الحضاري الذي يستعصي على التزييف والتشويه ويقف عقبة في طريق فرض المشروع الغربي بشكل استوجب في رأي بعض مفكري الغرب حتمية «صدام الحضارات».

ان رسالتنا هي رسالة الإسلام للناس كافة وهى حضارة ترفض التعصب لجنس او سلالة او شعب بعينه ولا تعلى من شأن جنس على آخر. وحضارتنا ذات نظرة شاملة للحقائق تستمد نظرتها الشمولية من كليات العقيدة الإسلامية التي تتمثل في امور كثيرة هامة أولها التوحيد الذي يجب ان يقوم عليه التصور الإنساني ويرتبط بهذا التصور وحدة الناس جميعاً امام خالقهم لأنهم من أصل واحد.

ومن يتتبع هذا النهج يتبين مدى تقبل الاسلام لكل صاحب دين او مذهب يدخل ضمن مفهوم الدين وهو ما يؤكد سماحة الإسلام ونزعته الإنسانية وتعامله بالحكمة والدعوة الى المحبة والمودة والسلام، وعدم البدء بالعدوان أو جعله منهجاً في التعامل مع غير المسلمين على أرضية من السلام والحوار واحترام الآخر بقلب مفتوح ودون حواجز او عوائق.

ولعله يكون من الانصاف ان نذكر انه يصعب الربط في الكثير من الجوانب بين الحضارة الغربية الحديثة وبين الديانة المسيحية وان الصراع بين الحضارة الإسلامية وبين الحضارة الغربية لايشكل من وجهة النظر الإسلامية في اغلبها صراعا مع المسيحية بل العكس فان تخلي هذه ا لحضارة الغربية عن القيم الدينية بشكل عام هو الذي دفعها الى طريق الصدام مع الحضارة الإسلامية.

واننا نضم اصواتنا للعقلاء في أوروبا وامريكا الذين يرون اننا بحاجة الى التعايش والتفاهم والتعاون لحل مشكلات كثيرة تواجه العالم من ابرزها ما يمكن ان يحدث من حروب عرقية وقومية ودينية قد تعود الى دمار البشرية وان الحوار يمكن ان يسهم في ايجاد بيئة دولية سليمة ومستقرة تقوم على أساس الاحترام المتبادل والمساواة بين الثقافات والحضارات المختلفة وعدم ازدراء الآخر والحط من شأنه والاعتراف بوجود تباينات واختلافات بين الحضارات والثقافات وهو ما يعكس حقيقة خصوصية ظروف وتطور كل حضارة (رومان هيرتسوج، رئيس المانيا الاتحادية السابق).

والذي يحلل تحركات المسؤولين السعوديين في مساعيهم دائما لتغليب تيار العقل وطرح بديل لصدام الحضارات وهى دعوة (رابطة العالم الإسلامي) التي تنادي بالتعارف الحضاري بدلا من الصدام، والتعاون والتكامل والتقبل للآخر بدلاً من التنافر ومحاولات الهيمنة الاحادية.

ولكن اذا بدا لدعاة الصدام في مراكز الدراسات التخيلية ان التضييق على مدارس القرآن ومناهج التعليم الدينية، والحد من ادوار العلماء هى الوسائل الناجحة لكسب المعركة فاننا نذكر اصحاب السيناريوهات الدموية، وندعوهم لأن «يستوعبوا دروس التاريخ مهما تغيرت ادواته ووسائله فمنذ مساعي الاسكندر الاكبر الذي سعى لتطبيق الحكومة العالمية لم ينجح في مسعاه رغم نجاحه في احتلال الكثير من الأرض حيث صهرته حضارة الشرق وجعلته ينضوي تحت لواء ثقافتها وعقيدتها. اننا لا نسلم بنظرية نهاية التاريخ ولكننا نؤمن بسنة التدافع الحضاري الكوني الذي هو ظاهرة كونية تعمل على مر الزمان واختلاف البيئات وفقا لما جاء في القرآن الكريم قال تعالى: {... ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين} (البقرة:251).

ومع ذلك نعلن للعالم كله انه لا غضاضة لدينا في قبول فكرة الحوار بين الثقافات بل نعتبره مسؤولية شرعية، ونؤمن باستمرار علاقات التفاهم والتعارف والتعاون مع غير المسلمين، والعمل مع بقية الحضارات على ترسيخ البعد الإنساني لصالح الانسانية جميعها وان سعينا لمواجهة تيار الهيمنة والصدام والحفاظ على خصوصيتنا ليس رفضاً للآخر، وانما دعماً له وحفاظاً على نمو البعد الروحي والأخلاقي للحضارة الإنسانية.

ولكي نكون جديرين بهذا على الأمة الإسلامية الأخذ بالأساليب العصرية والسير في طريق التوحد لتتغلب على خلافاتها ودون ان تتحكم فيها المتغيرات الحزبية او المذهبية ومن خلال هذه الوحدة القوية يكون دورهم الفاعل في العلاقة مع غيرهم . ولعلي لا أتجاوز الواقع إذا قلت ان ما نحن فيه هو نتيجة لتخلي الأمة عن قيادة العالم ولمن يريد المزيد عليه ان يقرأ كتاب «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين».

