العدد 1768- الجمعة 26 شعبان1423هـ إسلامية-أسبوعية- جامعة NO 1768 FRIDAY 26 Shaaban 1423H 01 Nov 2002
الصفحة الثامنة
![]()
1
تحقيق: محمد الدسوقي محمد
الإدمان.. وباء كوني يهدد دول العالم كلها،
متقدمة ونامية، ولا تقف مخاطره عند حدود دولة أو قطر بعينه.
هذه الحقيقة أجمع عليها علماء الدين
والاجتماع والنفس والصحة النفسية وخبراء مكافحة المخدرات وعدد كبير من الباحثين،
الذين أكدوا ايضاً ان الادمان يستنزف الدخل القومي للدول، ويعطل كفاءاتها
الإنتاجية، ويضر بصحة شعوبها.
وقد كشفت دراسات علمية وتقارير حديثة عن أن
انتاج وتصنيع المخدرات في تزايد مستمر، حيث تضاعف ذلك الإنتاج 6 مرات خلال الـ 15
سنة الماضية، كما استفادت عصابات التهريب والترويج من تطور وسائل الاتصالات
وتكنولوجيا المعلومات في تكثيف وإخفاء أنشطتها الإجرامية.
ويقف وراء ظاهرة إدمان المخدرات العديد من
الأسباب في مقدمتها البطالة، والتفكك الأسري، والفقر، والإحباط، والقلق النفسي،
ورفقاء السوء.
وإذا كانت صيحات التحذير تتعالى من مخاطر الإدمان
على اقتصاديات الدول، فلا ينبغي ان نتجاهل مخاطرها على المتعاطي نفسه، فالإدمان
يسبب أمراض القلب والإيدز والتهاب الكبد الوبائي والشذوذ، وينتهي بالموت المفاجىء
أو الانتحار.
وفي السطور التالية نرصد المزيد عن مخاطر
المخدرات باستطلاع آراء المختصين والعلماء عن آفة العصر.
علماء الدين والاجتماع والصحة النفسية يحذرون
الإدمان وباء عالمي أشد خطراً من الحروب
د. محمود حمدي زقزوق: الدين أعظم وقاية من الوقوع في براثن
المخدرات
د.عادل صادق: مصر تخسر 14 مليار جنيه سنويا بسبب مشكلة
الإدمان
د. سهير لطفي: المخدرات تهدد جميع الدول اقتصادياً وسياسياً
واجتماعياً
الإدمان يسبب أمراض القلب والإيدز والكبد وينتهي بالموت
المفاجىء أو الانتحار
عصابات المخدرات تستخدم أحدث وسائل التكنولوجيا لإخفاء
نشاطها
البطالة والتفكك الأسري والفقر ورفقاء السوء.. أهم أسباب
الإدمان
وباء قاتل
بداية يطلق الدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري
صيحات الإنذار والتحذير من مخاطر المخدرات قائلاً: ان عالمنا المعاصر الذي شهد
أعظم الإنجازات العلمية والتكنولوجية يتعرض حاليا - بالاضافة الى الحروب المتفرقة
في شتى البقاع - لأخطار محدقة أشد فتكاً وخطورة من الحروب المعروفة.. ومن بين هذه
الأخطار وباء الإدمان، ووباء الإيدز الذي له ارتباط أيضاً بالإدمان.
وقد أصبح الإدمان ظاهرة عالمية تنتشر في كل مكان انتشار
النار في الهشيم وتقوم عصابات دولية منظمة بنشر وتهريب هذا السم القاتل المتمثل في
المخدرات بجميع أنواعها في شتى الأنحاء.
ونظراً لأننا نعيش الآن في عالم ليس فيه مكان للانعزال أو
البعد عن تأثير الأحداث التي تحدث هنا أو هناك أو بمعنى آخر أصبحنا نعيش في عالم
يشبه قرية كونية كبيرة يتأثر كل من فيها بما يحدث في أي مكان من أركانها، فإننا في
مصر والدول العربية لسنا بعيدين عن التأثر بوباء الإدمان الذي اصبح خطراً محدقاً
يهدد شريحة لا يستهان بها من شبابنا فتيانا وفتيات، الأمر الذي يتطلب جهوداً
مضاعفة من جميع الجهات للحد من هذا الوباء الفتاك والقضاء عليه، وحماية أبنائنا من
أخطاره.
