العدد 1775- الجمعة 30  شوال 1423هـ  إسلامية-أسبوعية- جامعة NO 1775 FRIDAY  30 Shawwal 1423H 03 Jan 2003

 

الصفحة الثانية عشرة 

        1

 

خطبة الجمعة من المسجد الحرام:

الشريم: الشريعة الإسلامية الغراء لا تنغصها أزمة ولا يعكرها ضيق

مكة المكرمة - نور الإسلام بن جعفر

● أكد إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور سعود بن إبراهيم الشريم أن المجتمع المسلم المتميز هو ذلكم المجتمع الذي تتحقق له ضروراته وحاجياته تحت ظل الشريعة الغراء التي لا تنغصها أزمة ولا يعكرها ضيق ذلكم المجتمع الذي يجد حرمته مصونة مكرمة لا تهدر تحت ناب سبع عاد ولا تستباح بمخالب باغ متوحش أو سطوة معتد صائل هكذا يعيش المجتمع المسلم إذا كان في صورته المثلى واستقراره المعهود.. وفيما يلي نص الخطبة:

الحمد لله معز من أطاعه، ومذل من عصاه، أكرم من شاء، بامتثال أوامره والبعد عن ما عنه نهى، أحمده سبحانه وأشكره على ما أولاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له العزة والكبرياء، وأشهد أن سيدنا محمداً عبدالله ورسوله، صفوة العالم طراً، وسيد الأنام براً، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه الكرام البررة.

أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، ولا يضر إلا نفسه، ولا يضرّ الله شيئاً.

أيها الناس، المجتمع المسلم المتميِّز هو ذلك المجتمع الذي تتحقّق له ضروراتُه وحاجياته وتحسيناته، تحت ظلِّ الشريعة الغراء التي لا تنغِّصها أزمةٌ ولا يعكِّرها ضيق، ذلكم المجتمع الذي يجد حرمتَه مصونةً مكرَّمة لا تُهدَر تحت ناب سَبُع عَادٍ، ولا تُستباح بمخالب باغٍ متوحِّش، أو سطوة معتدٍ صائل. هكذا يعيش المجتمع المسلم إذا كان في صورته المثلى واستقراره المعهود.

غيرَ أنه عند أدنى اختلالٍ لما مضى وإحلال الضدِّ محلَّه من الاستخفاء وراء أسوارٍ من الصلَف والغطرسة والمقت لوحي الله وحَمَلته، وجعل سبيل الله موحِشةً لطول ما ترادف على سالكيها من أدواء وأعباء لهُو الباب الحقيقي للمثول أمام حاضرٍ كريه ومستقبل مغلق، وحينئذ تزلّ القدم بعد ثبوتها، ويسبق الخصمُ إلى إذلالها وكبت حريتها.

إن الشعور العام بين الناس ليحكي بأن العالم اليوم قد قطع مراحلَ شاسعة في طريق التقدم الحضاري والصعود المادي، فسارعت هممُ الناس تترى كالبارع الذكي والنَّشِط المتوقِّد في اللهث وراء التقدم الصناعي والحضاري ونحوهما، ولكن هذا كلُّه كان على حساب إيجاد المرء الصالح التقي والبارِّ الوفي، فتقدَّمت الصناعة وتخلَّفت الروح، استطالت المادة واستكان الالتزام بالدين، حتى نشأ من هذا الضمور في الوعي تفاوتٌ مقلق، كان سبباً ـ ولا شك ـ في اختلال سير القافلة المسلمة واعتلالها، واتزانها وإبصارها الواعي بما تُقبل عليه وما تُحجم عنه، ثم تجتال القنوط آمال لفيف من العلماء والمفكرين بعد أن اعتلى جؤارهم من القحط الروحي الذي يسود أرجاءَ المسلمين بصورة لافتة.

