العدد 1774- الجمعة 23  شوال 1423هـ  إسلامية-أسبوعية- جامعة NO 1774 FRIDAY  23 Shawwal 1423H 27 Dec 2002

 

الصفحة التاسعة 

        1

 

في دراسة علمية حول الأصول الشرعية في العلاقات الدولية بين المسلمين وغيرهم

الواقع العملي لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم  يترجم الدعوة العالمية للإسلام

الأصل في العلاقة بين الدول الإسلامية وغيرها هو الدعوة

الأمة الإسلامية أمة دعوة عالمية تتخطى الحدود والحواجز

إعداد د . عثمان جمعة ضميرية

من الظواهر التي يلاحظها المتابعون للأحداث السياسية والفكرية في حياتنا المعاصرة: كثرةُ الندوات والمؤتمرات الوطنية والإقليمية والدولية، التي يشارك فيها المسلمون وغير المسلمين،أو ينفردُ بعقدها أحد الطرفين دون الآخر. ولن نقف هنا لنبدي رأياً في مثل هذه المؤتمرات و الدوافع الكامنة وراءها والفائدة المترتبة عليها. وإنما نشير إشارة عابرة إلى المنهج الذي ينتهجه المؤتمرون والمتحدِّثون؛ ففي مثل هذه الندوات والحوارات كثيراً ما يقف المتحدث موقف المدافع عن الإسلام، فيلجأ إلى التبرير أمام بعض الهجمات المغرضة على الإسلام و المسلمين، وقد يدفعه ذلك إلى شئ من التكلّف و التمحُّل في تفسير النصوص و تعليل الحوادث والوقائع ، أو تبنِّي بعض الآراء التي قد لا تتفق مع ما هو مقرر في الأحوال العادية أو مع ما يمكن قوله فيها. ولو أردت أن أضرب بعض الأمثلة على ذلك لوجدتها في هذا الاهتمام الكبير بالحوار، في الوقت الذي يقوم فيه الطرف الآخر بالهجوم علينا من كل جهة ومحاربتنا بكل وسيلة مع التظاهر بالدعوة إلى الحوار والتسامح و الانفتاح ... ومن الأمثلة أيضاً : ما ذهب إليه بعض الأساتذة و الباحثين في تقرير الأصل في العلاقات بين المسلمين و غير المسلمين .

ونعرض في هذه الدراسة قضيةً واحدة من هذه القضايا التي انتشر القول فيها يميناً ويسارا،ً حسب اختلاف المنهج والدوافع، وهي: القاعدة العامة أو الأصل العام في علاقة دار الإسلام بدار الحرب (الدولة الإسلامية بالدولة غير المسلمة ).فالبحث محصور في هذا الجانب، دون الجوانب الأخرى كالعلاقات بين المسلمين وغير المسلمين الذين يعيشون على أرض الدولة الإسلامية .ونبيّن أولاً معنى كلمة الأصل ليتحرَّر البحث ، ثم نُتْبِع ذلك بفقرات موجزة لبيان المسألة والآراء فيها، لنصل إلى ما نراه صواباً موافقاً للأدلة الشرعية ، بغض النظر عن حال الضعف التي تسيطر على الأمة الإسلامية، فتجعل القول الصواب وكأنه خطأ أو محض خيال . و الله المستعان ، وبه التوفيق.

 

معنى كلمة الأصل :

تطلق كلمة « الأصل» في اللغة العربية على معنيين : (أحدهما ): أساس الشيء الذي يبنى عليه غيره ، من حيث أنه يبتنى عليه ، بناء حسيَّاً أو معنوياً. ( والثاني ): منشأ الشي ، أو ما أُخذ منه الشيء. ثمَّ كثر استعماله حتى قيل : أصلُ كلِّ شيء : ما يستند ذلك الشيء إليه ؛ فالأب أصل للولد ، والنهر أصل للجدول . كما يطلق أيضاً على ما يتوقف عليه الشيء ، وعلى المبدأ في الزمان ، أو على العلة في الوجود .

