العدد 1774- الجمعة 23  شوال 1423هـ  إسلامية-أسبوعية- جامعة NO 1774 FRIDAY  23 Shawwal 1423H 27 Dec 2002

الصفحة الثالثة 

        1

 

نهاد عوض مدير مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية «كير» لـ«العالم الإسلامي»

الجماعات الدينية المتطرفة بأمريكا لا تقل خطورة عن اللوبي اليهودي في الترويج للعداء بين الولايات المتحدة الأمريكية والعرب

«كيرباك» لوبي إسلامي لكنه ليس بقوة اللوبي اليهودي

حوار ــ محمد خليل محمود

● مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية «كير» أهم مؤسسة للدفاع عن حقوق وصورة المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية، يتبعه 15 مكتبا اقليميا في أنحاء أمريكا وكندا تقوم بالدراسات وترصد أحوال المسلمين في الولايات المتحدة، كما تتولى ترشيد وتفعيل دور المسلمين الأمريكيين للمشاركة في القرار الوطني، ومن بين الأنشطة الكثيرة لمجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية تنظيم حملات للتعريف بالإسلام والتواصل مع المجتمع الأمريكي والرد على الافتراءات التي تروج لها بعض وسائل الإعلام الصهيونية ضد الإسلام والمسلمين في الولايات المتحدة ودول الغرب.

ولأن المسلمين في الولايات المتحدة يتعرضون لحملة تشويه متعمدة بعد أحداث سبتمبر كان هذا الحوار مع المدير التنفيذي لمجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية الدكتور نهاد عوض في محاولة لتشخيص واقع المسلمين والعرب في الولايات المتحدة إضافة إلى استشراف موقف الإدارة الأمريكية من الصراع العربي الإسرائيلي في ظل المتغيرات الدولية الحالية.

●● منذ أحداث 11 سبتمبر تضاعفت الاعتداءات على العرب والمسلمين في أمريكا، ما هو تقييمك لحملة الانتهاكات التي يتعرض لها العرب والمسلمون في أمريكا؟

● نعم، بعد وقوع أحداث سبتمبر تضاعفت الاعتداءات على العرب والمسلمين المقيمين في أمريكا ثلاثة أضعاف حيث وقع 1715 حادثاً استهدف المسلمين بينها 12 حالة قتل و56 خطاب تهديد بالقتل و15 تهديداً بانفجارات و315 حالة خطاب عدائي، لكن أعتقد أن الجهود التي بذلتها المنظمات العربية والإسلامية أسهمت في التخفيف من حملة الاضطهاد خاصة حين انضم إليها مسؤولون أمريكيون في مقدمتهم الرئيس بوش نفسه.

●● ما هي التحديات التي يواجهها المسلمون في الولايات المتحدة في الوقت الراهن؟

● لقد أظهرت الأحداث الأخيرة بوضوح أن هناك أقلية متطرفة نادت بإجلاء المسلمين، وصدرت مقالات تنادي بترحيل المسلمين والعرب من أمريكا والغرب، ونادت مقالات أخرى بقتل المسلمين أو تنصيرهم، وبعض أعضاء الكونجرس طالبوا علناً بإقصاء المسلمين من سلطات الأمن والمطارات، غير أن هناك مجموعة قليلة من السياسيين الأمريكيين يطالبون بإنهاء التحقيقات وإظهار الأدلة، ولكن المزاج العام والذي تحركه جماعات معادية للعرب والمسلمين ينادي بالاستمرار في الحملات الأمنية الموجهة ضد المسلمين حالياً والحملات الإعلامية الموجهة ضد الإسلام أيضاً.

ومن المهم معرفة أن القوى المعادية للمسلمين الأمريكيين لا تقتصر على اللوبي الموالي لإسرائيل فهناك أيضاً الجماعات الدينية اليمينية المتطرفة وكذلك اللوبي الهندي، وتحاول جماعات الضغط والتأثير السياسي منع تقدم المسلمين سياسياً وإعلامياً بالولايات المتحدة الأمريكية بمختلف الطرق وتشويه صورة الإسلام ورسم صورة المسلم لدى المواطن الأمريكي العادي بالعديد من الصفات السلبية كالإرهاب والتطرف الديني والعنف.

