العدد 1768- الجمعة 26 شعبان1423هـ إسلامية-أسبوعية- جامعة NO 1768 FRIDAY 26 Shaaban 1423H 01 Nov 2002
الصفحة الرابعة
![]()
1
الكنز الدفين
بقلم : أ.د. عون الشريف قاسم
وما أحرانا نحن الذين استخلفنا الله في الأرض
واختصنا بخاتمة رسالاته، وجعلنا بها خير أمة أخرجت للناس، أمة وسطاً لنكون شهداء
على الناس، ونكون الرمز الحي لهذا التعاون بين قوى الانسان، ما أحرانا أن نبحث عن
هذا الكنز الدفين في حضارتنا وتاريخنا وأنفسنا ونحققه في حياتنا ونثري تجربة
البشرية من حولنا.
من البديهيات التي لا يختلف عليها الناس أن الإنسان أغلى
رأسمال. ورأسمال الإنسان عقله وروحه، إذ هما اللذان يميزانه عن بقية الحيوان.
ولولاهما لما كانت له حضارة ولا كان له تاريخ، ولأصبح نسخة مكرورة كما تتكرر
الأشجار والدواب. ولهذا السبب عرفوا الإنسان بأنه حيوان ذو تاريخ. وما الحضارة
والتاريخ سوى الإطار الذي يتفتق عنه وعي الإنسان وضميره ووجدانه خلال الزمان
والمكان. وهذا الإطار الزماني والمكاني الممثل في كل ما أنجزه الإنسان من مظاهر
حياتنا المادية والمعنوية ما هو في واقعه إلا المظهر الخارجي لما يجري في داخل الإنسان
من تطور وازدهار في ملكاته العقلية والروحية. ولا يقاس نجاح الانسان في كل ذلك بما
يشيده من أبنية ولا بما اخترعه من أدوات، ولا بما جمعه من ثروات، أو بما حققه من
انتصارات، فكل ذلك رغم أهميته فانٍ وزائل كما يشهد بذلك التاريخ. ولكن الذي يبقى
على الزمن هذا الجهاد المتصل لتوسيع دائرة الإنسانية بتوسيع حضارتها وإثراء
وجدانها وتنشيط وعيها بحيث يصبح الإنسان في كل مرحلة من مراحل تطوره أكثر إنسانية،
لا بما يزحم حياته من علامات الرفاهية ولين العيش، بل بتكامل قواه العقلية
والروحية والشعورية والحسية فتغلف وجوده مشاعر المحبة والأخوة، وتوجه حياته معاني
الرحمة والشفقة والبرّ والتعاون والتضحية في سبيل الآخرين. وليست كل هذه المشاعر
الإنسانية جديدة على البشر، فهي مغروسة فيهم بالفطرة ولكنها محتاجة الى التدريب
والتنمية والرعاية والمجاهدة لكي تقوى وتشتد وتتغلب على نوازع الشر والغرائز
الجامحة والكامنة أيضاً في كل نفس حيوانية. وبقدر مايسيطر الإنسان على غرائزه
ويكبح من جماح شهواته، ويهدهد من نزواته يبتعد عن دائرة الحيوانية ويقترب من
الإنسانية. ولا تتم الإنسانية بإماتة كل الشهوات وإلغاء الغرائز، وإلا حكم الإنسان
على نفسه بالفناء. وإنما تتم إنسانية الإنسان بالموازنة الدقيقة بين عواطفه
وغرائزه بالتحكم فيها تحكماً يحقق سعادة الفرد ويضمن سلامة الجماعة. فإن التحكم في
غريزة الجنس مثلاً يقضى بالزواج الذي يحقق للفرد ما يتمناه من استقرار وسعادة،
ويضمن للمجتمع سلامة نواته الطبيعية وهي الأسرة، في حــــين ان عدم التحكم في هذه
الغريزة لا ينجم عنه سوى تدمير الفرد بإغراقه في الفسق والفجور ومايتبعه من موبقات
تنتهي بتدمير كيان المجتمع ككل. فهذه الغرائز والعواطف بمثابة النار إذا أطلقنا
لها العنان قضت على الأخضر واليابس، وإن تحكمنا فيها وأخضعناها لحاجتنا الاجتماعية
كان من ورائها كل النفع وكل الفائدة. ومن الطبيعي أن تنظيم حياة الإنسان الشعورية
والوجدانية ينعكس على سلوكه ونشاطه، فترتقي حياته وتتطور وتزدهر كلما بلغ هذا
التنظيم درجة عالية من التكامل والتوازن بين كل قوى النفس المفكرة والشاعرة
والمنفذة. فلا استقرار ولا سعادة حين يختل التوازن لصالح جانب من هذه الجوانب. ومن
ثم كانت القمم الإنسانية وهم الأنبياء والرسل المثل الحي الأعلى لهذا التوازن،
وكانت دعواتهم ورسالاتهم دعوة وسبيلاً إلى بلوغ هذا التوازن في حياة الناس
العاديين، لأنه بذلك وحده تنتظم حياة الناس في حياة المجتمع، ويتقدم الجنس البشري،
لا في انجازاته المادية فحسب، بل في انجازاته المعنوية أيضاً لتلازم العنصرين في