والمستقبل مرهون بمدى تهيؤ المسلمين لهذا الطرح الذي سيسود العلاقات الحضارية في العقود القادمة من القرن الحادي والعشرين فهل آن الأوان لكي نكون على قدر تطلعات الأمة الإسلامية ام يتخلى الجميع عن دورهم وتتوارى الأمة في صفحات التاريخ؟

انني على يقين من اننا لو نجحنا في استعادة ذاتيتنا الحضارية من منطلق ثوابتنا فلنستعيد دورنا الريادي الاخلاقي على الرغم من كل نزعات التشاؤم التي يراها البعض فان الاسلام باعتباره حضارة تستعصي على التذويب تجعلنا ندرك بعمق ان الاسلام ليس من السهل صهره او قهره وان الثقة في المستقبل اكدت ان عصر جند الله الداعين الى سعادة الانسانية آت لا محالة {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون} (التوبة:32).

ولا تتصور عودة للذات بدون تنادي للمخلصين من ابناء الأمة لصياغة مشروعها الحضاري بحيث يكون التوحيد الخالص منطلقاً وان يكون فهم الاسلام باعتباره دينا وتشريعاً وحياة متكاملة، اساسا لهذا المشروع ويكون القرآن فيه دستوراً محركا ومغيرا وان يسترشد بسنن التغيير وتحسين طرائق التفكير {ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} وان تقود المشروع ارادة واعية ومنهجية علمية مستقيمة ويكون من أهداف المشروع «إسعاد الإنسان والحفاظ على كرامته» وتكون موازينه العدالة والمساواة والحرية باعتبارها ركيزة البناء وان تحكم المشروع قيم الموضوعية في اطارها المنضبط وان يعتمد النقد الذاتي للبناء والتقدم ويكون الابداع مناخا سائداً فيه وتكون رؤيته عالمية الأفق والرسالة والاستيعاب والافادة من الآخر في دائرة الخصوصية وابراز دور الرجل والمرأة في تلاحم وتكامل.

ان نجاح مشروعنا الحضاري «مرهون بمدى استعداد المسؤولين عن هذا العمل للتخلق بالعبودية لله في مختلف أعمالهم وأهدافهم فلا يتعلقون بأغراض قاصرة ولا أطماع عابرة ولا يتسابقون على احتلال مواقع الزعامة او الرئاسة ولا يبتغون بما يقولون او يفعلون سوى رفع كلمة الله ونشر نور الايمان».

وبدون دوام الاخلاص لله في القول والفعل والعمل فلا مطمع في ان يبارك الله الاعمال ولا في ان تنهض أمة الإسلام من كبوتها الحضارية الراهنة.

ان الأمر متعلق اولا بدور العلماء والدعاة والإعلاميين وأصحاب التوجيه والرأي حيث تقع عليهم مسؤولية التعريف بالإسلام ورحمته وعدالته وسماحته وقبوله للآخر من منطلق {قل يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا اربابا من دون الله فان تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} (آل عمران:64) وقوله تعالى (ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون} (آل عمران: 113) مع التأكيد دائماً على أننا أمة رسالة وشهود على العالمين {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا...} (البقرة: 143).

> استاذ الاعلام المساعد

 

الصفحات | 1 | 2  | 3 | 4  | 5  | 6 | 7 | 8 | 9 |10  | 11 | 12 | 13 | 14| 15 | 16|

الأولى| العالم هذاالأسبوع | حوارات | منتدىالآراء | إقتصاد | اوراق ثقافية | المرصدالإعلامي | طب | ندوات | الرابطة | أصداء | منابرالدعوة | الأخيرةالإنجليزية

 

الصفحة الرابعة 

        2

 

(وفي تقديري فإن السبب الرئيس الكامن وراء تفاقم أزمة «العمل الإسلامي» الراهنة يعود بالمقام الأول إلى غياب الخطاب الإسلامي المعاصر بمفرداته ومحدداته الواضحة.. الخطاب القادر على سبر أغوار النفوس وإقناعها بمسوغات وجوده، وبقدرته على تقديم حلول ناجعة لمشكلات البشرية بأسلوب حكيم يجمع إلى جانب الحكمة الموضوعية والواقعية والمرونة والحداثة)

نحو خطاب إسلامي معاصر

بقلم: موسى عبداللطيف الصبيحي

يعاني العمل الإسلامي المعاصر بشقيه الحزبي والفردي في مختلف الأقطار العديد من الأوجاع والعلل التي ساهمت بدورها في تكريس حالة من الإحباط في النفوس، وأصابت مواضع كثيرة في الجسم الإسلامي بالشلل، وسببت له الإنهاك والألم بصورة غدت تحتم إعادة مراجعة مسيرة العمل، وتشخيص حالتها المرضية بنزاهة وموضوعية وحياد.