بالإضافة لذلك فإن اللوبي الموالي لإسرائيل تحديداً يمتلك أوسع أجندة معادية للإسلام والمسلمين في أمريكا فهي تكاد تشمل جميع الدول الإسلامية والعربية كما أن هذا اللوبي يحارب القوى الإسلامية الأمريكية مستخدماً أرخص الأساليب وعلى رأسها محاولة القضاء على تلك القوى في مهدها ومنعها من الحصول على أبسط حقوقها التي يكفلها لها الدستور الأمريكي. وفي المقابل فإن تزايد وعي الرأي العام الأمريكي بالأحداث العالمية وخصوصاً تجاوزات وانتهاكات إسرائيل لأبسط القيم العالمية وحقوق الإنسان الفلسطيني قد ألقت بظلال الشك على أهداف اللوبي الإسرائيلي في أمريكا لدى العديد من المهتمين في أمريكا، فمع تنامي الوعي والتفاعل الإيجابي لمسملي أمريكا سياسياً وإعلامياً فمن المتوقع أن ينجح المسلمون في تحويل التحديات الإعلامية والسياسية إلى فرص لشرح حقيقة الإسلام وتعريف الرأي العام الأمريكي بضرورة وجدوى حماية التجمعات الإسلامية في أمريكا.

●● من الملاحظ أن زيادة الاعتداءات أو حتى الحملة الإعلامية على العرب والمسلمين في أمريكا قد أدت إلى تمحور الجالية العربية هناك حول قضاياها الداخلية وترك قضية الصراع العربي الإسرائيلي لتحتل مرتبة متأخرة؟

● هذا ليس صحيحاً فقضية الصراع العربي الإسرائيلي وما ترتكبه إسرائيل من مجازر في حق الشعب الفلسطيني تمثل أولوية لدى العرب الأمريكيين، بل ان الإعلام الأمريكي نفسه زاد من جرعة اهتمامه بالقضية الفلسطينية وبدا ذلك واضحاً في ظهورنا في محطات التلفزيون الأمريكي والصحف، ولا يكاد يمر يوم دون الحديث عن هذا الموضوع.

واعتقد اننا لعبنا دوراً إيجابياً في تغيير نظرة الشارع الأمريكي تجاه القضية الفلسطينية لكن الأمر يحتاج إلى مزيد من الجهد والعمل اليومي الدؤوب.

●● لماذا لا يكون هناك لوبي عربي إسلامي في الولايات المتحدة الأمريكية لمساندة المصالح العربية والإسلامية وإحباط كل محاولات اللوبي الإسرائيلي التي تعمل ضد العرب؟

● هناك لوبي إسلامي «كيرباك» في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن ليس بقوة التأثير التي يتمتع بها اللوبي الموالي لإسرائيل، فالأحداث التي تعصف بنا كمسلمين وعرب هي العاطفية، ونحاول دائماً أن نختزل التاريخ ونختصر المسافات، فاليهود في أمريكا موجودون منذ أكثر من مائتي عام والوجود الإسلامي في أمريكا لم يمض عليه مائة عام، ولو نظرنا إلى المسلمين في أمريكا يجب أن نعلم أن تركيبتهم تختلف عن تركيبة الجالية اليهودية فالجالية المسلمة نصفها على الأقل من المهاجرين والكثير منهم لا يعرف القانون الأمريكي ولا ثقافة الشعب الأمريكي بل لا يجيد اللغة الانجليزية ولا يعتبر أمريكا وطناً له جسده في أمريكا وعقله في الشرق الأوسط فأمريكا ليست أولوية في عمله الاجتماعي أو السياسي بل ان السياسة في بلادهم محرمة عليهم كما ان الجالية المسلمة حديثة عهد في بناء نفسها وبنيتها التحتية من خلال المدارس والمراكز الإسلامية وليس لديها الامكانيات المادية أو الكوادر المتدربة للشروع في القيام ببناء مؤسسات مدنية محترفة في العمل السياسي والإعلامي مثل الجالية اليهودية التي انتهت منذ عشرات السنين من بناء بنيتها التحتية وانشغلت منذ أكثر من 80 عاما ببناء مؤسسات سياسية وإعلامية انخرطت في الشارع الأمريكي وساهمت في بناء ثقافة سياسية إعلامية تنظر إلى العرب والمسلمين كأعداء، ففي الماضي كان الادراك بأن العمل السياسي لجالية مهاجرة ليس له أولوية والآن بدأ المسلمون يدركون ان عليهم أن يسارعوا في الانتهاء من بنيتهم التحتية فالعالم العربي والإسلامي تنبه أخيراً لأهمية الوجود الاستراتيجي في أمريكا.