مسيرته نحو تحقيق مثله الأعلى. ولعله لهذا السبب كانت كل الطفرات الحضارية في
تاريخ العالم مسبوقة بثورات دينية لأن هذه الثورات الدينية تنظيم وتشكيل لحياة
الإنسان الداخلية، ومـــتى انتظم داخل الإنسان انعكس ذلك على وجوده الخارجي بركة
ورحمة وفكراً وهداية وتطوراً كما سلف القول. ومن كل ذلك يتضح ما تعانيه البشرية
اليوم من تمزق وانحلال وإفراط في القسوة والظلم، فإنها بتغليبها جانب النظر العقلي
التجريبي الممثل في منهج العلم الطبيعي التجريبي، وما ينجم عنه من تكنولوجيا
وفوائد مادية لا غنى عنها لخير الإنسانية، وإغفالها للجانب الروحي والوجداني من
الإنسان الذي لا يخضع حتى الآن لمعايير العلم التجريبي، قد أحدثت انشطاراً عنيفاً
في حياة الناس، وخلقت فراغاً روحياً وعقلياً وأخلاقياً عظيماً في وجودهم، وسعت إلى
استحداث أديان مادية جديدة تعوض مافقده الإنسان الحديث بفقدانه للدين الصحيح.
وما أحرانا نحن الذين استخلفنا الله في الأرض واختصنا
بخاتمة رسالاته، وجعلنا بها خير أمة أخرجت للناس، أمة وسطاً لنكون شهداء على
الناس، ونكون الرمز الحي لهذا التعاون بين قوى الانسان، ما أحرانا أن نبحث عن هذا
الكنز الدفين في حضارتنا وتاريخنا وأنفسنا ونحققه في حياتنا ونثري تجربة البشرية
من حولنا.
> وزير الأوقاف والشؤون الدينية بالسودان سابقاً
الصفحات | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 |10 | 11 | 12 | 13 | 14| 15 | 16|
الأولى| العالم هذاالأسبوع | حوارات | منتدىالآراء | متابعات | اوراق ثقافية | المرصدالإعلامي | قضايا | الأسرة | الرابطة | مشاركات | منابرالدعوة | الأخيرة | الإنجليزية
الصفحة الرابعة
![]()
2
الأكاذيب الثلاثة التي تحرك الصهيونية
بقلم : أ.د. مصطفى رجب
وإن من أهم واجبات الإعلام العربي والإسلامي
أن يفتح أبواب المناقشة ــ وبمختلف اللغات الدولية لاسيما الانجليزية ــ في هذه
الأكاذيب لفضحها وتفنيدها وبيان تهافتها أمام شعوب الأرض كافة حــتى لا تصبح
مسلمات تتقبلها العقول دون مناقشة أو تفكير.
استطاعت الدعاية الصهيونية المنظمة أن ترسخ ثلاثة مفاهيم
مغلوطة أصبحت ـ مع تكرار استعمالها وبمرور الوقت ــ كالمسلمات التي تحرك الفكر
الاستراتيجي الصهيوني على مختلف مساراته: السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية،
التربوية، والإعلامية.
وتتمثل تلك المفاهيم / الأكاذيب في:
1 ــ فلسطين هي أرض الميعاد
2 ــ اليهود هم شعب الله المختار.
3 ــ العرق اليهودي أسمى من بقية الأعراق البشرية.
وهذه المفاهيم ليست قديمة قدم الديانة اليهودية، ولكنها
ولدت ونمت خلال القرن التاسع عشر على أيدي نفر من الصهاينة الأوائل الذين ابتدعوا
مفهوم (الصهيونية) وحوّلوه إلى أيديولوجية تجتمع حولها طوائف اليهود المشتتين ــ
آنذاك ــ في أنحاء العالم كافة.
واستمر الترويج لتلك الأكاذيب عالميا بتنظيم واتقان من 1812
حتى 1897 حين انعقد المؤتمر الصهيوني الأول في بال بسويسرا. ويحسن بنا قبل أن نفند
هذه الأكاذيب الثلاثة أن نوضح فروقاً ضمتها قائمة التعبيرات الصهيونية التي تم
ضبطها تبعاً لمعجم (المفردات الصهيونية) لبربارا ويل، وهذه الفروق ــ المتضمنة في
قواميسهم ــ توضح لنا تركيز اليهود على التفرقة الدقيقة بين المصطلحات الصهيونية
فهناك:
ــ الصهيونية الثقافية
التي تؤمن ــ كما يقول قاموسهم ــ بأن الاستيطان الناجح
وإعادة إسكان أرض إسرائيل (فلسطين) يستند إلى الحاجة لإعادة إحياء الثقافة
اليهودية، واللغة العبرية. وبالتالي يمكن أن تصبح أرض إسرائيل (فلسطين) مركزا
ثقافيا وروحيا مهما لليهود. بمعنى انها تجتذب اليهود الى ما تسميه الصهيونية (أرض
الميعاد). وهذه الصهيونية الثقافية قامت أساساً على أفكار الحاخام (آهاد).