ثمَّ نقل علماء الشريعة كلمة «الأصل» إلى معانٍ أُخَر ، مشتركاً اصطلاحياً ، فأصبح يطلق على معانٍ متعددة ، منها: الدليل ، والراجح ، أي : الأَوْلى والأحرى من الأمور . و بمعنى القانون والقاعدة الكلية التي تُرَدُّ إليها الضوابط والاستثناءات وتتفرع عنها الأحكام ، و بمعنى القاعدة المستمرة . ومن الأمثلة على هذا المعنى قولهم : أكل الميتة على خلاف الأصل . أي : خلاف الحالة المستمرة والقاعدة العامة .

والذي نريده في هذا المقام هو المعنى الأخير لكلمة «الأصل» وهو القاعدة المستمرة . وتجدر الإشارة هنا إلى أن كلمة (( الأصل )) بإطلاقاتها ومعانيها لا تعني حكماً تكليفياً من الوجوب والحرمة ... فإذ قلنا : الأصل في العلاقة بين المسلمين والحربيين هو الحرب أو السلم أو الدعوة ، لا يعني هذا أننا نصدر حكماً تكليفيَّاً على هذه العلاقة بأنها واجب أو حرام مثلاً . وإنما نبيِّن فقط القاعدةَ العامة التي تحكم هذه العلاقة والصِّلات بين المسلمين وغيرهم من الأمم والدول غير المسلمة.

 

أصل العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين:

يقول الإمام محمد بن الحسن الشَّيْبَاني - وهو أول من أفرد للعلاقات الدولية كتاباً قائماً برأسه، و هو أبو القانون الدولي في العالم - قال رحمه الله :

«وإذا لقي المسلمون المشركين ؛ فإن كانوا قوماً لم يبلغهم الإسلام، فليس ينبغي لهم أن يقاتلوهم حتى يدعوهم. وإن كان قد بلغهم الإسلام ـ ولكن لا يدرون أنّا نقبل منهم الجزية _ فينبغي ألاّ نقاتلهم حتى ندعوَهم إلى إعطاء الجزية. به أَمر رسولُ الله ( أمراء الجيوش. وهو آخر ما ينتهي به القتال. قال الله تعالى : {حَتّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ }، إلا أن يكونوا قوماً لا تُقبل منهم الجزية - كالمرتدين وعبدة الأوثان من العرب- فإنه لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف. فإذا أَبَوا الإسلام قوتلوا من غير أن يعرض عليهم إعطاء الجزية».

 

طبيعـة الدعوة الإسلامية:

وحتى يكون هذا الكلام أكثر وضوحاً في هذه المسألة ؛ فإنه ينبغي أن نتعرف على طبيعة الدعوة الإسلامية والنصوص التي تحكم علاقة المسلمين بغيرهم، وعندئذ يتحدَّد أصل هذه العلاقة، هل هى علاقة سلم أم علاقة حرب؟

إن الدعوة الإسلامية التي أنزلها الله تعالى على نبينا محمد (دعوة عالمية ورسالة خاتمة للرسالات السابقة). أراد الله تعالى لها أن تكون دعوة إنسانية موجهة للبشر جميعاً، لا تخاطب أقواماً بأعيانهم ولا جنساً بذاته، رضيها الله تعالى للناس ديناً، فكانت هي (الدين) الكامل الذي أتمَّ الله تعالى به علينا النعمة فقال : {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً}.

وقد تواردت النصوص الشرعية بدلالتها القاطعة على عموم رسالة الإسلام وعالميتها، منذ بداية الدعوة وهي لا تزال محصورة في شعاب مكة المكرمة، وأصحابها لا يزالون يتخفَّون في دار الأرقم بن أبي الأرقم وسط المجتمع الجاهلي الواسع ؛ فمحمد رسول الله إلى الناس كافة. قال تعالى: {وَ مَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَآفّةً لّلنّاسِ بَشِيراً وَنَذِيرا}.

والخطاب موجَّهٌ للناس جميعاً : { قُلْ يَاأَيّهَا النّاسُ إِنّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الّذِي لَهُ مُلْكُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لآ إِلَهَ إِلاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النّبِيّ الاُمّيّ الّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتّبِعُوهُ لَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ }.

والقرآن الكريم أنزله الله تعالى ليكون ذكراً للعالمين جميعاً، وليس لأمة بعينها : {إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لّلْعَالَمِينَ }. بل هو بلاغ لكل من يبلغه خبره وينتهي إليه أمره في عصره وفي سائر العصور إلى يوم القيامة، والجنُّ والإنس في هذا الخطاب سواء : {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ والإنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسلٌ مِنْكُمْ }.