إن التديّن الحقيقي هو الإيمان بالله والشعور بخلافته في الأرض قلباً وقالباً، والتطلّع إلى السيادة الشرعية التي اقتضتها هذه الخلافة، بيدَ أنَّ ذلك لا يتمّ إلا بتطويع كلِّ ما جعله الله وسيلةً مشروعة لتحقيق هذا المفهوم، وسْط دنيًا ينبغي أن يحكمها المجتمع المؤمن باسم الله وعلى بركة الله وفضله، من خلال الحكم بما أنزل الله شريعةً ومنهاجاً، وإحياء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتذليل السُّبل في الدعوة إلى الله عز وجل والجهاد في سبيله وابتغاء مرضاته. وبمثل هذا يُقضى على الجفوة بين مفهومي الحَضارة والإسلام، ويُرأب الصدع وتُسدُّ الثلمة لتصل سفينة المجتمع المسلم الماخرة إلى شاطئ العزِّ والتمكين.

كما أنه يجبُ أن يكون واضحاً جلياً تقريرُ أن الفضائل والعبادات التي شرعها الله لنا لا تعوق ازدهار الحياة وتقدمَها المادي وسْط المجتمعات المسلمة، لأن الإنسان عقلٌ وقلب، ومن يظنّ أنَّ صحوة القلب لا تتمّ إلا مع خمول الفكر وتهميش الدنيا من كلِّ جوانبها فهو مخطىء خطأ فاحشاً، كما أنَّ من يظنُّ بأنَّ سيادة العقل وبلوغ الأرب في التقدّم الماديّ لا يتمُّ إلا بتنحية الإيمان بالله وفصله عن واقع الحياة لهو مخطىء أيضاً خطيئةً كبيرة.

ولذا فإن زكاة الروح قد تتمّ بدون جمال الجسد، وضمان الآخرة والتشمير لها قد يتمّ بدون ضياع الدنيا وخسرانها، ولقد صدق الله: {وَابْتَغِ فِيمَا ءاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِى الأرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } (القصص:77).

أيها المسلمون، إنه لا يشكّ عاقلٌ البتة في أن تخلُّف المسلمين اليومَ عن الإمساك بزمام الأمور في الأرض كما كان أسلافهم وفي الاتصاف بالتبعية والاستجداء مع ما يصاحب ذلك من قلقٍ متنام وتوجُّسٍ مكابد وشعورٍ بأنهم وسْط عنق زجاجةٍ يُصعدون فيها ولا يلوون على شىء، أنَّ ذلك كلَّه بسبب بُعدهم عن دينهم، وتنحية شرع الله عن الواقع، وخفر العهود والمواثيق، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لبعض المهاجرين محذِّراً: «وما خفروا العهدَ إلا سلَّط الله عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم يعمل أئمتُهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل الله بأسَهم بينهم» رواه البيهقي وابن ماجه.

ثم اعلموا ـ يا رعاكم الله ـ أن ثمَّة سببين اثنين ينخران في جسد الأمة بنَهَم لتلحق بركاب القَعَدة العاجزين، وأوَّل هذين السببين هو اللَّهَث وراء التيَّارات الغربيَّة القائمة على فلسفة التفوُّق المادِّي والفكر التحرُّري الذي لاقى رجعَ الصدى وسطَ الغوغاء من أبناء الأمة المسلمة، مترفِهم ومثقَّفِهم، بل وحتى من كان على فراش الإملاق منهم، إلى أن صاروا أُذناً وعيناً ولساناً وقلماً لنهجهم وفكرهم سياسةً وحضارة وثقافة وإعلاماً، فأصلحوا بإفساد، وداوَوا بالطاعون، وتقدَّموا بالتأخّر، فهُضمت حقوقُ المسلمين، واغتيلت مروآتُهم بتقليدٍ أعمى ولهثٍ بليد، فتحقَّق فيهم قولُ الرسول صلى الله عليه وسلم: «لتتَّبعنَّ سننَ من كان قبلكم حذوَ القذَّة بالقذَّة حتى لو دخلوا جحرَ ضبٍّ لدخلتموه»، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟!» رواه البخاري ومسلم.