●● تعالت الأصوات المنادية بالمقاطعة الاقتصادية لأمريكا خاصة في هذه الآونة كيف تنظرون كعرب أمريكيين إلى هذه الدعوات وهل تؤثر عليكم سلباً؟

● الهدف من المقاطعة هو توجيه رسالة إلى أمريكا شعباً وحكومة بأننا غير راضين عن سياستها المنحازة في الشرق الأوسط وغير راضين عن استخدام إسرائيل لسمعة ومصداقية الولايات المتحدة من أجل مصالحها الخاصة، وفي المقاطعة رسالة عربية وإسلامية تقول لأمريكا نحن سوق لكم ونستهلك بضائعكم وان لذلك مستحقات واننا كشعوب عربية وإسلامية لنا حق التعبير عن آرائنا عبر المقاطعة، وهذا ليس غريباً على أمريكا التي قاطعت دولاً وشركات كما ان أمريكا والعالم كله قاطع دولة التمييز العنصري في جنوب افريقيا.

●● إذن أنت كعربي أمريكي لا تعترض على المقاطعة؟

● نعم لا اعترض لكنني أرى ضرورة تركيزها على الشركات الأمريكية التي تدعم إسرائيل وأنا كمواطن أمريكي لا أجد حرجاً في تأييدها والدعوة إليها وأرى ان المقاطعة بهذا الشكل لن تضر الشعب الأمريكي لأنه يعرف الحقائق جيداً، ويجب ان نتعامل مع الشعب الأمريكي باعتباره حليفاً طبيعياً ويجب ألا نتركه لقمة سائغة أمام إسرائيل التي تراهن على الشارع الأمريكي وعلى توريط الولايات المتحدة مع إسرائيل ومن ثم تحميل المواطن الأمريكي بوجهة النظر الإسرائيلية وصولاً إلى أمركة الصراع العربي الإسرائيلي لذلك أدعو إلى عدم خسارة الشعب الأمريكي بالتركيز على مقاطعة الشركات التي تدعم إسرائيل فقط.

●● ذكرتم ان المقاطعة رسالة إلى الإدارة والشعب الأمريكي فهل وصلت الرسالة إلى من أرسلت إليه؟

● المقاطعة تدور في الشرق الأوسط فقط وحتى تنجح يجب أن تتعدى الدول العربية إلى العالم الإسلامي ومن ثم تصبح دعوة عالمية مؤثرة.

●● خلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية صوت المسلمون لصالح الرئيس الحالي بوش الذي ظهرت في عهده موجة العداء ضد العرب والمسلمين وجاء الانحياز الأمريكي في السياسة الخارجية لصالح إسرائيل على حساب العرب فهل تشعرون بالندم لأنكم لم تجنوا ثمار ما زرعتم؟

● يجب النظر للموضوع من جانب آخر فأحداث سبتمبر أثرت تأثيرا كبيراً على مجريات الأحداث في أمريكا، لكن حين قررنا التصويت لصالح بوش درسنا الأمر دراسة جيدة لتحقيق عدة أهداف أولاً حمل العرب والمسلمين على المشاركة السياسية الواسعة في أمريكا سواء عبر الانتخابات الرئاسية أو مجلس الكونجرس أو حكام الولايات ومن خلال تصويتنا لصالح بوش تحققت لنا نتائج إيجابية أهمها ان العرب والمسلمين أصبحوا قوة سياسية يجب عدم الاستهانة بها وأصبحت تمثل رقماً مهماً في أي انتخابات مقبلة.

 

الصفحات | 1 | 2  | 3 | 4  | 5  | 6 | 7 | 8 | 9 |10  | 11 | 12 | 13 | 14| 15 | 16|

  الأولى | العالم هذاالأسبوع | حوارات| منتدىالآراء| إقتصاد| اوراق ثقافية | المرصدالإعلامي | طب | دراسات | الرابطة | اصداء| منابر الدعوة | الأخيرة |  الإنجليزية 

 

الصفحة الثالثة 

        2

 

يؤكد أن حركة الاجتهاد لم تتوقف طوال التاريخ الإسلامي

المستشار طارق البشري :لا تعارض بين العروبة والإسلام والعنصر الإسلامي ظل دائماً عمود الحركات الوطنية في مجتمعاتنا