وأشار الرسول صلى الله عليه وسلمإلى عموم بعثته وعالمية دعوته فقال : «أُعطيت خمساً لم يُعْطهنَّ أحدٌ قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبُعثت إلى كل أحمر وأسود -وفي لفظ : إلى الناس عامة - وأُحلَّت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجداً وطَهوراً، فأيّما رجل من أمتي أدركته الصلاة صلَّى حيث كان، ونُصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة ». ثمَّ وجَّه الدعوة لأهل الكتاب بخاصة فقال : «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ـ يهودي أو نصراني ـ ثمَّ يموت ولم يؤمن بي إلا كان من أصحاب النار ».

ومما يشير إلى عالمية دعوته عليه الصلاة والسلام وعموم رسالته : أن المعجزة الكبرى التي أيَّده الله تعالى بها ـ مع ما أيّده به من معجزات ـ كانت معجزة خالدة دائمة، تختلف عن معجزات الأنبياء السابقين ـ عليهم الصلاة والسلام ـ حيث كانت تنقضي معجزاتهم المادية بوقوعها، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام منبِّهاً على هذا المعنى الذي خصَّه الله تعالى به: «ما من نبيٍ من الأنبياء إلا قد أُعطي من الآيات ما مثلُه آمن عليه البشر،وإنِّما كان الذي أُوْتِيْتُه وحياً أوحى الله إليَّ،فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة».

فهذه الدعوة الأخيرة الخاتمة الناسخة للدعوات السابقة، رسالة مفتوحة إلى الأمم كلها، وللأجيال كلها، وليست رسالة مغلقة على أهل زمان أو أهل مكان، فناسب أن تكون معجزتها مفتوحة كذلك للقريب والبعيد، لكل أمة ولكل جيل. والخوارق القاهرة لا تلوي إلا أعناق من يشاهدونها، ثمَّ تبقى بعد ذلك قصة تروى لا واقعاً يُشْهد.

ومما يؤيد عموم دعوة الإسلام للبشرية جميعها مما يتصل بهذا الجانب الذي أشرنا إليه : أن الواقع العملي لسيرة النبي ( في دعوته جاء يترجم عن هذه الدعوة العالمية. فبعد أن كان ( يعرض نفسه على القبائل في موسم الحج وفي المواسم الأخرى، يدعوهم إلى الإسلام، وبعد أن انتقل بالدعوة إلى المدينة الطيبة وأعلى الله دينه ومكَّن له في الجزيرة العربية... بعدئذ بدأ يبعث بالكتب والرسائل إلى الملوك والأمراء وزعماء العالم يدعوهم إلى الإسلام، فكتب إلى هرقل عظيم الروم، وكتب إلى كسرى عظيم فارس، وكتب إلى نجاشيّ الحبشة، وكتب إلى المقوقس ملك مصر والإسكندرية، وكتب إلى غيرهم من الملوك والزعماء.

وهذه الدلائل كلها تقوم شاهداً عدلاً وحجة قاطعة على أن الإسلام دعوة للناس جميعاً منذ اللحظة الأولى التي بعث الله تعالى فيها نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم وأمره بالقراءة باسم ربه {الذي خلق}، إذ موضوعها هو (الإنسان) وهى موجهة كذلك (للإنسان) بما أنه إنسان، والكلُّ في هذا سواء. واستمر النبي صلى الله عليه وسلم في القيام بهذه الدعوة إنفاذاً لأمر ربه تبارك وتعالى حتى دخل الناس في دين الله أفواجاً. وحمل الرسالةَ خلفاؤه من بعده، وأعلى الله كلمته وأظهر دينه على الأديان كلها.

 

علاقةُ دعوةٍ ينبثق عنها أصلُ العلاقات الدولية :

ومن ذلك كله يمكن أن ندرك أن علاقة المسلمين بغيرهم من الأمم الأخرى - على اختلاف ألوانها ولغاتها وأديانها - ليست في حقيقتها علاقة سلم ولا علاقة حرب ابتداءً، وأن الأصل ليس هو السلم مطلقاً، وليس هو الحرب مطلقاً، (وإنما هي علاقة دعوة، فالأمة المسلمة أمة دعوة عالمية تتخطى في إيمانٍ وسموٍّ وعفوية كل الحدود والحواجز التي تنتهي إليها، أو تتهاوى عندها المبادىء الأخرى، سواء كانت هذه الحدود والحواجز جغرافية أو سياسية أو عرقية أو لغوية... وهي بذلك تفتح أبواب رحمة السماء لأهل الأرض أجمعين).