وأيُّ تبعيةٍ أقبح من أن تشبَّه بدخول جُحر الضَّب المظلم مع ما فيه من ضيقٍ وقوارص، إلا وأنَّ ذلك دليل على التبعية مع عصْب العينين على وجه الانتحار غيلة: {كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلَـادًا فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلَـاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلـاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلَـاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ} (التوبة:69)، يقول ابن عباس رضى الله عنهما: (ما أشبهَ الليلة بالبارحة! هؤلاء بنو إسرائيل شُبِّهنا بهم)، ويقول ابن مسعود رضى الله تعالى عنه: (أنتم أشبهُ الأمم ببني إسرائيل سمتاً وهدياً، تتَّبعون عملَهم حذوَ القذَّة بالقذَّة، غيرَ أني لا أدري أتعبُدون العجل أم لا).

ثم إنَّ ثاني السببين ـ عباد الله ـ هو ذلكم الجاثومُ الكابِت، الذي يعمل على تذويب الهوية الإسلامية للأمة المسلمة وتميّزِها، المتمثِّل في الاستعزاز بالإسلام وبما فرضه الله عليها من الولاء والبراء، والحب في الله والبغض فيه، وجعل المسلمين بعامة خاضعين لمصالحَ مشتركةٍ أيًّا كان نوعها، حتى ولو كانت خارجَ الإطار المشروع ما دامت تصبُّ في مصالحَ دوليةٍ وقوالبَ ماديَّة للأفراد والجماعات، فيجرُّها هذا الجاثومُ طوعاً أو كرهاً إلى فلَكها، عبرَ بنود يصعُب التراجُع عنها أو الإخلال بها، بناءً على ما تقتضيه مصلحةُ الفرد أو المجتمع من أعباء الحياة، التي يصبحون من خلالها في غير غنى عن الغرب ومادته وفلسفته وسيادته.

وفي كلا السببين ـ عباد الله ـ تتضاءل إن لم تتلاش صلةُ المسلم بربِّه ودينه، وينحصر الأفراد والجماعات داخلَ بوتقةٍ من ضيق الأفق، فلا يرون فيها إلا مصالحَهم الخاصة، ويندفع جهدُهم كلّه وراء المنفعة العاجلة، بقطع النظر عمَّا يحكم ذلك من حلال أو حرام، والله جل وعلا يقول: {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُواْ ءابَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } (المجادلة:22)، ولقد بايع جرير بن عبدالله البجلي رضي الله تعالى عنه النبي صلى الله عليه وسلم على أن ينصحَ لكل مسلم ويبرأَ من الكافر. رواه أحمد.

ومن هذا المفهوم ـ عباد الله ـ يوقنُ كلّ منصف أنَّ أهلَ الكفر والإلحاد لم ينتصروا بقواهم الخاصَّة قدرَ ما انتصروا بفراغ قلوب المسلمين من خلال شهواتهم اليقظة، وإخلادِهم إلى الأرض، واتباع الهوى، والسّعار إلى اللذات والرغبات، وافتقار صفوفهم إلى ما يجمعها ولا يفرقها، وإلى ما تعتزّ به من الدين لا ما تستحى منه أو تخجل بسببه، {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيّنَـاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ثُمَّ جَعَلْنَـاكُمْ خَلَـائِفَ فِى الأرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} (يونس:14).

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قد قلت ما قلت، إن صواباً فمن الله، وإن خطأ فمن نفسي والشيطان، واستغفر الله إنه كان غفاراً.

الحمد لله وليّ الصالحين، ذي الأسماء الحسنى والصفات العلى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبدالله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان.