وقد كان لغياب خطاب إسلامي موحد ومشترك موجه للعالم بلغاته وثقافاته المتعددة الأثر البالغ في تأويل مخرجات الواقع الإسلامي، وفي إفساح المجال لإدخال مفردات ليست من الإسلام في شىء، وإثارة اتهامات خطيرة تم الصاقها بالإسلام والمسلمين دون تمييز أو تحديد أدى تكرارها بمناسبة ودون مناسبة إلى إلحاق الأذى بالمسلمين في بقاع مختلفة من هذا العالم، كما أدى ذلك إلى التأثير في عقول الكثيرين ومن بينهم بعض الفئات النخبوية من أبناء الأمة الذين راحوا يرددون ما تقذفه ماكنة الغرب من اتهامات بحق الإسلام والمسلمين دون تبين أو موضوعية، أو فهم واضح لهذا الدين ولخطابه الرسالي العظيم.

ولعل ما أدى إلى مثل هذه الأوضاع هو اختلاط الكثير من المفاهيم والأفكار التي غدت غير واضحة في الأذهان، في الوقت الذي أخذ فيه الإسلاميون - على اختلاف طرائقهم - يتجهون نحو عرض نظرياتهم وتقديم خطاباتهم عبر مختلف السبل على اعتبار أنها السبيل الأوحد للخروج من شرنقات الأوضاع الصعبة والقاسية التي تشكلت بفعل الأنظمة غير الإسلامية وبتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة على مجمل أوجه الحياة البشرية.

وفي تقديري فإن السبب الرئيس الكامن وراء تفاقم أزمة «العمل الإسلامي» الراهنة يعود بالمقام الأول إلى غياب الخطاب الإسلامي المعاصر بمفرداته ومحدداته الواضحة.. الخطاب القادر على سبر أغوار النفوس وإقناعها بمسوغات وجوده، وبقدرته على تقديم حلول ناجعة لمشكلات البشرية بأسلوب حكيم يجمع إلى جانب الحكمة الموضوعية والواقعية والمرونة والحداثة.

وإذا كانت التيارات الأخرى تنعي على الاتجاه الإسلامي بمجمله عدم القدرة على انتاج مثل هذا الخطاب فما ذلك إلا بسبب غياب القيادة الإسلامية التي تملك مؤهلات قيادية رفيعة تؤهلها لحمل خطابها إلى الناس وتقديمه بأسلوب عقلاني وذكي، وحس إيماني هادىء ورائق وجميل.

إن صياغة خطاب إسلامي علمي معاصر هى مسؤولية مشتركة تقع على عاتق كافة متصدري ساحة العمل الإسلامي من علماء ومفكرين وقادة رأي، وناشطين في المجال الدعوي وبخاصة اولئك الذين ما فتئوا يزعمون انهم الأقدر على رسم ملامح هذا الخطاب بما يملكونه من أدوات ومفردات تؤهلهم لإنجاز هذا العمل الكبير. ولا اعتقد بحال أن العمل الإسلامي قادر على تحقيق أهدافه أو بلوغ غاياته ما لم يسع قادة هذا العمل إلى صياغة مثل هذا الخطاب وتحديد معالمه ومراحله بدقة متناهية، آخذين بالاعتبار كافة المتغيرات من حولهم، ومستفيدين من كل التطورات التي يشهدها العالم اليوم في حقول العلم والمعرفة الإنسانية.

ولست ممن يتفاءلون بالوصول الى هذه الغاية ما لم يسع قادة العمل الإسلامي بداية إلى نبذ كل أشكال العصبية الحزبية بصنوفها النكدة المختلفة، والتخلص من هيمنة الشخصانية وضغوطاتها الشرسة، والتحرر من قيود التبعية والتقليد وأغلالهما المحبطة، ومن ثم السعي نحو إشراع أبواب الحوار الإسلامي - الإسلامي قبل الحوار مع الآخرين أو ربما متزامناً معه وان كان بمرحلة متأخرة قليلاً.

ان هذه المهمة الصعبة تستدعي تعاوناً غير عادي لانجازها، وتآلفاً يكسر كل حواجز الأنا، والتقوقع، وقدرة على المواجهة الصريحة والاعتراف الواضح بالحقيقة الناصعة التي لايمارى فيها مخلص صادق، وهذا ما يتطلب من الجميع وبخاصة الرموز المتربعة على قمم تيارات العمل الإسلامي ان تبادر الى لقاءات المصارحة والمواجهة والحوار في إطار من الموضوعية والمصداقية بعيداً عن التزمت والاعتداد المهول بحيث تضع نصب أعينها هدف استمرار التواصل من أجل الفكرة التي تعمل لنشرها في العالمين.

ولعل الأزمات الداخلية الحادة التي يعاني منها العمل الإسلامي المعاصر والمشكلات الكثيرة التي تعصف بتياراته المختلفة هو ما يجب أن يحفز على الإسراع في التوجه نحو تشكيل خطاب موحد قادر على إزالة الغشاوة والضبابية عن الكثير من المفاهيم التي لايزال الخلاف حولها محتدماً.. وليس أدل على صور هذا الخلاف من تلك العمومية والضبابية التي أحاطت بمفردات الخطابات الإسلامية بوجه عام وما أسبغت عليها من رداءات تقليدية أسهمت بدورها في زيادة الشقة بين أصحاب الخطاب وبين الجماهير المترقبة الحائرة التي لم تعد قادرة على التمييز بينها، كما أنها لم تعد قادرة على استكناه فكرة الخطاب المأمول المنتظر بأهدافه ومبادئه الأصيلة..!!