أي دعوة سياسية تحمل في طياتها تطرفاً واعتدالاً

القيم الإسلامية أقامت «أمة» وحضارة على مستوى عالٍ من التجربة والتجاوب مع الواقع

القاهرة  وكالة الصحافة العربية

● أكد المفكر الإسلامي «طارق البشري» أن الفكر الإسلامي يعترف بالعروبة، إلا أن البعض يحاول أن يصبغ العروبة بالصبغة العلمانية

وأضاف انه لا تناقض بين الوطنية والإسلام، وان باب الاجتهاد مفتوح في ضوء الأصول والثوابت الإسلامية، وان التجديد في الفكر الإسلامي مازال قائماً بشروطه التي حددها الفقهاء، موضحاً ان العنف والتطرف ليسا مترادفين ولا يفضي أحدهما إلى الآخر بالضرورة، وان أي فكر أو تيار أو مذهب يمكن أن يحمل في طياته إمكانات تطرف أو اعتدال وعنف.

هذه القضايا وغيرها كانت موضوع الحوار التالي مع المستشار «طارق البشري»:

ـ ـ يثار جدل واسع حول التعارض بين فكرة القومية من حيث كونها عربية أو إسلامية.. فما رأيكم في هذه القضية؟

ـ التناقض ليس في الجماعة الإسلامية، والجماعة العربية كجامع سياسي أو كجامع حضاري، ولكنه يثور عندما تتضمن الدعوة إلى القومية العربية العنصر العلماني، وهذا يحدث أحياناً، فمن يتكلمون عن العروبة، ويريدون أن يصوغوها على أساس أنها جماعة علمانية، وانه يتعين على فكرة الوحدة العربية أو وحدة العروبة أن تنحي الدين جانبا، كأساس لمرجعيتها السياسية والاجتماعية والعقيدية والسلوكية.

ويثور الخلاف بسبب الفكرة العلمانية، لأن الفكر الإسلامي يعترف بالعروبة وأغلب المفكرين المحدثين كالشيخ الغزالي والدكتور القرضاوي وقبلهما السيد رشيد رضا كانوا يعترفون بالعروبة بمفهوم إسلامي، وهكذا كانت المعارضة أساساً تتعلق بالصبغة العلمانية التي تريد أن تحصر العروبة في نطاقها، وأتصور أن هذه النقطة أيضاً ثارت وأدت إلى مشكلة في الخمسينات والستينات بين المفكرين الإسلاميين ذاتهم، وعلينا أن نكون منتبهين إلى أن مشكلة الفكر الإسلامي مع الدعوة إلى العروبة دائماً ولكن مشكلته مع الوصف العلماني الذي يراد أن يلصق بالعروبة، وعلينا أن ننحي هذا الوصف عن العروبة، وبذلك يمكن أن نحقق نجاحاً في دعم أوضاع المشاركة بين القومية بوصفها إسلامية وعربية.

 

الإسلام وطنية

ـ ـ وهل هناك تناقض بين الانتماء للأمة الإسلامية، والتكوين الوطني والاقليمي في نطاق قومية من القوميات؟

ـ أتذكر هنا عبارة قالها في أوائل السبعينات أحد السياسيين الكبار في لبنان وهو الاستاذ منح الصلح وهو وطني لبناني سني وليس من التيار الإسلامي، قال: «إن الإسلام وطنية، لأنه دائما سيقودنا إلى القدس» وأتذكر هذه العبارة لأن عبارة الإسلام أخرجت أقوى الحركات الوطنية في بلاد المسلمين على مدى القرنين الماضيين، حيث كان العنصر الإسلامي دائماً هو عمود الحركة الوطنية ولذلك لا يوجد ما يمكن أن نسميه تناقضاً بين الوطنية والإسلام في بلادنا، وقد أثيرت هذه القضية في بعض الأحيان في محاولة للتفرقة بين وحدات الانتماء المختلفة في مجتمعاتنا، سواء كان الانتماء القطري أو القومي أو الإسلامي ولا يمكن إثارة تفرقة جادة بين الانتماء للمصرية والانتماء للعروبة أساسها قومي على أساس وحدة التاريخ واللغة، والإسلام جماعة سياسية تضم المسلمين من العربي والهندي والأفغاني، ويربطهم نوع من المصالح المشتركة، دون ضوابط التاريخ والعقيدة الواحدة باعتبار انهم أمة تعمل كلها بالقرآن الكريم والسنة النبوية، تثقفت بثقافة واحدة، وتكونت بنيتهم السياسية ووجدانهم السياسي والعقيدي برباط واحد، ولكل وحدات الانتماء السابقة إمكانيات عمل في إطار الوحدة العامة، فلا يوجد تناقض حقيقي بين هذه الوحدات وبعضها ولا يمكن قبول فكرة هل أنت مصري أم مسلم أو أنت عربي أم مسلم.