ــ الصهيونية الواقعية
وهي من المظاهر المبكرة للحركة الصهيونية الحديثة. وهي
تنادي بعودة اليهود الى أرض اسرائيل «فلسطين» والاستيطان بها دون حاجة الى اتفاق
سياسي مع أي طرف آخر.
ــ الصهيونية الدينية
وهي تؤمن بأن القومية اليهودية ليست مجرد هدف سياسي، بل هي
هدف ديني يجب تحقيقه في شكل «وطن» لليهود في أرض فلسطين، وطن يقوم على الربط ما
بين التوراة (الدين) والعمل الواقعي.
ــ الصهيونية التركيبية
مصطلح صاغه تشايم وايزمان وهو ينادي بمزج الأهداف السياسية
للوطن اليهودي مع الأهداف الواقعية للاستيطان والعمل والثقافة اليهودية في أرض
إسرائيل (فلسطين).
هذه الفروق بين أربعة أنواع من «الصهيونية» ويعترف بها
القاموس اليهودي المعاصر، تصب جميعها في خانة واحدة هي: التبشير بأرض اسرائيل المقصود
بها فلسطين ــ بوصفها وطناً قومياً يجمع شتات يهود العالم تنفيذاً لما وعدت به
التوراة.
ــ أكذوبة أرض الميعاد
يستند اليهود في ترويج هذه الأكذوبة إلى نص في العهد القديم
(التوراة) يقول فيه الرب مخاطباً ابراهيم الخليل «لنسلك ــ أي لذريتك ــ أعطي هذه
الأرض: أرض كنعان». والمعروف من تراث اليهود أن لهم إلهاً يسمونه (يهوه) غير إله
ابراهيم عليه السلام فإله ابراهيم ــ عليه السلام ــ هو الله سبحانه وتعالى خالق
السماء والأرض فأي إله يا ترى صاحب هذا الوعد؟ إن كان هذا الوعد من إله ابراهيم
فهذا كذب على الله تعالى. فقد صرَّح القرآن الكريم بقطع الصلة بين ابراهيم وبين من
جادلوا فيه بعد عصره من اليهود والنصارى، فقال سبحانه وتعالى: {ياأهل الكتاب لِمَ
تحاجون في ابراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون} آل عمران:
65.
ــ أكذوبة «شعب الله المختار»
من الحيل اللاشعورية المعروفة لدى علماء الصحة النفسية
مايسمى عندهم بـ«الإسقاط» ومعناه أن يُسقط الإنسان مابداخله من نقائض أو عيوب على
غيره ــ في محاولة لا شعورية منه للتكيف الاجتماعي ــ بحيث يمكن بسهولة أن نستدل
على حقيقة الإنسان وخفايا نفسيته من خلال مراقبة الاتهامات التي يوجهها للآخرين.
هذا هو ما فعله اليهود تماماً، فهم يعلمون عن أنفسهم أنهم
أحط البشر وأنهم أكثر البشر عدواناً على حقوق الله سبحانه وتعالى، فقد كفروا به
وقتلوا الأنبياء، وفعلوا ما لم تفعله غيرهم من الأمم من المعاصي والخطايا. وكانوا
ــ في جميع العصور ــ مضرب المثل في التهاون بتعاليم الله وأوامره ونواهيه.
وبدلاً من أن يستغفروا ويتوبوا ويلتزموا جادة الطريق،
تمادوا في غيهم وزعموا أنهم أقرب الناس الى الله تعالى وأنهم آمنون من غضبه وسخطه.
وهكذا زادوا غيَّاً على غيهم. وظلماً على ظلمهم. وبلغت بهم درجة الوقاحة الادعاء
بأنهم «أحباب الله »، اختارهم من بين عباده ليكونوا صفوته من خلقه. تعالى الله عما
يقولون علواً كبيرا.
إن هذا الاتهام الباطل والتطاول البشع على ذاته سبحانه ليس
الوحيد من بني اسرائيل فقد اتهموه ــ جل شأنه ــ بما هو أبشع مما يعف عنه اللسان
والقلم، ولا نجد ضرورة لإثباته هـــنا لما فيه من بذاءة وتطاول. ولأننا هنا معنيون
ــ فقط ــ بتناول ما له صلة بدعوى أنهم (شعب الله المختار) التي يروج لها اليهود.