إنني اعتقد أننا اليوم في أمس الحاجة الى صياغة خطاب جديد موضوعي ومتميز يشتمل على نظرة اكثر تحديداً لمفرداته، واكثر استيعابا للفكرة التي يقوم عليها، وأدق فقهاً للواقع ومتغيراته الكثيرة، وأعمق فهما لإيحاءات الرسالة وروحها، بحيث نقدم من خلال هذا الخطاب تصورات شمولية واضحة لهذه الرسالة بمضامينها وغاياتها ووسائل تفعيلها في الحياة، وآليات عملها في المجتمعات البشرية.

في هذه المساهمة المتواضعة أردت فقط محاولة الاقتراب من توضيح معالم الصورة، والإشارة إلى جوانب من ضبابية الخطابات الإسلامية المتعددة الراهنة، كما سعيت أيضاً لتسليط خيوط رفيعة خافتة من الضوء على ملامح خطاب جديد يحمل في طياته اشارات بارزة على طريق العمل الإسلامي المعاصر تبرز الحاجة لوضعه خاصة مع دخول الألفية الثالثة ومرور 1423 عاما على هجرة رسول الإسلام محمد [ من مكة إلى المدينة وهى الهجرة التاريخية المفصلية في تاريخ الإسلام التي آذنت بفتح عظيم من فتوحات هذا الدين، وشكلت مفصلاً تاريخياً مهماً من مفاصل التاريخ البشري كانت ولا تزال تفاعلاته محتدمة في أرجاء هذا العالم المأهول.

> كاتب إسلامي - الأردن

 

الصفحات | 1 | 2  | 3 | 4  | 5  | 6 | 7 | 8 | 9 |10  | 11 | 12 | 13 | 14| 15 | 16|

الأولى| العالم هذاالأسبوع | حوارات | منتدىالآراء | إقتصاد | اوراق ثقافية | المرصدالإعلامي | طب | ندوات | الرابطة | أصداء | منابرالدعوة | الأخيرةالإنجليزية

 

الصفحة الرابعة 

        3

 

(اما عمليتي اليمن واندونيسيا فهما يدخلان في اطار «الارهاب التخابري لاغراض سياسية» وليست عمليات ارهابية - أصولية كما يدعي البعض لاسباب عدة منها نشاط اجهزة الامن اليمنية والاندونيسية في اعقاب احداث سبتمبر ومحاصرة اية عناصر ذات صلة من قريب أو بعيد بالقاعدة او غيرها تحسبا لاية أعمال ضد المنشآت الأمريكية او الغربية او عناصرهم المتواجدة على أراضيها).

الإرهاب التخابري لأغراض سياسية في الدول الإسلامية

بقلم - هشام السيد

ثلاث عمليات ارهابية خلال اسبوع وهى اعتداء كويتيين على جنود امريكيين في جزيرة فيلكا الكويتية وانفجار لحاملة النفط الفرنسية على سواحل حضرموت ثم سلسلة انفجارات في جزيرة بالي باندونيسيا وجميعها وصفت بالارهاب كما تم نسبها من قبل غالبية الوكالات العالمية لتنظيم القاعدة والعناصر الاصولية الاسلامية - ولكن علينا ان ننتبه لمثل هذه الأحداث حتى لا نستمر في تقبل ما ينسب للإسلام وان العمليات الارهابية تخضع لاشراف وتنفيذ الحركات الإسلامية.

والعمليات الثلاث لم تعلن اي جهة مسؤوليتها عنها عقب تنفيذها مباشرة كالعادة في مثل هذه الحوادث ولو ان منفذيها من عناصر القاعدة لاعلن التنظيم عنها خاصة انه في حاجة لاستعادة بريقه مرة أخرى ورغبته الاكيدة في الظهور على الساحة الدولية والتمتع بالشعبية الاسلامية الدولية التي شهرته في اعقاب احداث سبتمبر.

كما ان العمليات تتسم بالتنوع والتخطيط والتنفيذ وهى بذلك تحتاج الى معلومات ومصادر وقواعد في دول مختلفة لتنفيذها وهو الأمر الذي يصعب على تنظيم مفكك ومطارد من قبل اجهزة الأمن في جميع دول العالم ضمن الحملة الدولية ضد الارهاب ان يقوم بمثل هذه العمليات.

والعمليات تمت على أراضي إسلامية والضحايا من الأجانب أعضاء التحالف الدولي ضد الارهاب وهذا ايضا مخالف لاسلوب القاعدة الذي لاينفذ العمليات على أراضي اسلامية وانما يختار اوروبا وامريكا وافريقيا هدفا له كما حدث من قبل في عملياته السابقة وذلك للاحتفاظ بشعبيته الإسلامية.