ونحن على يقين من أن تضافر الجهود وتنسيق المواقف والرؤى
بين المؤسسات الدينية والأجهزة العلمية يؤتي أفضل الثمار. ويؤدي إلى تحقيق الأهداف
المرجوة ، لأن الدين والعلم يصبان في نهاية المطاف في مصلحة الإنسان ومن هنا فإنه
من الضروري أن يتعاونا معاً لانقاذ الإنسانهمن أي أخطار تهدد حياته أو صحته أو
مستقبله.
إزالة العقبات
ويضيف الدكتور زقزوق قائلاً: إن الإنسان أفضل مخلوقات الله،
منحه الله تعالى العقل، وسلحه بالعلم، وجعله خليفة في الأرض ليعمرها بالخير، وينشر
فيها الأمن والأمان والسلام والاستقرار.. وأي عقبة تقف في وجه هذه المهمة أو تعمل
على تعطيلها يتحتم على عقلاء الأمة أن يتكاتفوا في سبيل إزالتها والقضاء عليها.
وحذر من أن المخدرات من أكبر العقبات التي تعطل قدرة الإنسان،
وتشل طاقاته، وتفقده الفاعلية على الحركة نحو تحقيق المشيئة الإلهية من خلق
الإنسان، وتجعله عاجزاً عن الإسهام في الإعمار والبناء من أجل مجتمع أفضل.
ومن أجل ذلك يحرم الإسلام كل أنواع المخدرات ويجعلها من
كبائر الذنوب التي تعرض صاحبها لغضب الله.
وتحريم الإسلام للخمر ينسحب على كل ما من شأنه أن يؤدي الى
تغييب العقل والاضرار به من أنواع المخدرات القديمة والحديثة على السواء.
والذي يتأمل تعاليم الإسلام يجد أنها جميعاً قد جاءت لمصلحة
الإنسان، ومن أجل خيره وسعادته في دنياه وآخرته.. ومن هنا فإن كل ما من شأنه ان يجلب
على الإنسان ضرراً مادياً أو معنوياً يحرمه الدين ويعاقب عليه.
والقاعدة الشرعية في ذلك انه «لا ضرر ولا ضرار» كما ورد في
الحديث الشريف عن النبي [... فكل ما يؤدي الى الإضرار بالإنسان بأي شكل من الأشكال
محرم شرعا، ويندرج في إطار المقصود من قوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى
التهلكة}.
ومن المعلوم للكافة أن المخدرات بجميع أنواعها القديمة
والحديثة تضر بالإنسان ضرراً بالغاً لا يقتصر على الفرد المتعاطي لها وحده، بل
تتعداه الى الضرر بالمجتمع ذاته.
والتعاليم الدينية تعد سياجاً منيعاً وحصناً حصيناً لحماية
الأفراد والجماعات من كل الأخطار المحدقة بهم، وفي مقدمتها في عصرنا الحاضر أخطار
المخدرات التي يتفنن الأشرار الآن في وسائل انتاجها وتوزيعها وبيعها للضحايا من
البشر في كل مكان دون أن يكون لديهم أي رادع من الضمير أو الأخلاق أو الدين أو
القانون.
خطر داهم
ويحذر وزير الأوقاف المصري من أن المخدرات بجميع أنواعها
تضر الإنسان في صحته وماله وأوقاته وتهدر طاقاته.
وينعكس ذلك بطبيعة الحال على كل من يحيطون به سواء في
الأسرة أو في العمل أو المجتمع بصفة عامة، وليس هناك إنسان عاقل في كامل وعيه يعلم
ضرر المخدرات ويقدم على تعاطيها.
ويقول الوزير: ان الدين إذا كان من ناحية يحذر تحذيراً
واضحاً من تعاطي المخدرات وإدمانها لما لها من أخطار مدمرة على عقل الإنسان وصحته
فإننا لا يجور لنا أن ننسى أن الدين من ناحية أخرى يفتح أمام الإنسان دائماًَ باب
الأمل والتوبة.