أما بعد: يا أيها الناس، إن في كتاب الله وسنة رسوله ما يكشف أسبابَ الانكسار، ويبرز دواعيَ الانشطار الذي يصيب المسلمين بعامَّة بين الحين والآخر. ومثل هذا لا يعدُّ بدعاً في أمم الإسلام دون غيرها من الأمم، فقد بيّن الله في محكم التنزيل ما يدلّ على ناموسه وسنته في الناكصين والظلمة والمتسلِّلين عن دينهم لواذا في كلِّ زمان ومكان: {كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِآيَـاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ذالِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } (الأنفال:53)، {وَمَا أَصَـابَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} (الشورى:30).

ومع هذا كلِّه فإنَّ الباري جلَّ شأنه برٌّ بعباده، رحيمٌ بهم، يمنّ عليهم بفضله ورحمته، ويسبغ عليهم سِتره ونعمتَه، ويصبِّحهم ويُمسِّيهم بالتوفيق والبركة في الحكم والرزق، غيرَ أنَّ كثيراً من المجتمعات قد تُحسن الأخذَ ولا تحسن الشكر، تمرح بالنعم ولا تقدر الله حقَّ قدره، ومثل هذا الاستغفال حين يبلغ مداه إضافةً إلى الإصرار عليه والإحساس بإمكانية الاستقلال دون تصحيحٍ أو محاسبة نفس، فعندئذ تدقّ قوارعُ الغضب أبوابَ الأمم، فتُظلم الوجوه بهزائم الدنيا وتجرّع الخوف فيها قبل حساب الآخرة ونكالها، والله جل وعلا لا يبدِّل أمنَ الأمم قلقاً ولا رخاءَها شدةً ولا صحَّتها سقماً ولا عزّها ذُلاً من باب الظلم لهم أو التشفِّي بهم، كلا، فإن الله واحدٌ لا يتغيَّر، ولكن الناسَ هم الذين يتغيَّرون، كما أن الله عادل لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسَهم يظلمون، {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مّن دُونِهِ مِن وَالٍ} (الرعد:11).

إن رياح التغيير ـ عباد الله ـ لا تهبُّ عليلةً دون كدرٍ أو قتر، كما أنها لا يمكن أن تهبَّ إلا من داخل صفِّ المسلمين أنفسهم، ومستقبل المسلمين لا يمكن أن يصنعَه من لا يخاف الله ولا يؤمن بشِرعته، بل لا بد أن يصنعَه المسلمون أنفسُهم انطلاقاً من شِرعتهم الغرّاء، وخارجاً عن إطار القوميَّات والإقليميات والعبِّيَّات الجاهلية، وأن المسلمين متى ما أرَوا اللهَ من أنفسهم صدقاً في التصحيح وعَلِم الله فيهم خيراً في حسن المقصد وصدق اللجوء إليه مهما كان الواقع الأليم الذي يعيشونه ويعانون فيه الأمرَّين، فإن ذلك ليس بمانِعهم أن يقلبَ الله كربَهم فرجًا، وترحَهم فرحًا، يقول الله جل وعلا عن أسرى بدر من المشركين: {يَـاأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لّمَن فِى أَيْدِيكُم مّنَ الأسْرَى إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (الأنفال:70).

فالعودةُ إلى الله سببٌ في الفلاح وسرّ في النجاح، غيرَ أن العودةَ لا يمكن أن تكون بمجرَّد شقشقَةِ لسانٍ أو حركة ببنان أو بوعودٍ كاذبة في التصحيح والاستقامة فورَ انكشافِ الكربة وانقشاع الغياية، كلا، فتلك وعودٌ كاذبة، لو انطلت على بعض البشر فإنها لا تخفى على ربِّ البشر، ولذلك أعقب الله حديثَه عن الأسرى بقوله: {وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } (الأنفال:71).

فالحاصل ـ عباد الله ـ أنَّ استقامةَ المجتمع وفلاحَه ونجاحه في سياسته العامة وبلوغَه المكانة العالية إنما تجيء من الحرص على التكامل وتهذيب النفوس من الوحشة والنفرة، بعد تحقيق الصلة بالله. ولدى المسلمين في وقتهم الحاضر كنوزٌ مشحونة بمثل هذه المعاني الغضَّة تسع أهلَ الأرض جميعاً لو قُسمت بينهم، ولكنهم عن ذلك ذاهلون، وفي نيل الغاية الأسمى مفرِّطون، {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِى حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَىء وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْءانَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَاْ مِنَ الْمُنذِرِينَ وَقُلِ الْحَمْدُ للَّهِ سَيُرِيكُمْ ءايَـاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَـافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } (النمل:91-93).