وإنما تكون العلاقة ـ بعد ذلك ـ علاقة سلم أو حرب، ويكون الأصل هو السلم أو الحرب، بعد تحديد موقف الأمم والدول الأخرى من دعوة الإسلام قبولاً أو رفضاً. ولذلك يقول الدكتور محمد طلعت الغنيمي : (إن علاقة الدولة الإسلامية بأيٍّ من دول دار المخالفين تتوقف على سياسة تلك الدول من الدولة الإسلامية. وتلك - لعمر الحق - بديهة من بدهيات السياسة الدولية. فإنْ هي نهجت منهج الموادعة والمسالمة كان حكمها هو ما قررت الآية الكريمة : {لاّ يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِين}. وعندئذٍ لا يطلب من المسلمين أن يمارسوا إكراهاً على هؤلاء لأن الإقساط يتنافى مع الإكراه.

بل إننا نقول : إن الإكراه يتنافى دائماً مع الإقساط، وحتى في الحرب لا يجوز أن يقع إكراه على قبول الدين. ونقول أيضاً : إن وقفت دار المخالفين من الدعوة الإسلامية موقف الرفض والعداء والحرب، فإن حكمها هو ما قررته الآية الكريمة التي جاءت تالية للآية السابقة وهى قوله تعالى {إِنّمَا يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدّينِ وَأَخْرَجُوكُم مّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُواْ عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ }.

وهذا يعني : أن الأصل في العلاقة بين المسلمين وغيرهم من أهل الحرب في هذه الحال هو السلم. ويبقى هذا الأصل قائماً إذا كان قد بلغهم الإسلام ولكن لا يدرون أنَّا نقبل منهم الجزية ونعقد لهم الذمّة. فينبغي ألاّ نقاتلهم حتى ندعوهم إلى ذلك، وبهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمراء الجيوش، وهو آخر ما ينتهي به القتال، وفي هذا التزام بعض أحكام المسلمين والانقياد لهم في المعاملات فيجب عرضه عليهم إذا لم يعلموا به.

وتتحول هذه العلاقة إلى علاقة حرب فيما عدا ذلك (فإن كانوا قوماً لا تقبل منهم الجزية كالمرتدين وعبدة الأوثان من العرب، فإنه لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف. فإذا أَبَوا الإسلام : قوتلوا من غير أن يعرض عليهم إعطاء الجزية).

وكذلك : من تقبل منهم الجزية، إذا عرض عليهم الإسلام ولم يقبلوه، وعرضت عليهم الجزية فلم يقبلوها أو يلتزموا بها، فإن العلاقة بهم علاقة حرب.

 

مذهب جمهور الفقهاء :

وذهب جمهور الفقهاء إلى أن الأصل في العلاقة بغير المسلمين هو الحرب والقتال، وأن السلم ليست إلا هدنة يستعدُّ بها لاستئناف القتال والاستعداد له. فلا ينبغي موادعة (معاهدة) أهل الشرك إذا كان بالمسلمين عليهم قوة، لأن فيه ترك القتال المأمور به.

وإن لم يكن بالمسلمين عليهم قوة فلا بأس بالموادعة، لأنها خير للمسلمين، ولأن هذا من تدبير القتال. وحينئذ تكون الموادعة جهاداً معنىً، لأن المقصود ـ وهو دفع الشر ـ حاصلٌ بها. وان السلم المطلق لا يكون إلا بإسلامٍ أو أمانٍ ـ أي بالدخول في دين الإسلام أو الرضا بعهد الذمّة. ولذلك قالوا : يقاتل أهل الكتاب والمجوس حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، ويقاتل من سواهم من الكفار حتى يسلموا.

وقالوا : إن الجهاد لإعلاء كلمة الله وقتال الكفار الذين امتنعوا عن الإسلام وأداء الجزية ـ وهم ممن تُقْبل منهم ـ واجب كفائي على المسلمين كل سنة وإن لم يبدأونا بالقتال. وإن دعت الحاجة إلى القتال في كل عام أكثر من مرة وجب ذلك عليهم. ولهذا لا تجوز المهادنة مع الأعداء إذا كانت الهدنة مطلقة لم تقيد بمدة، لأن الإطلاق يقتضي التأبيد، وذلك يفضي إلى ترك الجهاد بالكلية، وهو غير جائز.