ولو نظرنا بتفصيل كل حالة على حدة نجد أن عملية الكويت لا تعدو عن كونها عملية حماسية شبابية انفرادية لا ترقى الى كونها عملية تنظيمية لسوء التخطيط والتنفيذ وضعف الامكانيات - فهى اعتداء في منطقة عسكرية بجزيرة خارج الكويت لفردين مسلحين بسلاح آلي بسيط من مخلفات حرب العراق اسفر عن مقتل منفذيها ومقتل جندي امريكي واصابة اخر فهو اذن اختيار خاطىء لموقع التنفيذ ونوع السلاح والهدف المطلوب وكان من الممكن ان تتم العملية في الاسواق الكويتية او المنشآت الاخرى التي تعج بالامريكيين دون المنشأة العسكرية خاصة وان الارهاب يتجه دائماً الى ضرب المدنيين اكثر من العسكريين لانه يؤلم ويربك ويرعب الدول. والمنشآت العسكرية المؤمنة دائماً تحتاج في تنفيذها الى عملية مثل عملية مارينز بيروت عام 1986 وهى كما قلنا انها عملية شبابية حماسية قد تتكرر كثيرا خلال الفترة القادمة نظرا لوجود تيار ساري ينادي بخروج القواعد الامريكية من الاراضي العربية وليس له صلة بتنظيم القاعدة انما هى ظاهرة اشد خطورة على الأمن الخليجي من تنظيم القاعدة نفسه.

اما عمليتي اليمن واندونيسيا فهما يدخلان في اطار «الارهاب التخابري لاغراض سياسية» وليست عمليات ارهابية - أصولية كما يدعي البعض لاسباب عدة منها نشاط اجهزة الامن اليمنية والاندونيسية في اعقاب احداث سبتمبر ومحاصرة اية عناصر ذات صلة من قريب أو بعيد بالقاعدة او غيرها تحسبا لاية أعمال ضد المنشآت الأمريكية او الغربية او عناصرهم المتواجدة على أراضيها - نفي جميع الحركات الإسلامي الاندونيسية صلتها باحداث جزيرة بالي واعلانهم عن اجتماع موسع لاعلان براءتهم من هذا الاتهام.

وتتسم العمليتان بدرجة عالية من التخطيط والتنفيذ دون ترك دليل او سقوط ضحايا من المنفذين او اي اثار لهم حتى ان فريقي الامن الفرنسي واليمني تخبطا في تحديد كونها ارهابية او حادثة طبيعية في بادىء الأمر - كما ان المعلومات الخاصة بتواجد السفينة في هذا التوقيت داخل المياه الاقليمية اليمنية ليست معلومات يسهل على التنظيمات الارهابية الحصول عليها وانما هى معلومات اجهزة تخابر ودول - والتسلسل الانفجاري في اندونيسيا يحتاج الى تكنولوجيا تفجيرية عالية وكذلك تفجير زورق بدون راكب في السفينة الفرنسية هى ايضا تكنولوجيا لا يسهل على التنظيمات الحصول عليها.

وقد يكون هناك اجهزة تخابر وراء هذه العمليات وهى مجرد وجهة نظر والغرض من العمليات قد يكون لتنفيذ اهداف سياسية منها تشويه صورة اليمن وخلق جو من التوتر في العلاقات اليمنية الفرنسية وبالتبعية الفرنسية العربية خاصة ان فرنسا المؤيد الوحيد للدول العربية في موقفها من ضرب العراق او الضغط دوليا على اليمن من اجل اتخاذ المزيد من اجراءاتها الامنية ضد بعض العناصر على أراضيها كذلك الضغط على اندونيسيا من اجل تحجيم حركة التيار الإسلامي النشط بها خاصة حركة مجلس مجاهدي اندونيسيا المتهم بارتباطه بالقاعدة ودفع اندونيسيا لاستصدار قانون للطوارىء لتحجيم الحركات الإسلامية - كما انها تعتبر ضربة اقتصادية لبلد يعتمد بشكل اساسي على السياحة كمصدر قومي للدخل وان العمليات الارهابية بمجملها تذكير بالحملة الأمريكية ضد الارهاب والحصول على دعم دولي في مخططاته الرامية الى ضرب العراق.

> كاتب اسلامي بمكة المكرمة

 

الصفحات | 1 | 2  | 3 | 4  | 5  | 6 | 7 | 8 | 9 |10  | 11 | 12 | 13 | 14| 15 | 16|

الأولى| العالم هذاالأسبوع | حوارات | منتدىالآراء | إقتصاد | اوراق ثقافية | المرصدالإعلامي | طب | ندوات | الرابطة | أصداء | منابرالدعوة | الأخيرةالإنجليزية

 

الصفحة الرابعة 

        4

 

(والعقل الذي يخاطبه الإسلام هو العقل الذي يعصم الضمير، ويدرك الحقائق، ويميز بين الأشياء، ويوازن بين الأضداد، ويتبصر العواقب والنتائج، ويتدبر ويحسن الأدكار والرواية. ومن هذا المنطلق الإسلامي، تعمق العلماء المسلمون في علوم الحياة والحضارة الإنسانية، وبعقلية عملية، فكان منهم نوابغ الأطباء والفلكيين والرياضيين، والكيميائيين، وأوائل من اكتشفوا حقائق علمية في مجالات كانت أول المعالم على طرق الباحثين والدارسين)

العقلية العلمية ودورها في نهوض المسلمين

بقلم : د. أحمد عبدالرحيم السايح

من أوضح سمات القرآن الكريم التي أثارت انتباه الدارسين من رجال الفكر، والباحثين من العلماء، هى الإشادة بالعقل، وتوجيه النظر إلى استخدامه للوصول إلى ما يفيد الإنسانية في مسيرتها.