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

 

الصفحات | 1 | 2  | 3 | 4  | 5  | 6 | 7 | 8 | 9 |10  | 11 | 12 | 13 | 14| 15 | 16|

  الأولى | العالم هذاالأسبوع | حوارات| منتدىالآراء| إقتصاد| اوراق ثقافية | المرصدالإعلامي | دراسات | الأسرة | الرابطة | مشاركات| منابر الدعوة | الأخيرة |  الإنجليزية 

 

الصفحة الثانية عشرة 

        2

 

خطبة الجمعة من المسجد النبوي

القاسم: شكر الله عز وجل حافظ للنعم الموجودة وجالب للنعم المفقودة

● دعا فضيلة الشيخ عبدالمحسن القاسم إمام وخطيب المسجد النبوي الشريف المسلمين إلى تقوى الله عز وجل حق تقاته وحثهم على شكر الله عز وجل على نعمه العظمى وقدجعل الله سبحانه رضاه في شكره وأخبر سبحانه إنه إنما يعبده من شكره فمن لم يشكره لم يكن من أهل عبادته وفيما يلي نص الخطبة:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد: فاتقوا الله ـ عباد الله ـ حق التقوى، فتقوى الله نورٌ في القلب، وذخرٌ في المنقلَب.

أيها المسلمون، لقد أجزلَ الله على عباده من نعمه العظيمة، وأغدق عليهم من آلائه الجسيمة، يمينه تعالى ملأى لا تغيضها نفقة، سحَّاءَ الليل والنهار، يقسِم الأرزاقَ ويغدِق العطايا، ويرزق من يشاء بغير حساب، يبتلي عبادَه بالنعم كما يبتليهم بالمصائب، {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } (الأنبياء:35)، والله منعمٌ بهذا كلِّه، وفتنةُ السراء أعظم من فتنة الضراء، وصاحبها يحتاج إلى صبر وشكر، والفقر والغنى مطيَّتا الابتلاء والافتتان، والصبر والشكر لازمان للعبد في أمر الربِّ ونهيه، وقضائه وقدره، والتقوى مبنيةٌ عليهما.

وقد قرن سبحانه الشكرَ بالإيمان به فقال: {مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ} (النساء:176)، وأخبر سبحانه أن الشكرَ هو الغاية من خلقه وأمره: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أُمَّهَـاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأبْصَـارَ وَالأفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (النحل:78)، وجعل سبحانه رضاه في شكره: وَ{إِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ } (الزمر:7)، والله خلق الليل والنهار للتفكر والشكر: {وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ الَّليْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً } (الفرقان:62)، وانقسم عبادُه إلى شكور له وكفور به: {إِنَّا هَدَيْنَـاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً } (الإنسان:2)، وأخبر سبحانه أنه إنما يعبده من شكره، فمن لم يشكره لم يكن من أهل عبادته: {وَاشْكُرُواْ للَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} (البقرة:172).