ومن هنا فإننا في الوقت الذي نحذر فيه من خطورة وباء
الإدمان ينبغي علينا أن نفتح أمام المدمنين باب الخلاص من هذا الخطر الداهم عن
طريق العلاج الذي يخلصهم من استعباد عادة الإدمان لكل قواهم العقلية والبدنية.
ولابد من تضافر الجهود الدينية مع الجهود العلمية في سبيل
الخروج بالمدمنين إلى بر الأمان فالتجارب في كل مكان في العالم تثبت اليوم أن
الدين أو الجانب الروحي بصفة عامة - يعد عنصراً أساسياً ومؤثرا في فاعلية العلاج
ونجاحه.
والشباب في كل أمة يمثل بالنسبة لها أفضل ما لديها من
ثروات، وعلى أكتافه تنهض الأمم، وبعقوله تتقدم، وبطاقاته تكون قادرة على تحطيم كل
العقبات والتغلب على كل الصعاب.
ومن هنا فاننا جميعاً مطالبون بحماية ذخيرة الأمة المتمثلة
في الشباب من كل الأخطار التي تتهدده وفي مقدمتها خطر الإدمان.
وتجزم الدكتورة سهير لطفي رئيس صندوق مكافحة وعلاج الإدمان
والتعاطي - التابع لرئاسة مجلس الوزراء في مصر - بأن ظاهرة تعاطي وإدمان المخدرات
فرضت نفسها على العالم كواحدة من أخطر التحديات المعاصرة التي تهدد أمن واستقرار
المجتمعات، وتقضي على كيانها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي.
وتقول: ان مشكلة التعاطي والإدمان لم تكن أبداً ظاهرة
محلية، اختصت أو انفردت بها دولة معينة دون غيرها، وإنما هى آفة عالمية في أبعادها
وآثارها الوخيمة، وهو ما تكشفه بجلاء التقارير الدولية، والتي تؤكد ان هناك زيادة
كبيرة في الانتاج والتصنيع للمواد المخدرة، خلال السنوات الأخيرة فقد زادت نسبتها
على ستة أضعاف ما كان سائداً من قبل خلال 15 سنة فقط.
وتضيف ان عالمية هذه الظاهرة تزداد مع مايشهده العالم من
توسع كبير في استخدام شبكات المعلومات، ووسائل الإعلام الأكثر تطوراً، بما يزيد من
قدرة عصابات الإنتاج والتهريب والترويج على تبادل المعلومات والخبرات التي تساعدهم
على تطوير أنشطتهم الإجرامية، وإتمام الصفقات بشكل خفي وسريع.
وإذا كانت مشكلة التعاطي والإدمان في حقيقتها مشكلة عالمية
متعددة الجوانب، فإن مظاهر خطرها قد تختلف من دولة إلى أخرى، حيث تعاني بعض الدول
من مشكلات زراعة النباتات غير المشروعة، وتعاني مجموعة أخرى من الاتجار غير المشروع
في المخدرات، وتواجه عدواً شرساً يتعين عليها تعبئة الجهود وشن حرب فعالة وحقيقية
لمواجهته، سواء على المستوى المحلي أو العالمي.
ومن الأولى أن تبذل هذه الجهود في دولة كمصر، التي تمثل
القوة البشرية فيها القاعدة الرئيسية لأية تنمية، خاصة ان الإضرار بكفاءة هذه
الموارد البشرية يعوق التقدم والارتقاء، ويهدد مبالغ طائلة كان من الأولى توجيهها
الى برامج التنمية.
أوهام زائفة
وتؤكد الدكتورة سهير لطفي أن الدراسات والبحوث التي أجراها
المجلس القومي لمكافحة وعلاج الإدمان وصندوق مكافحة وعلاج الإدمان بمصر كشفت عن
عدة مؤشرات مهمة.. منها:
>> تتركز ظاهرة التعاطي والإدمان بين الشباب على
اختلاف مستوياتهم التعليمية والاجتماعية.