ويشير القرآن الكريم إلى العقل ومشتقاته ومترادفاته ومعانيه المختلفة في كثير من الآيات. مستخدماً لذلك كل الألفاظ التي تدل عليه أو ترشد وتشير إليه من قريب أو من بعيد. من التفكير، والتدبر والتذكر، والحكمة، واللب، والنظر، والرشد، والرأي، والعلم، والفقه، والقلب، والفؤاد، إلى غير ذلك من الكلمات والألفاظ التي تدور حول الوظائف، العقلية. على اختلاف معانيها وخصائصها مما يعتبر ايحاءات قوية بدور العقل وأهميته بالنسبة للإنسان.

والقرآن الكريم كتاب تبليغ واقناع، وهداية وارشاد يوقظ القلوب، ويصلح العيوب، ويشرح الصدور.. ولا يوجد أتم من التوافق بين تميز الإنسان بالتكليف وبين خطاب العقل في القرآن الكريم، بكل وصف من أوصاف العقل، وكل وظيفة من وظائفه في الحياة الإنسانية.

يقول الكاتب الكبير عباس العقاد: «إن الكتاب الذي ميز الإنسان بخاصة التكليف هو الكتاب الذي امتلأ بخطاب العقل بكل ملكة من ملكاته، وكل وظيفة عرفها له العقلاء، والمتعقلون، وذلك قبل أن يصبح العقل درساً يتقصاه الدارسون كنها وعملاً، وأثراً في داخله وفيما خرج منه، وفيما يصدر منه وما يئول اليه.

العقل وازع يعقل صاحبه عما يأباه له التكليف.

والعقل رشد يميز بين الهداية والضلال.. والعقل روية وتدبير.. والعقل بصيرة تنفذ وراء الأبصار.. والعقل ذكرى تأخذ من الماضي للحاضر، وتجمع العبرة مما كان لما يكون وتحفظ وتعي، وتبدىء وتعيد، والعقل بكل هذه المعاني موصول بكل حجة من حجج التكليف وكل أمر بمعروف، وكل نهى عن محظور: أفلا يعقلون؟ أفلا يفكرون؟ أفلا يبصرون؟ أفلا يتدبرون؟ أليس منكم رجل رشيد؟ أفلا تتذكرون؟

إن هذا العقل بكل عمل من أعماله يناط به التكليف، حجة على المكلفين فيما يعنيهم من أمر الأرض والسماء، ومن أمر أنفسهم، ومن أمر خالقهم وخالق الأرض والسماء.

والإشارة إلى العقل لا تأتي في القرآن الكريم عارضة، ولا مقتضبة في سياق آية، بل هى تأتي في كل موضع، مؤكدة باللفظ والدلالة.

وتتكرر الإشارة الى العقل في كل معرض من معارض الأمر والنهي، التي يحث فيها الإنسان على تحكيم عقله، أو يلام فيها الفكر على إهمال عقله، ولا يأتي تكرار الإشارة الى العقل بمعنى واحد من معانيه التي يشرحها النفسانيون من أصحاب العلوم الحديثة، بل هى تشمل وظائف الإنسان العقلية على اختلاف اعمالها وخصائصها.

فلا ينحصر خطاب العقل في العقل الوازع، ولا في العقل المدرك، ولا في العقل الذي يناط به التأمل الصادق، والحكم الصحيح، بل يعم الخطاب في الآيات القرآنية كل ما يتسع له الذهن الإنساني من خاصة أو وظيفة.

فالعقل في مدلول لفظه العام: ملكة يناط بها الوازع الأخلاقي أو المنع من المحظور والمنكر.

ومن خصائص العقل الإنساني التي تميز بها:

أولاً: انه ملكة الإدراك التي يناط بها القيم والتصور. وهذه الملكة على كونها لازمة لإدراك الوازع الأخلاقي، وإدراك أسبابه وعواقبه تستقل أحياناً بإدراك الأمور فيما ليس له علاقة بالأوامر والنواهي.

ثانياً: ان العقل يتأمل الأمر يدركه ويقلبه على وجوهه، ويستخرج منه بواطنه وأسراره ويبني عليها نتائجه وأحكامه.

ثالثاً: ومن أعلى خصائص العقل «الرشد» ووظيفة الرشد فوق وظيفة العقل الوازع، والعقل المدرك، والعقل الحكيم، لأن الرشد استيفاء لجميع هذه الوظائف وعليها مزيد من النضج والتمام والتمييز.

والعقل الذي يخاطبه الإسلام هو العقل الذي يعصم الضمير، ويدرك الحقائق، ويميز بين الأشياء، ويوازن بين الأضداد، ويتبصر العواقب والنتائج، ويتدبر ويحسن الأدكار والرواية.

ومن هذا المنطلق الإسلامي، تعمق العلماء المسلمون في علوم الحياة والحضارة الإنسانية، وبعقلية عملية، فكان منهم نوابغ الأطباء والفلكيين والرياضيين، والكيميائيين، وأوائل من اكتشفوا حقائق علمية في مجالات كانت أول المعالم على طرق الباحثين والدارسين.