وقد أثنى الله على أوَّل رسولٍ بعثه إلى أهل الأرض بالشكر فقال: {ذُرّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} (الإسراء:3)، وأمر عبدَه موسى أن يتلقَّى ما آتاه من النبوة والرسالة والتكليم بالشكر فقال عز وجل: {يامُوسَى إِنْى اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَـالَـاتِي وَبِكَلَـامِي فَخُذْ مَا ءاتَيْتُكَ وَكُنْ مّنَ الشَّـاكِرِينَ} (الأعراف:144)، وأثنى على خليله إبراهيم بشكر نعمه: {إِنَّ إِبْراهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَـانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِراً لأنْعُمِهِ} (النحل:120، 121)، وأمر الله به داود فقال: {اعْمَلُواْ ءالَ دَاوُودَ شُكْراً } (سبأ: 13)، ودعا سليمان عليه السلام ربَّه أن يكون من الشاكرين: {رَبّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى والِدَىَّ } (الأحقاف:15)، وأمر الله رسوله محمداً بالشكر فقال: {بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مّنَ الشَّـاكِرِينَ} (الزمر:66)، وأمر الله لقمانَ بالشكر فقال: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ للَّهِ} (لقمان:12)، وأوَّلُ وصية وصَّى بها ربُّنا الإنسانَ بالشكر له وللوالدين فقال: {أَنِ اشْكُرْ لِى وَلِوالِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ} (لقمان:14).

وبالشكر أمر الأنبياءُ أقوامَهم، فقال إبراهيم عليه السلام لقومه: {فَابْتَغُواْ عِندَ اللَّهِ الرّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُواْ لَهُ } (العنكبوت:17)، والآيات والعبر والعظات لا يتَّعظ بها إلا الشاكر، قال سبحانه: {كَذلِكَ نُصَرّفُ الآيَـاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ } (الأعراف:58) وأغدق علينا النعمَ لنثني عليه بها، قال جل وعلا: {وَرَزَقَكُم مّنَ الطَّيّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (الأنفال:26)، وهو وصية النبي صلى الله عليه وسلملأصحابه، فقد قال: «يا معاذ، إني أحبُّك، فلا تدعنّ أن تقول دبرَ كلّ صلاة: اللهم أعنِّي على ذكرك وشُكرك وحسن عبادتك» ودعاء العبد ربَّه أن يوافيَ نعمَ الله بالشكر من أفضل الأدعية، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (تأمّلتُ أفضلَ الدعاء، فإذا هو: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك).

وأهل الشكر هم المخصوصون بمنّتِه من بين عباده، وهم الذين لا يتزعزعون عند الفتن، {وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّـاكِرِينَ } (آل عمران:144).

ولما عرف عدوُّ الله إبليس قدرَ مقام الشكر وأنه من أجلِّ العبادات وأعلاها جعل غايتَه السعيَ في قطع الناس عنه فقال: {ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـاكِرِينَ} (الأعراف:17).

ونبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم أشكرُ الخلق لربّه، خرج من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير، وربط على بطنه الحجرَ من الجوع، وغُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، ويقوم من الليل حتى تتفطَّر قدماه، ويقول: (أفلا أكون عبداً شكورا؟!) وداود عليه السلام كان ينام نصفَ الليل ويقوم ثلثَه وينام سدسَه، ويصوم يوماً ويفطر يوماً، والله عز وجل يقول له: {اعْمَلُواْ ءالَ دَاوُودَ شُكْراً } (سبأ:12).

والشكر أمنةٌ من العذاب، قال عز وجل: {مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ} (النساء:147)، ونجَّى الله لوطاً عليه السلام من العذاب بالشكر: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَـاصِباً إِلاَّ ءالَ لُوطٍ نَّجَّيْنَـاهُم بِسَحَرٍ نّعْمَةً مّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ } (القمر:34، 35).

ولما تنكَّر قومُ سبأ لنعم الله وجحدوها وقابلوها بالعصيان سلبها الله منهم، وأذاقهم ألواناً من العذاب، {فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَـاهُمْ بِجَنَّـاتِهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَىْء مّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَـاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نُجْزِى إِلاَّ الْكَفُورَ } (سبأ:16، 17) وأصحاب الجنة في سورة القلم قابلوا نعمةَ الله بالنكران وحرمان المساكين، فطاف على ثمرهم طائف، فأصبحت زروعهم هباءً منثورا كالليل البهيم، يقول الفضيل بن عياض رحمه الله: "عليكم بملازمة الشكر على النعم، فقلَّ نعمةٌ زالت عن قوم فعادت إليهم". والشاكرون لنعم الله قِلّة في الخلق، قال تعالى: {وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ} (سبأ:12).