>> ان من أهم أسباب انتشار التعاطي والإدمان بين
الشباب رفاق السوء، والسعي وراء الأوهام الزائفة المرتبطة بتعاطي المخدرات، علاوة
على الرغبة في التجريب.
>> ان غالبية المتعاطين والمدمنين يعانون من مشكلات
أسرية وتعليمية ومهنية.
>> ان تعاطي المخدرات يؤثر على الصحة العامة ويعد
أقوى العوامل المؤدية للإصابة بمرض فقدان المناعة الطبيعية «الإيدز» والتهاب الكبد
الوبائي بما قد يؤدي الى الموت المفاجىء.
>> ان تعاطي المخدرات يؤثر على الوعي، ويؤدي الى
اضطراب في إدراك الواقع وينعكس على سلوك المدمن الذي يتسم بالعدوانية والريبة تجاه
الآخرين.
>> ان تعاطي وإدمان المخدرات من أكثر الظواهر تعقداً
وتشابكا، والإدمان مشكلة ذات خصوصية في المجتمعات العربية عموما.، وتزداد الخصوصية
في ظل عدم توافر الاعتقاد اليقيني لدى بعض الأفراد والفئات بحرمة المخدرات، إزاء
حرمة أنواع وعدم حرمة أنواع أخرى.
>> ضرورة تعميق الوعي بخطورة المشكلة وجسامتها على
المستوى القومي، وتعميق مشاركة الدولة والمنظمات غير الحكومية في مكافحة وعلاج
الإدمان،
>> أهمية محاصرة الأوهام الشائعة حول الفوائد
المزعومة لتعاطي المخدرات، والتي تساعد في انتشارها، والإقبال عليها.
>> اعتبار العمل الوقائي في مواجهة ظاهرة المخدرات
عملاً استراتيجياً تتطلب فاعليته المكافحة وتعزيز برامج التوعية والتثقيف، مع
مراعاة الاستمرارية في الجهود والتنوع والتكامل في أنشطة المواجهة.
>> الاكتشاف المبكر لحالات التعاطي يضمن فاعلية
العلاج.
>> أهمية التعامل مع المدمن كمريض قابل للشفاء، لأن
ذلك يساعد في زيادة الطلب على العلاج، كما يزيد من فرص علاجه.
ظاهرة كونية
وتصف الدكتورة أحلام السعدي فرهود أستاذ الاجتماع بالجامعات
المصرية المخدرات بأنها واحدة من أهم المشكلات التي تواجه عالمنا المعاصر، حيث
تعتبر تلك المشكلة ظاهرة ذات بعد كوني، نظراً لما تنطوي عليه من أبعاد لا تتعلق
بمجتمع بعينه، وإنما تتعداه الى جميع المجتمعات التي تنشأ فيها ظاهرة الإدمان،
وتجارة المخدرات والتعامل فيها غير المشروع.
وتقول: ان مشكلة المخدرات ظاهرة عالمية ترتبط بالنطاق
العالمي للمجتمع الإنساني ككل، فالجلب والتجارة والتصنيع والتوزيع لا يقتصر على
بلد بعينه، ولا دولة بعينها، بل تمثل تلك التجارة مجالاً للاحتكارات العالمية
لجماعات منظمة تسيطر على سوق المخدرات.
وتعرف المخدرات علمياً بأنها أية مادة كيميائية تحدث تغيراً
في المزاج أو في الإدراك والشعور، ويساء استخدامها بحيث تلحق أضرارا واضحة
لمستخدميها.. أما قانونياً فتعرف المخدرات بأنها مجموعة من المواد التي تسبب
الإدمان وتسمم الجهاز العصبي، ويحظر تداولها أو زراعتها أو صنعها إلا لأغراض
يحددها القانون، ولا يجوز ان تستعمل إلا بواسطة من يرخص له فيها
وتشير الدراسات العلمية إلى أن استعمال المخدر بصورة غير
سوية هو الذي يؤدي إلى إدمانه، أو ما يطلق عليه «الاعتماد على المخدر» فقد يؤدي
الاستعمال المتكرر للعقار الى توالي الاعتماد عليه، خاصة لما يحدثه هذا العقار من
ظواهر لايمكن تجنبها او القضاء عليها دون استعماله.