هذه خلاصة ما جاء من نصوص عند العلماء المتقدمين، وهو ما نصّ عليه أيضاً المتأخرون من العلماء المحققين كالشوكانيُّ ومحمد صديِّق حسن خان القنّوجي.

ولذلك يرى أستاذنا الدكتور مصطفى كمال وصفي- رحمه الله- أن علاقة المسلمين مع غير المسلمين لا تقوم على وجهها الإسلامي إلا إذا كان للمسلمين هيبة تكفل لهم قيام الأحكام الشرعية وحسن تطبيقها، فإن تطبيق الشريعة الإسلامية في المحيط الدولي يتطلب عزاً وكرامة وهيبة، فيكون لتسامحها ومرونتها أثره في حسن الدعوة وحسن التمثل بالمسلمين. وبدون ذلك فإن التحدُّث بالعزة الإسلامية يحمل على الاستخفاف فتطمع فينا الدول، وينتهزون ذلك ويستغلونه لمصالحهم كما حدث بالنسبة لمعاهدات الامتيازات التي أولاها العثمانيون ـ وهم في قوتهم ـ للأوربيين، فكانت أول مسمار في نعش هذه الدولة. ومن أهم ما يوجبه الإسلام أن نقوم ببثِّ الهيبة الإسلامية كل سنة بإظهار القوة العسكرية الإسلامية على الحدود، فإن القيام بالغزوات الآن محفوف بالقيود الدولية، لذلك يجب ـ على الأقل ـ بثُّ الهيبة على الحدود بعد تحرير أراضي المسلمين والجهاد لنصرة أقلياتهم المغلوبة، وهو عمل يسهل مع مضي الوقت وزيادة النفوذ الدولي، وإن يكن صعباً في البداية، كما يجب القيام بالدعوة والتوعية بصورة فعَّالة موازية للحرب المضادة على الأقلِّ.

 

الأدلة على الأصل في العلاقات :

واستدل جمهور الفقهاء على ما ذهبوا إليه بأدلة من القرآن الكريم، والسنة النبوية، ومن الواقع العملي في السيرة النبوية، ومن المعقول :

أ ـ فمن القرآن الكريم ؛ عموم الآيات الموجبة للجهاد والقتال، التي لم تقيِّد الوجوب ببداءة الكفار لنا بالقتال. كقوله تعالى :

1 {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ. وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم وَأَخْرِجُوهُمْ مّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَآءُ الْكَافِرِينَ. فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ }.

2 - وقال تعالى : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرّ لّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }.

3 ـ وفي سورة التوبة آيات كثيرة ناطقة بهذا، كقوله تعالى : {فَإِذَا انسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصّلاَةَ وَآتَوُاْ الزّكَاةَ فَخَلّواْ سَبِيلَهُمْ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رّحِيمٌ }.

وعموم الآية الكريمة يقتضي قتل سائر المشركين من أهل الكتاب وغيرهم، وأن لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، إلا أنه تعالى خصَّ أهل الكتاب بإقرارهم على الجزية فإن تابوا ورجعوا عمّا هم عليه من الشرك بالله وجحود نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأنداد، والإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم والتزام الفرائض والاعتراف بوجوبها، فعندئذ خلُّوا سبيلهم. أي : دَعُوهم فليتصرفوا في أمصاركم ويدخلوها. وبذلك تنتهي حالة الحرب معهم.

4 ـ ثمَّ أمر الله عزَّ وجلَّ بقتال المشركين جميعاً فقال : {وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفّةً}.

ففي هذه الآية الكريمة أمر بقتال الذين يقاتِلون، فعُلم من ذلك أن شرطَ القتالِ كونُ المقاتَل مقاتِلاً ـ أي ممن يمكن أن يقاتل، فهو شرط للقتال وليس علة له.

5 أما قتال أهل الكتاب من اليهود والنصارى ؛ فقد جاءت الآية الكريمة التالية بشأنهم، حيث قال الله تعالى : {قَاتِلُواْ الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَلاَ يُحَرّمُونَمَا حَرّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقّ مِنَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}.