 

قضية الاجتهاد

ـ ـ الاجتهاد في الإسلام قضية تشغل المفكرين على مر العصور وهي مازالت مثارة حتى الآن.. كيف تنظرون إلى ضرورة الاجتهاد الآن؟

ـ في تقديري أن الاجتهاد قائم وليس متخلفاً على هذا النحو الذي يصوره البعض، فهناك قدر من الاجتهاد قائم، وعندما نرصد التوجه الإسلامي في بلادنا على مدى المائة عام الماضية، سنجد أن هناك ثلاث موجات للاجتهاد والإصلاح الفكري في الإطار الإسلامي: الموجة الأولى بدأت قبل القرن التاسع عشر وقادها الإمام محمد بن عبدالوهاب والشوكاني وغيرهما، وهي موجة كانت تريد العودة إلى الأصول والتخفف من الجمود المذهبي وصراعاته، والعودة للأصول تعني العودة إلى القرآن والسنة مباشرة، مما يؤدي إلى نوع من التجديد مرجعه التطبيق المباشر على الواقع الحاضر، وإذا نظرنا إلى ظروف هذه المرحلة التاريخية نجد استجابة موفقة للواقع التاريخي والاجتماعي والثقافي الذي كان مليئاً بالحركات الصوفية من جهة، والتعصب المذهبي من جهة أخرى.

أما الموجة الثانية فبدأت في نهاية القرن الـ19 أيام الشيخ محمد عبده، وهذه الموجة بدأت تجدد في فروع الشريعة الإسلامية لتتوافق مع تحديات الحاضر والنماذج التنظيمية ونماذج العلاقات التي نشأت على مدى ذلك القرن، وصرفت جهداً كبيراً في هذا الأمر وكانت استجابة للواقع التاريخي أيضا حيث عالجت المشكلة الثقافية بما هو خليق أن تتسلح به.

أما الموجة الثالثة من موجات الاجتهاد، فقد جاءت بعد الحرب العالمية الأولى، بعدما ساد الإطار العلماني وأصبحت المدينة الفاضلة يراها الكثيرون من العلمانيين في حقل السياسة والدعاة الاجتماعيين والمفكرين، علمانية مأخوذة من حاضر الغرب، وبدأ هؤلاء العلمانيون يفكرون في تجنيب الإسلام وإبعاده عن الحياة الاجتماعية، وهنا ظهرت الموجة الخاصة بالحركات الإسلامية الحديثة المستمرة حتى اليوم وهي تعتمد على شمولية الإسلام باعتباره ديناً ودولة، وهكذا كان في الموجات الثلاث إصلاح وتجديد واجتهاد للواقع والتحديات المفروضة، وكانت كل موجة تقترح الحل المناسب ولكننا نتحدث دائما عن الجمود والتجديد في قضايا فرعية، وننسى الموجات الكبرى التي جاءت مناسبة للواقع ومستجيبة له، ولم تقف عند الحدود أو شروط تطبيق الحدود.

 