وكان العلماء المسلمون ينظرون إلى الكون وما فيه: على أنه أمور موضوعة للدراسة والبحث والانتفاع. ومن الحوادث الدالة على العقلية العلمية في الفكر الإسلامي، ما حدث مصادفة ان كسفت الشمس يوم مات ابراهيم ابن رسول الله [ فقال قوم: إن الشمس كسفت لموت إبراهيم، فقال رسول الله [: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته».

وهكذا يقرر الرسول الصادق الأمين، مبدأ علمياً، ظل أبد الدهر، هادياً إلى طرق الرشاد.

وفي حادثة فيضان النيل بالإقليم المصري، موضوعة علمية، تدل على نظافة الفكر الإسلامي وطهارته، وذلك أنه كان الاعتقاد السائد في مصر قبل الفتح الإسلامي: أن النيل لا يفيض إلا إذا القيت فيه فتاة حسناء لتموت فيه غرقاً. فلما حان وقتذاك كتب الوالي إلى عمر بن الخطاب في المدينة المنورة، عاصمة الخلافة الإسلامية: يخبره ويستشيره فيما تعود عليه المصريون، فأجابه عمر. بإرسال رسالة يلقيها في النيل، وكان في الرسالة: (من عمر أمير المؤمنين إلى النيل إن كنت تجري من عندك فلا حاجة لنا بك. إن كنت تجري بفضل الله فاللهم بارك لنا).

وبهذا قضى المسلمون على أسطورة ليس لها واقع علمي وعقلي في الحياة.

وبالعقلية العلمية كانت علوم المسلمين، هى أساس الحضارة في العصر الأول واخذت الحركة العلمية تتدرج في أطوار مختلفة حتى فتح المسلمون نافذة واسعة اطلوا منها على حضارات العالم، وكان المسلمون يعرفون المنهج الاستقرائي حق المعرفة، وينتقلون من المعلوم إلى المجهول، ويقومون بدراسة الظواهر، دراسة دقيقة، بقصد الانتقال من المعلوم إلى العلة.

ولما كان العقل في الإسلام له هذه العناية الفائقة من التقدير، فقد اتخذ له الإسلام منهجاً فريداً، في تحريره ليظل العقل عاقلاً، والفكر راشداً.. وهذا المنهج الإسلامي يقوم على دعائم اساسية من شأنها حراسة العقل حتى لا يضل في المتاهات الجامدة.

ومن شأنها ايضا ترشيد الفكر، حتى يعمل في ميادين الخير، وما يفيد المجتمع الإسلامي والإنساني.

وأول دعامة في المنهج الإسلامي.. في تحرير العقل والفكر هى تحرير الإنسان من أصفاد الجهل وظلمته.. لأن الجهل يقتل مواهب الفكر والنظر، ويطفىء نور القلوب، ويعمي البصائر، ويميت عناصر الحياة والقوة في الأفراد والجماعات والأمم، ويفسد على الناس مناهج الاستقامة، والسلوك المستقيم.. والجهل هو الذي يجعل النفوس مستعدة لقبول الزيف والبدع والأهواء والخرافات والأساطير.

والدعامة الثانية في المنهج الإسلامي.. هى تحرير الإنسان من أغلال الحجر العقلي، وسيطرة التبعية العمياء، وتربيته تربية إسلامية تقوم على حرية الفكر واستقلال الإرادة، ليكمل بذلك العقل، ويستقيم التفكير، وتكمل الشخصية الإنسانية.. لأن كمال العاقل، واستقامة التفكير، اساس في صحة العقيدة، وكمال التدين، ومعرفة الحق الذي يجب أن يتبع ومعرفة الباطل الذي يجب ان يجتنب.

وقد عنى الإسلام ببناء تحرير الإنسان من أغلال الحجر العقلي. عناية كبرى فجعل البرهان أساس الإيمان الصحيح وبين أن كل اعتقاد أو عمل لا يقوم على دلائل الحق فهو مردود وأنذر الذين يجادلون في الله بغير علم، ولا كتاب، قال تعالى في سورة الحج: {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق} (سورة الحج: الآيتان 8،9).

والدعامة الثالثة في المنهج الإسلامي.. تحرير الإنسان من طاعة الأهواء والانقياد الأعمى لمغرياتها.. لأن طاعة الأهواء من أقوى عوامل انحراف الإنسان في سلوكه والتوائه في نظره، وتفكيره، وهؤلاء الذين يطيعون الأهواء. لا يستقيم لهم رأي، ولا تعتدل لديهم موازين، ولا يخضعون لحق ليس في جانبهم.

ولهذا عنى الإسلام بتحذير الناس من اتباع الهوى، ونعى عليهم ضلالهم فقال تعالى في سورة القصص {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم انما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين} (سورة القصص: الآية50).

وإذا كان من شأن هذا المنهج ان يظهر العقل، ويقوم الفكر، ويسير به في الطريق المستقيم.. فإن الإسلام اتبع ذلك بمبادىء قيمة، ومن شأنها ان تصل بالناس إلى طريق الحق والهدى والخير والسلام.