إن الله تعالى عادل، ولا يجوز في حقه ـ سبحانه ـ أن يقال
انه منحاز إلى هذا الفريق أو ذاك من عباده. قال تعالى: {وقالت اليهود والنصارى نحن
أبناء الله وأحباؤه قل فلم يُعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء
ويعذب من يشاء..} المائدة: 18.
لا دليل لديهم:
واليهود في دعواهم هذه بأنهم شعب الله المختار، لا يقدمون
دليلاً علمياً أو تاريخياً أو دينياً. وإنما هو محض «وهم» اختلقه ساستهم وسادتهم
وصدقوه.
أكذوبة نقاء العِـرْق اليهودي
تتصل هذه الأكذوبة ـ الى حد ما ـ بسابقتها، فاليهود يزعمون
أنهم وحدهم ـ دون سائر البشر ـ ينتسبون إلى سام بن نوح. وقد كان أول من نشر مفهوم
«السامية» العالم النمساوي «سلوتزر» عام 1781م وكان يقصد بها تلك الشعوب التي تزعم
انها من نسل سام بن نوح وتبنى علماء الغرب وكتابه هذه الخرافة التي لا يدل عليها
أي دليل علمي تاريخي قاطع. كما تفتقر الى أي أساس لغوي أو لهجي يمكن اعتماده
دليلاً على صدقها. بل إن العكس هو الصحيح. فالكنعانيون ـ سكان فلسطين الأوائل ـ هم
الساميون العرب الخُلص. فقد ورد اسم (العرب) في الكتابات البابلية والآشورية. كما
أطلقه الفرس واليونان على سكان الجزيرة العربية منذ ألف سنة قبل ميلاد المسيح.
معنى العداء للسامية
وقد ابتدع الفكر اليهودي مصطلح «عداوة السامية» ليلصقوه
بأعدائهم بوصفه اتهاماً بالعنصرية، يتألفون بذلك قلوب الغرب المرهفة التي تمقت
العنصرية وتدّعي انها متحضرة لأنها تتبنى مبادىء الاخاء والمساواة بين البشر.
يزعم الغرب هذا الزعم، وينسى ما يمور به تاريخه من مظالم ضد
السود من الأفارقة وضد الهنود الحمر، بل وضد اليهود أنفسهم الذين كانوا ـ في كل
زمان ومكان ـ مثار قلاقل واضطرابات لأي دولة تحتضنهم وتحفظ لهم حقوقهم.
وقد استطاعت الدعاية الصهيونية من خلال هذه الأكذوبة أن
تروج خرافتين كبيرتين:
الأولى: ان العرب ليسوا «ساميين» وانهم بهذه الصفة أعداء
للسامية التي هي حكر على اليهود وحدهم.
الثانية: ان كل عداء للسامية هو بالضرورة «عنصرية» تمثل
تهديداً للحضارة الغربية التي جوهرها المساواة بين البشر ومحاربة التمييز العنصري
والتمايز العرقي.
والمؤسف، ان بعض الكتّاب العرب انساقوا وراء هذا التصنيف
الصهيوني. وحاولوا ـ ربما بحسن نية أحياناً ـ تبرئة العرب من معاداة السامية. دون
أن يناقشوا أصل القضية: وهي أن العرب أنفسهم هم الساميون. وانه لا دليل مطلقاً على
صحة انفراد الصهاينة بهذا النسب إلى سام بن نوح.
وإن من أهم واجبات الإعلام العربي والإسلامي أن يفتح أبواب
المناقشة ــ وبمختلف اللغات الدولية لاسيما الانجليزية ــ في هذه الأكاذيب لفضحها
وتفنيدها وبيان تهافتها أمام شعوب الأرض كافة حــتى لا تصبح مسلمات تتقبلها العقول
دون مناقشة أو تفكير.
> كاتب وأكاديمي مصري
ـ جامعة سوهاج ـ مصر
الصفحات | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 |10 | 11 | 12 | 13 | 14| 15 | 16|
الأولى| العالم هذاالأسبوع | حوارات | منتدىالآراء | متابعات | اوراق ثقافية | المرصدالإعلامي | قضايا | الأسرة | الرابطة | مشاركات | منابرالدعوة | الأخيرة | الإنجليزية
الصفحة الرابعة
![]()
3
المسؤولية الفردية تجاه النهوض الحضاري للأمة
بقلم : د.عادل فهمي البيومي
لابد للفرد أن يعرف أن المسؤولية الأساسية
التي تندرج تحتها كل المسؤوليات هي المسؤولية العظمى تجاه الدين والعقيدة ؛حيث على
ضوء درايته بأصول ومبادئ دينه يستطيع أن يلم بكل المسؤوليات.