وكلُّ نعمة لا تقرِّب من الله فهى نقمة، والشكر هو الحافظ للنعم الموجودة، والجالبُ للنعم المفقودة، يقول علي بن أبي طالب رضى الله عنه: (النعمة موصولةٌ بالشكر، والشكر يتعلّق بالمزيد، ولا ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر) والعبد إذا كانت له عند الله منزلة فحفظها وبقي عليها ثم شكر الله على ما أعطاه آتاه الله أشرفَ منها، وإذا ضيَّع الشكرَ استدرجه الله، يقول الحسن رحمه الله: "إن الله يمتِّع بالنعمة ما شاء، فإذا لم يشكر عليها قلبها عذاباً" وإذا رأيت ربَّك يوالي عليك نعمَه وأنتَ تعصيه فاحذره، قال سبحانه: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} (القلم:44)، قال سفيان رحمه الله: "يُسبغ عليهم النعم ويمنعهم الشكر".

ومن رُزق الشكرَ رُزق الزيادة، {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ} (إبراهيم:7) يقول أبو قلابة: "لا تضرّكم دنيًا شكرتموها" وقد ذمَّ سبحانه الكنودَ من عباده وهو الذي لا يشكر نعمه فقال سبحانه: {إِنَّ الإِنسَـانَ لِرَبّهِ لَكَنُودٌ} (العاديات:6).

أيها المسلمون، بشكر الله وطاعته تتفتَّح للعبد أبوابُ الدنيا والآخرة، قال عز وجل: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءامَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـاتٍ مّنَ السَّمَاء وَالأرْضِ} (الأعراف:96).

وشُكر الله يكون بالقلب واللسان والجوارح.

فيكون بالقلب بنسبة النعم إلى بارئها، قال جل وعلا: {وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} (النحل:53).

ويكون باللسان بالإكثار من الحمد لمُسديها، يقول عليه الصلاة والسلام: «الحمد لله تملأ الميزان» رواه مسلم، فالحمد رأسُ الشكر وأوَّله، وهو أول آية في كتاب الله المجيد: {الْحَمْدُ للَّهِ رَبّ الْعَـالَمِينَ} (الفاتحة:1)، وقد أمر الله نبيَّه محمداً أن يحدِّث بنعم الله فقال سبحانه: {أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبّكَ فَحَدّثْ } (الضحى:11).

والشكرُ بالجوارح يكون بالاستعانة بها على مرضاة الله، ومنع استخدامها في مساخطه وعصيانه، ولذا فشكرُ العين أن لا يبصرَ بها ما حرّم الله، ولا يطلق بصرَه على حرمات الله، وشكرُ اللسان أن لا يتحدَّث به إلا حقاً، ولا ينطقَ به إلا صدقاً، وشكرُ الأذنين أن لا يستمع بهما إلى غيبة وبهتان ومحرَّم.

وقد أمر الله بشكر الوالدين بقوله: {أَنِ اشْكُرْ لِى وَلِوالِدَيْكَ } (لقمان:14)، ومن شكرهما برّهُما والإحسان إليهما والدعاءُ لهما، والتودّد والتلطف لرضاهما، وخفضُ جناح الذلّ لهما، ومن العصيان عقوقهما والتأفّفُ والتنكّر لأوامرهما، والتثاقل عن طاعتهما. وأسعدُ الناس من جعل النعمَ وسائلَ إلى الله والدار الآخرة، وأشقاهم من توّصل بنعمه إلى هواه ونيل ملذاته.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} (البقرة:243).

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليماً مزيداً.