وتضيف الدكتورة احلام ان الكيان النفسي للإنسان يلعب دوراً
رئيسياً في احتمال ان يصبح الشخص مدمناً أم لا.. والمدمن إنسان لديه استعداد نفسي
للإدمان.. والذين يقعون في دائرة الإدمان هم بالدرجة الأولى الأشخاص الذين لم
يتمكنوا من التوافق مع حالتهم والذين يخفون وراءهم اضطرابات نفسية عميقة.
وتشير الدراسات الميدانية التي أجريت على عينات من أفراد
المجتمع بفئاته المختلفة إلى عدد من الأسباب المهمة للجوء الشخص إلى تعاطي
المخدرات.. ومن هذه الأسباب:
>> المشاركة في المناسبات الاجتماعية.
>> مشاركة الاصدقاء في مجالسهم.
>> الرغبة في التخلص من متاعب جسيمة وإرهاق.
>> مواجهة مشكلات نفسية واجتماعية.
حب الاستطلاع.
>> مواجهة مشاكل أو خلافات عائلية.
وقد أكد تقرير لشعبة المخدرات التابعة لمنظمة الأمم المتحدة
ان أّم أسباب الإدمان لدى الشباب هو تأثير رفقاء السوء، والرغبة في الترويح،
والتأثر بفكرة ان المخدرات تزيد من السرور والانشراح والمتعة الجنسية مع وجود
مشكلات اجتماعية وأسرية مثل البطالة والتفكك الأسري والفقر والإحباط والقلق
والتوتر بالاضافة الى الرغبة في مواجهة مشكلات نفسية تنتج عن شعور الفرد بأنه
منبوذ أو غير محبوب من الآخرين، مع وجود بعض الأمراض النفسية والجسمية التي قد
تدفع الشخص إلى تعاطي المخدرات.
ثقافة المخدرات
وتتناول الدكتورة أحلام السعدي فرهود أسباب ودوافع الإدمان
المتصلة بالأسرة مؤكدة ازدياد نسبة متعاطي المخدرات داخل الأسر التي يدمن عائلها
أو أحد افرادها تعاطي المخدرات.
وتقول: ان الدراسات العلمية تشير الى أن ادمان الوالدين أو
أحدهما أو أحد الأقار ب من الدرجة الأولى أو حتى الثانية يؤثر بشكل أو بآخر على
إدمان الأبناء، وعادة ما يلجأ الأبناء الى استعمال نفس العقاقير التي يستعملها
آباؤهم.
وتبرر الدراسات هذا الاتجاه بما يمكن أن نطلق عليه أثر
القدوة، فعادة ما ينظر الأبناء الى آبائهم أو أقاربهم المقربين باعتبارهم قدوة
تحتذى، وهو ما ينتج تأثيراً سلبيا في حالة تعاطي المخدرات.
وعادة ما يؤثر تعرض الأفراد لما يمكن ان نطلق عليه اسم
«ثقافة المخدرات» - أي مجموعة المعارف المتعلقة بظاهرة تعاطي المخدرات - تأثيراً
سلبيا على تناول أنواع معينة من العقار بغرض التعرف عليه، بحيث يكون المتعرضون
لتلك الثقافة - سواء عن طريق السمع أو الرؤية - أكثر استعدادا لتعاطي المخدر عن
غيرهم من الأفراد ، وبحيث تعمل تلك البيئة كممهد لمزيد من الاقبال على التعاطي،
وإن كان ذلك لا ينفي الدور الأكبر لاصدقاء السوء ووسائل الإعلام.
وتؤكد الدراسات العلمية - كما تقول الدكتورة أحلام - أن
هناك ارتباطا وثيقا بين الإقامة مع الأسرة والامتناع عن تعاطي المخدرات، فغير
المتعاطين يغلب بينهم أن يكونوا مقيمين مع أسرهم، على حين يقترن التعاطي أحياناً
بالإقامة بعيداً عن الأسرة.