(...وما ضعف حال المسلمين في هذا الزمان إلاّ لإحساس كل فرد
باللامبالاة وعدم تحمل مسؤولياته ، فقد صمّت الآذان عن قول الرسول -صلى الله عليه
وسلم :"من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه ،فإن لم يستطع
فبقلبه ،وهذا أضعف الإيمان ".و قلما يلوم فرد نفسه عما وصل إليه حال الأمة
الإسلامية أويحمل نفسه شيئا من أعباء نهوضها من الكبوة الحضارية التى منيت بها )
المسؤولية أساسا هي : ( قوة أخلاقية تنزع بالفرد من داخله
ليلزم نفسه أو ينصاع راضيا لإلزام خارجي ، ويتقدم للقيام بما يجب القيام به تجاه
خالقه و دينه ونفسه ومجتمعه ويعمل ما هو خير بطريقة مشروعة قدر استطاعته ) .
والحساب أمام الله عن هذه الواجبات فردي قال تعالى ( وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ فَرْداً) (مريم:95)
و في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم لم يدع لذي عذر عذر
حيث قال :( كلكم راع ومسؤول عن رعيته ، فالإمام الذى على الناس راع وهو مسؤول عن
رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ،وهى مسؤولة عن رعيتها ، والولد راع في مال أبيه
وهو مسؤول عن رعيته ،والعبد راع في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته ألا فكلكم راع
وكلكم مسؤول عن رعيته ).
ومن حيث العرف فإن المجتمعات يتحدد نجاح مسارها وعلو
بنيانها عن طريق عدة مؤثرات هامة تستطيع أن تأخذ بيد المجتمع نحو الرفاهية
والازدهار، وتنأى به بعيداً عن الضياع والانحدار.
وأخطر تلك المؤثرات على الإطلاق شعور الفرد في مجتمعه
بأدواره ومسؤولياته ، ووعيه التام بالواجبات المسندة له والمتطلبات المنوطة
إليه.والمسؤوليات مفهوم ذو مستويات متراكبة :فمسؤولية الفرد تجاه نفسه ومسؤولية
الفرد تجاه الأسرة تتبعها مسؤولية الفرد تجاه الدين و مسؤولية الفرد تجاه الوطن و
مسؤولية الفرد تجاه الأمة .بل وهناك من يرتب مسؤولية الفرد عن آخرين ليسوا من أمته
بتقديم العون والنصح والهداية ..ولنعرض بشئ من التفصيل لهذه المسؤوليات :
أولاً: مسؤولية الفرد تجاه الدين:
العقيدة التي نتدين بها ليست مجرد " أيدولوجية"
وإنما هي المطلق، والعلم الشامل والكلي والمحيط، ووحي السماء، إنها الحق المعصوم
الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ومنظومة القيم التي تمثل مرجعيتنا
في السلوك، ليست نسبية ولا مرحلية، وإنما هي جزء من الثوابت.
قال تعالى : (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ
وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام:162)
و إن الدفاع عن الدين والعقيدة والمحافظة على قيم الدين
وتعاليمه من الأمور التي أوجبها الشارع الحكيم ، وعدّ المتقاعس عن نصرة الإسلام
خائناً لدينه ؛( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ
انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ
بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي
الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) (التوبة:38)
ان نهوض الفرد بأعباء الدفاع عن دينه صيانة للعقيدة وترسيخ
لجذورها .
ثانياً:مسئولية الفرد تجاه الوطن:
قال الشاعر :
فلا هطلت عليّ ولا بأرضي
سحائب ليس تنتظم البلادا
بمعنى ان أى مطر لايصيب بلدي كله لا أريد ان ينزل علي وحدي
.
وقال آخر :
بلادي وإن جارت علي عزيزة
وأهلي وإن ضنوا علي كرام
فضل الوطن على أبنائه لا يغفله الصغير قبل الكبير ؛فهو
المنبت والمنشأ، والمسكن والمأوى،والأمن والأمان، فيه الأهلون،وبه البنون،وتقر به
القلوب و العيون ، فالأرض التي نعيش عليها ليست مجرد تراب وطين وإنما هي الوطن
ووعاء الذكريات، وديوان التاريخ، ومسيرة الأجداد، ورحم الأمجاد .. ومستقبل
الأحفاد.
واللغة التي نتكلم بها - ليست مجرد أداة تعبير ووسيلة تخاطب
وإنما هي الفكر والذات والعنوان ..
وإن منتجاتنا ليست مجرد سلع للإشباع المادي وإنما هي منتجات
وطنية لها مذاق خاص ــ انها الزينة لبلادنا ولأجسادنا وإشباع الروح مع الجسد.
بهذه الروح وبهذه المعالم .. على طريق الإحياء والتجديد
يواجه الفرد مسؤوليات نهوض امته متناديا بشكل عفوي لنداء الواجب .. ، ومستأنفا
مسيرته الحضارية كما صنع قديماً - ودائماً - في مواجهة التحديات الشرسة التي لم
تهدد هوية أمته فقط وإنما هددت وجودها أصلا.