وفي هذه الآية الكريمة تحديد للعلاقات مع أهل الكتاب من الكفار خاصة، بعد أن حددت الآيات السابقة في السورة نفسها طبيعة العلاقات بين المسلمين والمشركين، فإن الجميع قد أطبق عليهم هذا الوصف، وهو الكفر، فإن الكفر وإن كان أنواعاً متعددة مذكورة في القرآن والسنة بألفاظ متفرقة، فإن اسم الكفر يجمعها.

وقد أبان الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن الفرض في أهل الكتاب ومن دان دينهم قبل نزول القرآن كله : أن يقاتَلوا حتى يعطوا الجزية أو يُسْلِموا.

وسياق الآية الكريمة يلهم أن الأوصاف الواردة فيها هي صفات قائمة بالقوم الموجهة إليهم الغزوة التي نزلت الآية تمهيداً لها، وأنها إثبات حالة واقعة بصفاتها القائمة. فهذه الصفات لم تذكر هنا في الآية الكريمة على أنها شرط لقتال أهل الكتاب، وإنما ذكرت على أنها أمور واقعة في عقيدة القوم وواقعهم، وأنها مبررات ودوافع للأمر بقتالهم. ومِثْلُهم في هذا الحكم كلُّ من تكون عقيدته وواقعه كعقيدتهم وواقعهم. وإذن فهو أمر عام يقرر قاعدة مطلقة في التعامل مع أهل الكتاب الذين تنطبق عليهم هذه الصفات التي كانت قائمة في نصارى العرب ونصارى الروم... ولا يمنع من هذا العموم أن الأوامر النبوية استثنت أفراداً وطوائف بأعيانها لتُتْرك بلا قتال، كالأطفال والنساء والشيوخ والعَجَزَة والرهبان الذين حبسوا أنفسهم في الأديرة... بوصفهم غير محاربين ـ فقد منع الإسلام أن يقاتَل غير المحاربين من أية ملَّة ـ وهؤلاء لم تستثنهم الأوامر النبوية لأنهم لم يقع منهم اعتداء بالفعل على المسلمين، ولكن لأنه ليس من شأنهم أصلاً أن يقع منهم الاعتداء. فلا محل لتقييد هذا الأمر العام بأن المقصود به هم الذين وقع منهم اعتداء فعلاً. فالاعتداء قائم ابتداءً، الاعتداء على ألوهية الله ! والاعتداء على العباد بتعبيدهم لغير الله ! والإسلام حين ينطلق للدفاع عن ألوهية الله سبحانه والدفاع عن كرامة الإنسان في الأرض، لابد أن تواجهه الجاهلية بالمقاومة والحرب والعداء ولا مفرَّ من مواجهة طبائع الأشياء.

6 وقال الله تعالى : {فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُواْ إِلَى السّلْمِ وَأَنتُمُ الأعْلَوْنَ وَاللّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ }.

ففي الآية الكريمة حثٌّ للمؤمنين على الجهاد وتحريم للتثاقل والجبن عن قتال المشركين والضعف أو الدعوة إلى الصلح والمسالمة ابتداءً، فمنع الله تعالى المسلمين أن يدعوا الكفار إلى الصلح وأمرهم بحربهم حتى يسلموا، أو يلتزموا حكم الإسلام بعقد الذمّة، فالمسلمون هم الغالبون، وآخرُ الأمر لهم وإن غُلِبوا في بعض الأوقات.

7 وقال الله تعالى : { يَاأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الّذِينَ يَلُونَكُمْ مّنَ الْكُفّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنّ اللّهَ مَعَ الْمُتّقِينَ }.