تجديد الفكر

ـ ـ كيف يكون التجديد في الفكر الإسلامي من وجهة نظركم، وما هي شروطه؟

ـ التجديد هو أن يستجيب الفكر للتحديات التي يفرضها الواقع في مرحلة زمنية معينة، وشروطه ببساطة تتلخص في أن يكون التجديد بذات المادة الفكرية ومن داخلها، وفي تصوري أن أدوات التجديد موجودة من قديم، وفي كل مذهب ستجد أدوات التجديد وآليات فكرية وعقلية من داخله، حتى المذهب الحنبلي والظاهري اللذين يرفضان القياس تماماً لذلك هناك أحكام إذا أردنا فيها حكماً ملائماً لعصرنا، قد نجدها في المذهب الظاهري، لأنه يعتمد على الاباحة المطلقة فيما بعد النصوص، والمشكلة هي أننا لم نتمكن من وضع موجات الإصلاح التي ذكرتها على هذا الطريق بسبب الخطر الخارجي الآتي من الغرب، والذي جعل المؤسسة السياسية تتصارع مع مؤسسة الإصلاح الفكري، حيث ضربت حركة الإصلاح السياسي حركة الإصلاح الفكري في الصميم وأوقفتها وحددتها في وقت كان الفكر الغربي الفلسفي يرمي بذوره في تربتنا، وبدأت تظهر أنماط المعيشة الغربية غير الملائمة للقيم والعادات الإسلامية وهنا كان للقوى المحافظة دور إيجابي عليها أن تلعبه، وحدث الصراع بين القديم والحديث، بين المجددين والمحافظين، وكل منهم يريد أن يتلاءم الفكر مع تحديات الواقع القائم، فالمحافظ يريد أن يثبت الأصول التي أصبحت في خطر في مواجهة التجديد الذي يريد أن ينفي هذه الأصول وينحيها عن الواقع.

وعندما جاءت الموجة الثالثة التي ظهرت خلالها الحركات الإسلامية الحديثة، كان المثل الاجتماعي لكثير من المثقفين والحركات الشعبية وافداً من الغرب، من هنا أصبحت الحركات الإسلامية أكثر إيغالاً في الإحساس بضرورة الدفاع عن الأصول ومواجهة من يريد حصر الإسلام في المسجد، حتى وصلنا إلى ما نحن فيه.. كيف نحافظ على الأصول، وفي الوقت نفسه نجدد الفكر.

 

ظاهرة العنف

ـ ـ كيف ترون ظاهرة العنف والتطرف في مجتمعاتنا؟

ـ العنف لا يعني التطرف، وهو متميز عنه فليسا مترادفين، ولا يفضي أحدهما إلى الآخر بالضرورة، ولا ينتج أحدهما عن الآخر حتماً، ذلك أن التطرف يتعلق بالغايات والأهداف، بينما العنف يتعلق بالوسائل والأساليب، والتطرف في ظني وصف يرد من قياس الأهداف السياسية والاجتماعية والثقافية لتنظيم أو تيار معين، يحاول إدخال تعبيرات معينة في بنية المجتمع السياسية أو الاقتصادية أو الفكرية، ومن هنا يقاس التطرف وفقاً للأهداف التي يسعى إلى تحقيقها اتجاه معين، وحجم هذه الأهداف، ومبلغ بعدها أو قربها من التكوينات السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية السائدة.. وعندما نتحدث عن التطرف أو الاعتدال ينبغي ان ندرك أن كل دعوة فكرية أو سياسية أو اجتماعية تحمل في طياتها إمكانات تطرف أو اعتدال، وكل دعوة هي مطلب للتغيير في اتجاه معين ويختلف المؤمنون بهذا التوجه بين بعضهم البعض في حجم التغيير المطلوب أو في سرعته ووفقاً لهذا الاختلاف ينقسمون إلى متطرف ومغال ومعتدل، ونجد ذلك في الحركات الوطنية بين معتدل كالوفد مثلاً في مصر سنة 1919 أما الحزب الوطني فكان يوصف بالتطرف في الفترة ذاتها.

وقد يكون العنف مؤشر دلالة على التطرف حيث تقوم علاقة طردية بينهما، ولكن ذلك لا ينبغي ان يوقعنا في الخلط بينهما، وعدم التمييز وذلك إذا أردنا ان نفهم وأن نعالج أي مذهب سياسي اجتماعي أو تيار ما، يمكن أن تظهر فيه أجنحة عنف وأجنحة سلمية.

 