والفرد الذي ينعم بهذه الهبات لابد أن يعي جيداً أن عليه
دوراكبيرا نحو وطنه يتمثل بإيجاز في النقاط التالية:
1- أن يضمر لوطنه الحب ويتمنى له المنعة والعزة ويسعى
لتخليصه من كل تبعية .
2- أن يؤدي عمله على الوجه الصحيح ؛إيماناً منه بأن نتائج
هذا العمل ستنعكس على بنيان وطنه مباشرةً وإن كانت لاتفيده شخصيا في القريب .
3- أن يعمل على رفعة شأن بلده بكل ما يملك من قدرات سواء
بفكره أو بعمله أو بتوجيهاته.
4- أن يقدم حياته دائماً فداءً للوطن الإسلامي ، إذا ما حلت
به الخطوب أو داهمها دخيل ، وهو حينئذٍ ينصر دين الله بدفاعه عن وطنه مصداقاً لقول
الله تعالى:"إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ".
5- كما أن هناك بعض الواجبات التي ينبغي أن يفطن إليها
المرء في الفترة الأخيرة ألا ومنها المساعدة بما تملك اليمين في القضاء على كل
مظاهر الفساد في المجتمع .
ثالثاً: مسئولية الفرد تجاه الأمة:
إن الأمة تعني ذلك الكيان الممتد شرقاً وغرباً من أبناء
المسلمين والناطقين بحروف القرآن الكريم. التى قال الله عنها (إِنَّ هَذِهِ
أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الانبياء:92) }وَإِنَّ
هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}
(المؤمنون:52)
ومما لاشك فيه أن الفرد الواحد يشعر بشعور كل إنسان من أبناء
أمته ،ويفرح لفرحه ، ويتأذّى إذا ما مكروه أصابه.( وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ
وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ
الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً
وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً) (النساء:75)
قال صلى الله عليه وسلم (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس
منهم ) وواجب الفرد إذن أن يقف بصدق تجاه قضايا أمته رافعاً شعار الوئام العظيم
الذي أرساه الصادق المصدوق حيث قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"المسلم
للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضاً". وإن التجمد الذي أصاب قلوب بعض المسلمين
تجاه مآسي إخوانهم أمر لايمكن فهمه أو تبريره إسلاميا .
رابعاً: مسؤولية الفرد تجاه الأسرة:
لقد حثّ الدين الحنيف على ضرورة الالتزام بالمسئوليات التي
تسند إلى كل فرد من أفراد الأسرة ؛ حتى يؤدي الفرد داخل أسرته دوره الإيجابي
المكلف به ؛وحتى تسعد الأسرة ،ويدوم استقرارها.
ولا أجد في هذا الصدد أبلغ من هذه الوثيقة البليغة التي
أرسى الحديث النبوي الشريف أساسها المتين حين قال:"كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن
رعيته".
فلقد ألزمت السنة المطّهرة كل عنصر في أسرته بمهام دقيقة
تتناسب مع إمكانياته ، والفرد السليم الراشد هو من يعرف ماله وما عليه.
خامساً: مسؤولية الفرد تجاه نفسه:
وإنّ هذا الجانب يحتوي على عدة محاور تبين كيف يكون الفرد
مسؤولاً تجاه نفسه، وبيانها كالتالي:-
1- لابد للفرد أن يعرف بدايةً أنه ليس حراً ، بل هو وديعة
من عند الله ، فليحافظ على الأمانة ؛ حتى يرضي صاحبها عنه.لقد حمت الشريعة الفرد
من نفسه ومن غيره ورتبت عليه مسؤولية تجاه نفسه بألا يوردها مورد الهلاك
(وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى
التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة:195)
2- لابد للفرد أن يعرف أن صحته هو مسؤول عنها يوم القيامة
فليصنها ولا يتلفها بما يغضب المولى - جلت قدرته "ولا تلقوا بأنفسكم إلى
التهلكة".
3- لابد للفرد أن يعرف أخيراً أنه عندما يحافظ على نفسه من
الزلل والأخطار إنما يعمل على تقوية نبتةٍ صالحةٍ ، إن هو حصنها بالعلم والمال
يرتفع شأن وطنه وأمته:
بالعلم والمال يبني الناس ملكهم
لم يبن ملك على جهل وإقلال
4- لابد للفرد أن يعرف أن المسؤولية شيئاً كبيراً يحتاج إلى
الكثير من الصبر والمثابرة في النهوض بأعبائها على أكمل وجه وهذا الأمر يكلف المرء
الكثير من الاهتمام كي يؤدي واجبه على اكمل وجه ممكن ، يرضي نفسه أولاً ثم يرضي
ربه ، ويعمل على سعادة أسرته وأهله ووطنه الصغير كان أو الكبير .