ويفسر اساتذة علم النفس والاجتماع هذا العامل بأن غياب
الأسرة يحرم الشخص من وظيفتين رئيسيتين هما: حق الرقابة، والإشباع العاطفي أو
المساندة العاطفية، مما يتيح الفرصة لصدور سلوكيات معينة من الشخص لا تجد ما
يمنعها أو ما يزيل مصادر القلق التي تدعمها أولاً بأول.
إن إهمال الأبناء وعدم الاهتمام بمشاكلهم أو مستقبلهم
وتركهم دون توجيه أو مساندة يؤثر على نفسيتهم سلبياً ويجعلهم يلجأون الى المخدر
كملاذ وحيد.
وهناك أنماط معينة من الأسر تزيد تصرفاتها من فرص وقوع
ابنائها تحت تأثير الإدمان ولعل أهمها الأسر المفككة.. الأسر التي تغيب فيها الأم
أو لا تتحمل مسؤوليتها كاملة، والأسر ذات السلوك العدواني مع الآخرين.
انحراف سلوكي
وتتوقف الدكتورة أحلام امام قضية مهمة بقولها: ان مشكلة
الإدمان احدى المشاكل التي تؤرق المجتمعات المختلفة نظراً لما تثيره من مضاعفات لا
تقتصر على المستوى الفردي فحسب، ولكن تتعداه الى مستوى الأسرة والدولة ككل.
فعلى المستوى الفردي تعد تجربة التعاطي الأولى بالنسبة
للمدمن هى المحك الأول للاستمرار في التعاطي من عدمه، نظراً لما تسببه له من
انشراح وسعادة وشعور باللذة والثقة في النفس لا يلبث بعدها ان ينتقل الى معاناة
ومشاكل وآلام ومضاعفات الإدمان، والتي تتمثل في مجملها في اضطرابات في السلوك بحيث
تزداد حساسية المتعاطي، ويصبح أكثر عرضة للاستثارة والعدوانية في السلوك، وعادة ما
يكون المتعاطي أكثر انفعالاً وانطواء ورغبة في الانعزال.
كما يبدأ المتعاطي تدريجياً في التنازل عن اهتماماته
السابقة وطموحاته وأهدافه، بينما يحصر اهتمامه في كيفية الحصول على جرعة المخدر
التي قد تؤدي به الى مزيد من الانحراف السلوكي بما قد يدفعه إلى ارتكاب أفعال تخرج
على حدود القانون والقيم.
ويؤثر الإدمان على الحالة النفسية والصحية للمدمن بحيث تبدأ
المعاناة من الأمراض الجسمية، وتبدأ مراحل جديدة للعلاج من أمراض مزمنة يسببها
تعاطي المواد المخدرة، سواء منها أمراض صدرية، أو جلدية، أو تناسلية.
وتؤكد الدراسات النفسية ان المتعاطي عادة ما يصاب بأمراض
أخرى حادة.
ان الإدمان يؤدي الى استهلاك الأموال، والانهيار الأخلاقي،
وهدم المبادىء والقيم، وضعف الوازع الديني بما يؤدي في النهاية الى الفشل،
والشذوذ، والانتحار .
أما على مستوى الأسرة، فإن الإدمان يؤثر سلبا على العلاقات
الأسرية بصورة عامة، سواء كانت بين الزوجين أو بين الأبناء وآبائهم.
وتزداد هذه الصورة وضوحاً في أشكال السلوك العدوانية التي
قد يسلكها متعاطي المخدرات تجاه باقي أفراد الأسرة كلهم أو بعضهم، مما قد يؤدي
بدوره الى اضعاف الروابط الأسرية، وحدوث تفكك وانهيار في كيان الأسرة.
ويؤدي ادمان وتعاطي المخدرات الى تأثير سلبي واضح على دخل
الأسرة، وهو يؤثر بدوره على نمط الانفاق، ذلك ان الانفاق على تعاطي المخدرات يؤثر
تأثيراً عكسياً على مجمل جوانب الإنفاق الأخرى للأسرة نتيجة لتوجيه جزء كبير من
الإيرادات للحصول على المواد المخدرة، الأمر الذي يؤدي الى انخفاض المستوى المعيشي
للأسرة، وهو ما يؤدي بدوره الى تفاقم واتساع الصراعات الأسرية، وتزايد العنف داخل
الأسرة الواحدة.