حضارة إسلامية

ـ ـ لماذا فشل مسلمو اليوم في بناء حضارة قوية كالتي بناها مسلمو الأمس؟

ـ ما يواجهنا في العصر الحديث وخلال المائتي عام الماضية، هي مشكلة الدفاع عن الحوزة الإسلامية وإزالة الأخطار الخارجية التي تواجه الأمة الإسلامية وتحرير الإرادة السياسية لهذه الأمة وفي فترة من الفترات كان على الإسلام أن يحافظ على ثوابت وقيم المسلمين في مواجهة الغزو الأجنبي، فدعاوى المقاومة والتحرير هي في أساسها إسلامية، وعلى مدى هذين القرنين كان يحتضنها الإسلام ويعبئها ويرسم نطاقها، ويحصن عليها، وهذه هي المشكلة الأساسية التي واجهتنا كمسلمين، وإذا نظرنا إلى قياداتنا السياسية بشكل عام على مدى هذه الحقبة، سنجد أن القيادات العلمانية للحركة الوطنية في أقطارنا وبلادنا المختلفة كانت قليلة ومحدودة جداً، وفي عدد قليل من العقود، وكانت القيادة والتحرك في الأغلب الأعم للإسلاميين، وبالتالي فإن الإسلام بهذه المعادلة المنطقية لم يفشل في خلق حضارة إسلامية جديدة في هذه الفترة، ولكنه كان مشغولاً بمواجهة مخاطر الغزو الأجنبي على أرضنا ومعتقداتنا وقيمنا.

ـ ـ هل استطاعت القيم الإسلامية إصلاح المسلمين طوال تاريخهم؟

ـ القيم الإسلامية أقامت أمة، ولا أقول دولة، وأقامت حضارة وفكراً على مستوى عال من القدرة التجريبية والتجاوب مع الواقع ومواجهة التحديات التاريخية والفكرية ومحاولة حلها، وأنا لن أتكلم عن الجانب التاريخي كثيراً لأنه معروف، ولا يمكن ان ينكره إلا جاحد أو جاهل، فالتاريخ يقول: إن القيم الإسلامية أقامت أمة، وهذه الأمة ظهرت كدولة تحت مظلة القيم الإسلامية التي نجدها اليوم فيما يزيد على المليار نسمة، واستطاعت هذه القيم أن تحفظ هذه الأمة من الضياع والتفكك ونسيان عقيدتها، وبقيت رغم كل المحن التي توالت عليها متمسكة بدينها وبتراثها الحضاري، سواء الفكري أو القيمي، ومترابطة على أساسه، وتجد فيه العون في مقاومتها لأي مخاطر خارجية وفي استعادة نهضتها الحضارية، فكيف يقول البعض بأن القيم الإسلامية لم تفلح طوال التاريخ في إصلاح المسلمين أو تقديم نظم إسلامية مستنيرة؟

إن تحول المسلمين لفرق إسلامية طوال هذا التاريخ وبقاء الأمة الإسلامية إلى اليوم دليل واضح على نجاح الخليط الإسلامي، لأنه استطاع أن يعطي فسحة كبيرة جداً وواسعة لوجود خلافات بين المسلمين وبقائهم متحصنين في الإطار الإسلامي العام، بمعنى أن الإسلام أوجد قدراً من التحدي التاريخي من داخله لمواجهة الانقسامات بين المسلمين، فالخلاف القوي الذي حدث بين أهل الحديث وأهل الرأي في القرن الأول والثاني الهجريين، كان من الممكن ان يؤدي إلى قيام أمتين، وتداعيات هذا الخلاف، كان من الممكن أن تصل إلى انشقاق كبير في الفكر الإسلامي بين أهل الرأي وأهل الحديث، ومع ذلك ترابطوا وخضع كلاهما لحدود الوعاء الإسلامي الشامل من الناحية الفكرية.

واعتقد أن الإمام الشافعي قام بدور عظيم وهام جداً عندما قال للمجتهدين: طالما أن باب الاجتهاد مفتوح، فلابد أن نضع قواعد لهذا الاجتهاد ووضع أسساً وقواعد وقال للمحدثين: أنتم أهل حديث تريدون اتباع الأثر والحديث، فلنضع قواعد تحقيق الحديث وبهذا ترابط المسلمون مجتهديهم ومجدديهم، كما واجه المسلمون خلافاً بين الشيعة والسنة وبلغ هذا الخلاف بينهم خلافاً أساسياً وليس في الفرعيات، ولكنه لم يصل إلى حدود إنكار أي فرقة منهم لإسلامية الأخرى، وبقي الوعاء الإسلامي قوياً ومتيناً بحيث

 

الصفحات | 1 | 2  | 3 | 4  | 5  | 6 | 7 | 8 | 9 |10  | 11 | 12 | 13 | 14| 15 | 16|

  الأولى | العالم هذاالأسبوع | حوارات| منتدىالآراء| إقتصاد| اوراق ثقافية | المرصدالإعلامي | طب | دراسات | الرابطة | اصداء| منابر الدعوة | الأخيرة |  الإنجليزية