يقول الله تعالى ذكره : قاتلوا مَنْ وَلِيَكُم من الكفار دون من بَعُد منهم، فابدأوا بقتال الأقرب فالأقرب إليكم داراً، دون الأبعد فالأبعد}.فالآية الكريمة تضع خطة الحركة الجهادية ومداها كذلك، وهي الخطة التي سار عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه من بعده بصفة عامة، فسارت عليها الفتوح الإسلامية، تواجه مَنْ يلون (دار الإسلام، ويجاورونها، مرحلة فمرحلة، فلما أسلمت الجزيرة العربية ـ أو كادت ولم تَبْقَ إلا فلول منعزلة لا تؤلِّف قوة يُخشى منها على دار الإسلام بعد فتح مكة ـ كانت غزوة تبوك على أطراف بلاد الروم، ثمَّ كان انسياح الجيوش الإسلامية في بلاد الروم وفي بلاد فارس... والأمر بقتال الذين يَلُون المسلمين من الكفار، لا يذكر فيه أن يكونوا معتدين على المسلمين ولا على ديارهم. وندرك أن هذا هو الأمر الأخير، الذي يجعل (الانطلاق ) بهذا الدين هو الأصل الذي ينبثق منه مبدأ الجهاد، وليس هو مجرد( الدفاع) كما كانت الأحكام المرحلية أول العهد بإقامة الدولة الإسلامية في المدينة.

ويريد بعض الذين يتحدثون عن العلاقات الدولية في الإسلام أن يتلمسوا لهذا النص النهائي الأخير قيداً من النصوص المرحلية السابقة، فيقيدوه بوقوع الاعتداء أو خوف الاعتداء ! والنص القرآنيُّ بذاته مطلق، وهو النص الأخير. وقد عوَّدنا البيان القرآني عند إيراد الأحكام أن يكون دقيقاً في كل موضع، وأن يتخير اللفظ المحدَّد، ويسجل التحفظات والاستثناءات والقيود والتخصيصات في ذات النص، إن كان هناك تحفظ أو استثناء أو تقييد أو تخصيص.

ب ـ ومن السنة النبوية : استدل الجمهور بحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقِّ الإسلام، وحسابهم على الله».

فقد أمر الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويلتزموا أحكام الإسلام. ولكن خرج أهل الكتاب من هذا العموم بدليل آخر هو آية التوبة السابقة، ونحو ذلك من الآيات والأحاديث، ويدل عليه رواية النَّسَائي : «أُمرت أن أقاتل المشركين».

 

مذهب معاصر :

وفي العصر الحديث ذهب بعض الكتاب والباحثين إلى أن الأصل في العلاقات بين المسلمين وغيرهم هو السِّلم.

ولم نجد أحداً من علمائنا وفقهائنا السابقين قال بمثل ما قال هؤلاء المعاصرون.حتى الذين تكلموا على قضية السلم، لم يكن كلامهم منصبّاً على القاعدة العامة المستمرة في العلاقات،وإنما على حالات معينة يدعو الإسلام فيها إلى السلم والمصالحة والبر بالمخالفين. وجاء كلامهم هذا في وقت كان المسلمون فيه يتربعون على قمة المجد، والعزةُ تملأ جوانحهم، والعدو أشدَّ رهبة... ومع ذلك وجدوا أنَّ سماحة الدين الإسلامي ومبادئه الفاضلة تدعو إلى ذلك، ولن يخشى أن ينتهي هذا الكلام بأحد إلى الدعوة لنبذ الجهاد وتركه حتى يقول إنه لا يجوز الجهاد إلا عندما يقع العدوان علينا، ولو وقع ينبغي دفعه سلماً، ثمَّ يكون التهافت على السلم الرخيصة الذليلة.

 

أدلـة المعاصرين :

واستدل أصحاب هذا الاتجاه بأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية، ومن القواعد الفقهية العامة ومن المعقول فمن القرآن الكريم :حشد أصحاب هذا الاتجاه مجموعة من الآيات الكريمة، هي الآية ( 208 ) من سورة البقرة، والآية ( 61 ) من سورة الأنفال، والآيتان ( 90 و 94 ) من سورة النساء، كما استدلوا ببعض الوقائع التاريخية والقواعد الفقهية التي ستأتي عند المناقشة بإذن الله تعالى.

 

مناقشة أدلة المعاصرين :

ولكن النظرة الدقيقة إلى ما استدلوا به ترينا أن عموم الأدلة التي استندوا إليها في غير محل النزاع، ولا تدل على ما ذهبوا إليه، إن لم نقل إنها تدل على عكس ما ذهبوا إليه.

وبكلمة إجمالية نذكر أن هذه الأدلة قد وضعت في غير موضعها، وأنطقها هؤلاء بما لم تنطق، وحمّلوها ما لا تحتمل. ويظهر هذا بالنظر في هذه الأدلة من النصوص واحداً بعد الآخر. والذي ننتهي إليه : أنها لا تتعلق بأصل العلاقة بين المسلمين و الكفار، و لا بالقاعدة العامة فيها. و يتسع المقام هنا لبيان ذلك بالتفصيل. فحسبنا هذه الإشارة.