ولا يخفى ما لتعاطي المخدرات من آثار سلبية حادة على
الدولة.. أي دولة.. خاصة فيما يتعلق بمجال النمو الاقتصادي، وقد أكدت الدراسات
العلمية الحديثة ان المخدرات بجميع أنواعها تمثل خطراً داهما على الاقتصاد لما
تسببه من تدهور مستويات الكفاءة الانتاجية للعامل، وتدهور المستوى الصحي والجسماني
والنفسي لفئة مهمة من المجتمع، اضافة الى مزيد من التسريب في الدخل القومي.. ونحو
ذلك من أسباب الخراب الاقتصادي.
في أسرتنا.. مدمن!
ويؤكد الدكتور عادل صادق رئيس قسم الأمراض العصبية والنفسية
ورئيس مركز الطب النفسي بجامعة عين شمس المصرية ان مخاطر إدمان المخدرات في تزايد
وتفاقم مستمر، حتى ان الدراسات الحديثة تكشف عن حقيقة مؤلمة هى ان كل عشر أسر في
مصر نجد في احداها مدمنا، وهو أمر لم يكن شائعاً بهذه الصورة منذ فترة قريبة.
كما أن الدراسات الحديثة أكدت أيضاً أن الاقتصاد المصري
يعاني بشدة من جراء ظاهرة إدمان المخدرات، ويكفي لبيان ذلك أن نعرف أن مصر تخسر
سنويا نحو أربعة عشر مليار جنيه بسبب مشكلة الإدمان وهو بلا شك رقم ليس بقليل.
ان المواد المخدرة عدو للإنسان، وهى تغري الإنسان فيزرعها
بنفسه أو يصنعها بيده «تخليقية» أو يسهم في صناعتها «نصف تخليقية» وما هذا إلا لكي
يهيىء في النهاية الضرر الجسيم لنفسه ولغيره.. وذلك الضرر الذي يختلف من نوع لآخر
وفقا لتأثيره عليه ما بين مثبط للجهاز العصبي او منشط أو مهلوس له.. وتشمل:
>> أولاً: المثبطات والمهبطات: ومنها ذات الأصل
الطبيعي مثل الأفيون، والمورفين والكودايين، والمثبطات نصف التخليقية مثل
الهيروين، والأتورفين، والهيدرومورفين، وكذلك المهبطات التخليقية مثل بديلات
المورفين، والمنومات والمهدئات.
>> ثانياً: المنشطات: ومنها الطبيعية مثل الكوكايين
والقات، ومنها التخليقية مثل الأمفيتامينات، والريتالين والكبتاجون التي يسىء
البعض استخدامها.
>> ثالثاً: المهلوسات: وهى مجموعة من مواد غير
متجانسة تحدث اضطرابا في النشاط الذهني وخللا في التفكير والإدراك وتنتج عنها
هلاوس وتخيلات، بحيث يتصور المتعاطي انه صاحب قدرات خارقة، أو على العكس يصاب
أحياناً بفزع شديد واكتئاب بسبب ما يراه في أوهامه وتخيلاته، مما قد يفضي به إلى
الانتحار.
ان من يتعاطاها يشعر أنه يسبح في رحلة من الأوهام، أما من
يتعاطاها بجرعات عالية فإنه يصاب بخلل دائم في المخ.
>> رابعا: الحشيش: ويستمد أهميته كمخدر طبيعي من
انتشاره عالميا وبين مختلف الفئات والطبقات، وهو يستخلص من نبات «القنب» الذي ينمو
بريا، و يزرع على حد سواء، وله أسماء شائعة لعل أشهرها الماريجوانا والبانجو.
أضرار التعاطي
ويضيف الدكتور عادل صادق أن الأضرار الصحية الناتجة عن
التعاطي تتنوع وتتفاوت ما بين أضرار تحدثها عموم المخدرات، أي بصرف النظر عن
نوعها، وأضرار ينفرد بها نوع دون آخر، وبين ثالث يتخطى الأضرار البدنية الى أضرار
عصبية ونفسية.