5- لابد للفرد أن يعرف أن المسؤولية الأساسية التي تندرج
تحتها كل المسؤوليات هي المسؤولية العظمى تجاه الدين والعقيدة ؛حيث على ضوء درايته
بأصول ومبادئ دينه يستطيع أن يلم بكل المسؤوليات التي سبق الحديث عنها.
> عضو هيئة تدريس بقسم الإعلام الإسلامي جامعة أم القرى
الصفحات | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 |10 | 11 | 12 | 13 | 14| 15 | 16|
الأولى| العالم هذاالأسبوع | حوارات | منتدىالآراء | متابعات | اوراق ثقافية | المرصدالإعلامي | قضايا | الأسرة | الرابطة | مشاركات | منابرالدعوة | الأخيرة | الإنجليزية
الصفحة الرابعة
![]()
4
الواقع الفكري والثقافي للمجتمعات الإسلامية
بقلم: محمد أحمد شفيع
فهؤلاء ــ كما لقنهم الأوروبيون ـ يعتبرون أن
الإسلام يجب فقط أن يصبح مسألة شخصية بين العبد وربه، ولا يجوز بأية حال من
الأحوال أن يتدخل في شؤون الحياة العملية اليومية للمجتمع، ولذلك يجب أن يكون هناك
فصل كامل بين الدين والدولة!!
لقد حرصنا على أن يكون موضوع هذه المقالات الصحفية عمليا
ومرتبطا ارتباطا وثيقا بالواقع الحالي للمسلمين، واقع الأمة الإسلامية التي تعيش
ظروفاً تاريخية عصيبة بالغة الحساسية وحاسمة.
وإذا راجعنا صفحات التاريخ القديم والمعاصر، فإننا نجد أن
أعداء الإسلام لم يهدأ لهم بال منذ الأيام الأولى لظهور هذا الدين الحنيف، فقد
حاولوا دائما ـ وبكل الوسائل السياسية والعسكرية والمالية والثقافية ـ القضاء على
الإسلام، أو على الأقل تشويه صفحته المشرقة، وإلحاق الضرر به وبأهله.
وقد برزت هذه النزعة بصفة أكثر وضوحاً منذ الحروب الصليبية
التي قامت فيها أمم الغرب المسيحي بمحاولة تدمير الوطن الإسلامي واحتلال مقدساته
بوسائل القوة المسلحة، وبالكتابات المغرضة عن الإسلام والمسلمين، والتي قام بها
رجال الكنيسة وكُتاب الغرب ومفكروه في القرون الوسطى.
وفي العصر الحديث، برز المستشرقون الأوروبيون يحملون لواء
هذه الحملة المعادية للإسلام والمسلمين، والتي مهدت لاحتلال بلاد الإسلام من قِبل
الأمم الغربية النصرانية الاستعمارية في القرنين التاسع عشر والعشرين.
ومن المؤسف جداً أن اليقظة والنهضة الفكرية والعلمية التي
قامت في اوروبا في العصور الحديثة تزامنت مع ظاهرة التراجع والانحطاط والجمود لدى
العالم الإسلامي، بعد عصور عديدة من الازدهار الثقافي والحضاري في بلاد الإسلام،
مما سهل للدول الغربية الاستعمارية الغازية التهام بلاد الأمة الإسلامية، واستغلال
خيراتها، ونشر أفكارها وثقافتها ولغاتها في هذه البلدان الإسلامية.
وقد كان للاستعمار الاوروبي نتائج سيئة ووخيمة جدا على
الوطن الإسلامي، فقد تم نهب ثرواته، وتقسيم شعوبه، وزرع الحدود المصطنعة فيما
بينها، وخلق الخلافات السياسية فيما بينها.
هذا وحسب نظري القاصر، فإن أخطر مؤثرات هذا الاستعمار على
الأمة الإسلامية واسوأها في نتائجه هو الغزو الثقافي الفكري الحضاري الذي تعرضت له
هذه الشعوب الإسلامية من قبل الغرب الزاحف، إذ كان له تأثير سلبي خطير وعميق على
عقليات المثقفين والكتاب ورجال الفكر والسياسة والاقتصاد والإسلام في عالمنا
الإسلامي.
وهـــنا ينبغي أن نسجل ظاهرة تاريخية مهمة قد برزت خاصة
وبكل وضوح في منطقة افريقيا الغربية الإسلامية وغيرها من مناطق هذه القارة، وتتمثل
تلك الظاهرة في أن «القوة الذاتية للإسلام» قد أفشلت الجهود الجبارة التي قام بها
المبشرون المسيحيون من أجل تنصير الشعوب الإسلامية بهذه القارة، والتي ساندتهم
فيها الادارة الاستعمارية بكل الوسائل المادية والمعنوية.