وأما ما استدلوا به من الواقع التاريخي، وهو أن حروب النبي صلى الله عليه وسلم كانت لردّ العدوان والبغي، وأنه لم يقاتل إلا دفاعاً.

فهذا في بيان حال واقعة، وليست بياناً لأصل أو مبدأ تُرَدُّ إليه الوقائع. مع أن غزوات النبي صلى الله عليه وسلم وحروبه فيها ما هو دفاع وما هو هجوم ابتداءً. ولهذا لا يصح الاستدلال بذلك على أصل العلاقات وأنها السلم المطلق.

بقي من أدلة المعاصرين جملة من القواعد الفقهية، مثل: (الأصل في الدماء الحظر)، و(الضرورات تقدر بقدرها) و (الأصل في الأشياء الإباحة).

وهذه كلها لا علاقة لها بموضوع بحثنا، ولا تدل على شيء مما أرادوه. كما أن ما نقلوه عن بعض الأئمة كقول مالك: (( لا ينبغي لمسلم أن يهريق دمه إلا في حق ولا يهريق دماً إلا بحق ))، إنما جاءت في سياقٍ آخر لا علاقة له بمسألتنا، و هذا السياق هو : هل يجوز للمسلم أن يقاتل مع غير المسلمين ؟.

ولذلك نجد أن النتيجة التي وصلوا إليها ليست مسلَّمة، لأنه قد تبين لنا السند التشريعي لما ذهب إليه الفقهاء، وهو الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة. ويعبِّر عن هذا الموقف المعاصر: قولُ الشيخ عبد الوهاب خلاّف ـ رحمه الله ـ (وقال فريق آخر من العلماء : إن أساس علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول لا تغاير ما قرره علماء القانون الدولي أساساً لعلاقات الدول الحاضرة... ).

مع أن في قوله هذا عكساً للترتيب، فلم يكن هناك قانون دولي عندما قال الفقهاء المسلمون بما ذهبوا إليه.

 

- الخلاصة :-

وإذا عدنا إلى أدلة الفريقين من العلماء والباحثين في هذه المسألة، وحملنا أدلة الجمهور على ما بعد الدعوة إلى الإسلام، وحملنا أدلة المعاصرين على ما قبل الدعوة ؛ فإنه يمكن التوفيق بين الرأيين، وإن كنت أعلم بأن المعاصرين لم يقصدوا ذلك قطعاً؛ لأنهم جعلوا الأصل في العلاقة هي السلم مطلقًا، و هي القاعدة المستمرة الدائمة.

و الذي ننتهي إليه بعد هذا العرض للآراء و الأدلة و المناقشة: أن الأصل في العلاقة بين الدولة المسلمة وغيرها من الدول الأخرى هو الدعوة، ثم بناء على موقفها من هذه الدعوة تتحدد العلاقة بأنها علاقة سلم أو حرب. فالتي تقبل الدعوة أو تهادنها: تكون العلاقة بها علاقة سلم وأمان ؛ والتي ترفض الدعوة وتحاربها : تتحول العلاقة معها إلى علاقة حرب، ولا يعني هذا أنَّ الحرب قائمة فعلاً، وإنما يعني أن حال السلم الدائم مفقودة، فتكون الحرب واقعة أو متوقَّعة. وقد ألمحنا - فيما سبق- إلى النزعة السلمية التي يرجحها الإسلام، حيث يوجب تقديم الدعوة قبل الجهاد، لأن المقصود هو الدعوة إلى الدين ؛فإذا حصل ذلك بأرفق وأيسر السبيلين فإنه يجب المصير إليه. و الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين.

 

 

الصفحات | 1 | 2  | 3 | 4  | 5  | 6 | 7 | 8 | 9 |10  | 11 | 12 | 13 | 14| 15 | 16|

  الأولى | العالم هذاالأسبوع | حوارات| منتدىالآراء| إقتصاد| اوراق ثقافية | المرصدالإعلامي | طب | دراسات | الرابطة | اصداء| منابر الدعوة | الأخيرة |  الإنجليزية