وتمتد أضرار المخدرات الى كل من الوعي، والسلوك، وجهاز
المناعة.
وتتعدد أشكال تأثير المخدرات على الوعي، ومن ذلك تقليل
الوعي أو تغييبه «الأفيون والهروين».. وتنبيه الوعي وتنشيطه «الكوكايين
والأمفيتامينات».. والاضطراب في إدراك المواقع والهلوسة «البانجو والحشيش».
ويظهر تأثير المخدرات على سلوك المدمن في انشغاله الدائم
بالتعاطي، ونسيانه مشاغل الحياة.. والمواد المخدرة تضعف جهاز المناعة، ويصبح
المدمن عرضة للمرض، وأكثر معاناة منه.
ولمجموعة «القنبيات» - التي تضم الحشيش والبانجو
والماريجوانا - آثار خطيرة على متعاطيها.. ومنها: الكسل والتراخي.. وينعكس ذلك على
بطء الإنتاج وافتقاد الطموح والضعف الجنسي نتيجة انخفاض مستوى هرمون الذكورة.
ويظهر تأثيرها على جهاز المناعة في انخفاض عدد كرات الدم
البيضاء، وافتقاد القدرة على التركيز مما يسبب حوادث متعددة للمتعاطين من
السائقين، أو العاملين على الآلات.
ولمجموعة «الأفيونات» التي تضم الأفيون والهيروين والكواديين
والمورفين - آثار ضارة عديدة.. منها:
- فقدان الشهية والهزال.
- الضعف الجنسي عند الرجال واضطراب الدورة الشهرية عند
النساء.
- الإمساك المزمن وعسر التخلص من البول.
- جفاف الفم والحلق واحتقان بالوجه.
- الشعور الدائم بالدوار، وبطء في ضربات القلب، وتقيح الجلد.
أما مشتقات الأفيون - مثل الهيروين - فإن المتعاطي لها يشعر
بميل دائم الى القىء والغثيان وزيادة في افراز العرق وحكة جلدية واتساع بؤرة العين
وانخفاض نبض الدم.. وهناك مضاعفات أخرى تنتج عن حقن المدمنين بعضهم البعض فيكون
ذلك سبباً في نقل أمراض خطيرة كالإيدز والتهاب الكبد الوبائي.
أما تعاطي الكودايين فإنه يكون مصحوباً في حالات شتى بالعشى
الليلي -ضعف الرؤية البصرية ليلا - وعدم انتظام الدورة الشهرية لدى النساء، فضلا
عن اضطرابات التنفس وعدم الاستقرار والتوتر والتقلصات العضلية.
وتعاني المدمنات الحوامل ممن يتعاطين الأفيون عامة
والهيروين خاصة من ازدياد حالات الإجهاض لديهن، ومن حالات التشنج والتسمم الحملي،
وازدياد احتمالات موت الجنين داخل الرحم، والنزيف اللاحق للولادة، والولادة
المبتسرة، فضلاً عن الاضرار الجسيمة التي تصيب الجنين إذا نجا من الموت.
وتدفع العقاقير النفسية «المنومات والمهدئات» متعاطيها الى
الميل للإنزواء وإهمال العمل وفساد العلاقات الإنسانية، واضطراب الأحوال الأسرية،
واهتزاز العينين، ورعشة اليدين، والإمساك، وهبوط ضغط الدم، وتدهور القدرة العقلية،
والخلط، وضعف التركيز، وافتقاد القدرة على حسن تقدير الأمور، حتى يتحول الإدمان
الى وحش كاسر لا يترك المدمن ابداً، بل ربما ينتهي به الأمر إلى الموت المفاجىء
نتيجة جرعة زائدة.
الصفحات | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 |10 | 11 | 12 | 13 | 14| 15 | 16|
الأولى| العالم هذاالأسبوع | حوارات | منتدىالآراء | متابعات | اوراق ثقافية | المرصدالإعلامي | قضايا | الأسرة | الرابطة | مشاركات | منابرالدعوة | الأخيرة | الإنجليزية