بل إن هناك ظاهرة رائعة جدا ظهرت خاصة في بلدان افريقيا
الغربية، وتتمثل في أن الإسلام هو الذي حقق ــ خلال الفترة الاستعمارية نفسها ثم
ما بعدها ــ توسعاً وانتشاراً سريعا في المناطق التي كانت وثنية، ولم تستطع
الارساليات النصرانية، بكل إمكاناتها الهائلة المتنوعة، أن تصمد أمام هذا التيار
الإسلامي الزاحف، رغم الظروف السيئة التي يعيشها الدعاة المسلمون من الفقر والجهل
والتعرض للضغوط الاستعمارية المتنوعة.
وقد أثارت هذه الظاهرة التاريخية دهشة المبشرين والمفكرين
والساسة وكل الملاحظين الغربيين، فما كان منهم إلا أن يعترفوا بما سميناه «القوة
الذاتية للإسلام»!!
ومع كل ذلك، فإنه يجب أن نؤكد هنا انه إذا كان الغزو العسكري
والسياسي والنهب الاقتصادي الاوروبي وحملات المجهود الضخم الذي قام به المبشرون
النصارى قد فشلت كلها في زحزحة جماهير المسلمين عن الانتماء الى دين الإسلام، فإن
الغزو الفكري الثقافي الغربي ــ على العكس من ذلك ومع الأسف الشديد ـ قد حقق
نجاحاً كبيرا في زرع وتعميق الفكر العلماني في عقليات المثقفين والمفكرين ورجال
السياسة في العالم الإسلامي.
وبالفعل، فقد أصبحت أغلبية هؤلاء لا تؤمن بتاتاً بصلاحية
الشريعة الإسلامية لتسيير المجتمعات البشرية في عصرنا الحاضر، فهؤلاء ــ كما لقنهم
الأوروبيون ـ يعتبرون أن الإسلام يجب فقط أن يصبح مسألة شخصية بين العبد وربه، ولا
يجوز بأية حال من الأحوال أن يتدخل في شؤون الحياة العملية اليومية للمجتمع، ولذلك
يجب أن يكون هناك فصل كامل بين الدين والدولة!!
وإلى جانب هذا التيار العلماني ـ والذي تحول لدى البعض الى
إلحاد صريح تحت تأثير المذاهب الشيوعية الماركسية ـ فإن هناك في عصرنا الحاضر نهضة
وصحوة إسلامية لاشك فيها، وتعتبر اليوم، في نظر الغرب، العقبة الوحيدة أمام
النموذج الحضاري المادي الغربي الزاحف لإخضاع البشرية كلها لسلطانه ومبادئه، وهو
الذي يسمونه «النظام العالمي الجديد» أو «العولمة».
ولهذا السبب في الحقيقة يحاول الغرب القضاء على الإسلام تحت
ستار محاربة التطرف والإرهاب، ويستعمل في ذلك كل الوسائل الثقافية والإعلامية
والسياسية والعسكرية بزعامة أمريكا.
وبالرغم من كل ذلك، فإنه يجب الاعتراف بأن هذه الصحوة
الإسلامية القوية لم تنجح ـ في أغلب الحالات ـ في إقامة مجتمعات إسلامية حقيقية
وسليمة.
وهــنا تبرز نقطة الاستفهام الكبرى، والتي تفرض نفسها بكل
قوة وبكل إلحاح، وهي: «لماذا فشلت أغلب النهضات الاسلامية المعاصرة في إقامة
مجتمعات إسلامية أصيلة»؟.
إن الجواب عن هذا السؤال الكبير ليس سهلاً، فالامور معقدة
ومتشابكة، وعوامل فشل المحاولات المذكورة هي عديدة ومتنوعة، ولكني أرى أن السبب
الرئيسي يرجع الى نتائج الغزو الثقافي الفكري الغربي لبلاد الإسلام.
وبكل بساطة ووضوح، فإن العنصر الرئيسي لحل المشكلة يكمن إذن
في نهضة فكرية ثقافية تربوية إسلامية صحيحة وأصيلة وتقدمية، تمكننا من تكوين أجيال
جديدة مسلمة حقيقة، لأنها تؤمن بصلاحية الإسلام لقيادة المجتمعات العصرية
وتطويرها، تلك الأجيال المسلمة الجديدة التي لا تحمل في أعماقها مركب النقص الفادح
أمام دعاة العلمانية الغربية، وذلك كله لأن المجتمع الإسلامي الصحيح الأصيل لا يمكن
أن يبنيه إلا قيادات فكرية وثقافية واقتصادية وسياسية تؤمن في أعماقها بصلاحية
الإسلام لقيادة البشرية في كل زمان ومكان ولصالح جميع الشعوب.
> رئيس الجمعية النيجرية للأخوة الإسلامية
الصفحات | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 |10 | 11 | 12 | 13 | 14| 15 | 16|
الأولى| العالم هذاالأسبوع | حوارات | منتدىالآراء | متابعات | اوراق ثقافية | المرصدالإعلامي | قضايا | الأسرة | الرابطة | مشاركات | منابرالدعوة | الأخيرة | الإنجليزية