أولاً: ان الناس في الفهم والتفكير وادراك حقائق الأشياء لن يكونوا متماثلين ولا متشابهين لأن الناس على درجات مختلفة، ومراتب متباينة.. فهناك فريق من الناس قد لا تهىء له حالاته والظروف المحيطة به الا شذرات من المعرفة.. وثمة فريق آخر لم تعده وراثته إلا للسطحي من الأشياء وكم من الناس من قصرته البيئة على القشور من الحقائق، وكم من الناس من حصرته التربية في دائرة ضيقة من المرئيات..

وهناك من سجنته الخرافات والأساطير.. ومن الناس من جرفه تيار المادة فلم ير الأشياء إلا بمنظار مادي.. لهذا طالب الإسلام مختلف المستويات الإنسانية بالنظر، والتأمل، والتفكير في ملكوت السموات والأرض.

قال تعالى: {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت. وإلى السماء كيف رفعت. وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت} (سورة الغاشية: الآيات 17 -20).

قال تعالى: {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج، والأرض مددناها والقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب} (سورة ق الآيات 6-8).

وهناك كثير من الآيات التي تدعو إلى التفكير والنظر في السموات والأرض وما خلق فيهما ليصل الإنسان إلى الإيمان بالله فيرتقي إلى السمو والكمال.

ثانياً: لم يكتف الإسلام بتوجيه الناس الى النظر والتفكير، والتدبر، بل استنهض العقول ووجه الإفهام وايقظ الحواس ونبه المشاعر وذلك بالتعقب على بيان الآيات الكونية والتشريعية والاجتماعية بمثل قوله تعالى في سورة الرعد: {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون}.

وقوله تعالى : {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}.

وقوله تعالى في سورة طه: {إن في ذلك لآيات لأولي النهى}.

وقوله تعالى في سورة يونس: {إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون}.

وقوله تعالى في سورة الرعد: {إنما يتذكر أولو الألباب}.

ثالثاً: بشر الإسلام الذين يستمعون القول فينظرون اليه نظر البصير، ويتبعون منه ما يدل على الحق، ويهدي الى الرشد.. كما قال تعالى في سورة الزمر: {...فبشر عباد. الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب}.

وهكذا نرى أن الإسلام قد عمل على تطهير النفوس من الأغراض الخفية، والأهواء الدفينة، لأن ذلك من أكبر العوامل في اعتدال واستقامة التفكير، ومن هنا كانت حملة الإسلام شديدة على الذين لا يستعملون عقولهم وما وهب الله لهم من قدرات ذهنية ضاربين في بيداء الضلال، ومنقادين وراء سرب كل البدع والأهواء والجمود.

قال تعالى {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا} (سورة الإسراء: آية36).

وهذه الآية تنهي عن اتباع ما لم يقم به علم يستند الى حجة سمعية، أو رؤية بصرية، أو براهين عقلية، وهى طرق الاستدلال التي تنحصر في العقليات والسمعيات والمحسوسات.

لهذا كله اقبل المسلمون على العلم ينشدونه في مظانه، ووجهوا عزائمهم على الفكر الاصيل القائم على توجيهات الإسلام.

واننا نجد ان علماء المسلمين اهتموا بالفكر والعقل وانتبهوا الى آيات الله التشريعية وآيات الله العلمية، والعقلية، والحضارية.. ولم يشغلهم عن ذلك ترف الحضارة. ولم يثن عزائمهم بأساء الحياة.. لذا أقاموا الحضارة الإسلامية التي تخطت مراحل النهوض في تاريخ النهوض والأمم.

واستطاعوا في سرعة لم يعهد لها مثيل في التاريخ ان ينتقلوا من أمة الأمية إلى أمة العلم، والقيادة الفكرية، وان يصبحوا اساتذة العلم والعالم، وقادة الفكر والرأي، ورواد المعرفة والحضارة.

وبحثوا، ودرسوا، واضافوا، وجددوا، وابتكروا. فكان ذلك النتاج الحضاري الاصيل.. وقد حققوا ذلك على الرغم من الأحداث العاتية التي حملوا اعباءها والحروب الطاحنة التي خاضوا غمارها.

لأن الأحداث والخطوب.. وان بلغت ما بلغت، لا تستطيع ان تقف في طريق العقائد التي انطوت عليها القلوب، ولا ان تمنع العزائم القوية من الوصول الى أغراضها وأهدافها.. ولعلنا لا نكون مجانبين للصواب إذا قلنا أنه لأول مرة في تاريخ الإنسانية ترى الدنيا هذه الخطوة الجبارة.

ولا نكون مجانبين للصواب، إذا أدركنا أن التواصل الحضاري يقتضي منا الانفتاح على الآخرين. ونحن أمة تملك رصيدا ضخماً من القيم الهادفة.. التي بها نستطيع ان نساهم في بناء الحضارة الإنسانية مساهمة فاعلة وبانية.

> كاتب إسلامي

 

الصفحات | 1 | 2  | 3 | 4  | 5  | 6 | 7 | 8 | 9 |10  | 11 | 12 | 13 | 14| 15 | 16|

الأولى| العالم هذاالأسبوع | حوارات | منتدىالآراء | إقتصاد | اوراق ثقافية | المرصدالإعلامي | طب | ندوات | الرابطة | أصداء | منابرالدعوة | الأخيرةالإنجليزية