أما بعد: أيها المسلمون، ربُّنا متصفٌ بالشكر، وأحبُّ خلقه إليه من اتَّصف بصفة الشكر، كما أن أبغضَ خلقه إليه من عطّلها واتَّصف بصدّها، فهو سبحانه شكور يحبّ الشاكرين. ومِن شكر الله شكرُ من أسدى إليك معروفاً من خلقه، يقول عليه الصلاة والسلام: «لا يشكر اللهَ من لا يشكر الناس» رواه أحمد.

وإذا أسديتَ إلى أحدٍ معروفاً فلا تترقَّبْ منه شكرا، وابتغ الثوابَ من الله، وكن قنوعاً بما رزقك الله تكنْ أشكرَ الناس، وأكثرْ من حمد الله والثناء عليه، فتلك عبادةٌ من أجلِّ العبادات، يقول عليه الصلاة والسلام: «الطاعمُ الشاكر مثل الصائم الصابر» رواه البخاري.

ومن لم يشكرِ القليل لم يشكرِ الكثير، وكان أبو المغيرة إذا قيل له: كيف أصبحت؟ قال: "أصبحنا مغرَقين بالنعم، عاجزين عن الشكر"، {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} (إبراهيم:34)، وما من الناس إلا مبتلىً بعافية ليُنظر كيف شكرُه، أو ببليةٍ ليُنظرَ كيف صبره، فعليكم ـ عباد الله ـ بالجمع بين الصبر والشكر مع التقوى تكونوا أعبدَ الناس.

ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيه فقال في محكم التنزيل: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَـائِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً } (الأحزاب:56).

اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا محمد، وارض اللهم على خلفائه الراشدين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون...

 

الصفحات | 1 | 2  | 3 | 4  | 5  | 6 | 7 | 8 | 9 |10  | 11 | 12 | 13 | 14| 15 | 16|

  الأولى | العالم هذاالأسبوع | حوارات| منتدىالآراء| إقتصاد| اوراق ثقافية | المرصدالإعلامي | دراسات | الأسرة | الرابطة | مشاركات| منابر الدعوة | الأخيرة |  الإنجليزية 

 

الصفحة الثانية عشرة 

        3

 

فتاوى

فتاوى منتقاة لسماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله

صلاة المسافر

> 1 - إذا كنت مسافراً ومكثت في البلد الذي سافرت اليه عدة أيام ثلاثة أو أربعة أو أقل أو أكثر، ودخلت المسجد وقت الظهر وصليت مع الجماعة صلاة الظهر أربع ركعات ثم قمت لوحدي وصليت العصر قصراً.. هل عملي هذا جائز؟ وهل يجوز لي الصلاة جمعاً وقصراً لوحدي في المنزل وأنا في وسط بلد به مساجد كثيرة واسمع الأذان بحجة انني مسافر؟

2 - إذا كنت مسافراً في رمضان وكنت مفطراً في سفري وعند وصولي إلى البلد الذي سوف أمكث فيه عدة أيام أمسكت بالصيام في بقية ذلك اليوم وفي الأيام التالية فهل لي رخصة بالافطار في نهار هذه الأيام وأنا في بلد ليس بلدي الأصلي أم لا؟

3 - إذا أقيمت الصلاة وفي اثناء الصلاة نسيت قراءة الفاتحة في ركعة أو ركعتين وأنا مأموم فهل صلاتي هذه صحيحة أم لا؟ وهل لابد من قراءتي لفاتحة الكتاب أم لا؟ وما هى الطريقة التي أعملها في هذه الحالة؟

>> 1 - إذا عزم المسافر على الإقامة في بلد أكثر من أربعة أيام وجب عليه الاتمام عند جمهور أهل العلم، أما ان كانت الاقامة أقل من ذاك فالقصر أفضل وان اتم فلا حرج عليه وإن كان واحدا فليس له أن يقصر وحده بل يجب أن يصلي مع الجماعة ويتم.. للأحاديث الدالة على وجوب الجماعة لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في مسند أحمد وصحيح مسلم من حديث ابن عباس رضى الله عنهما أن السنة للمسافر إذا صلى مع الإمام المقيم فانه يصلي اربعا ولعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه» متفق عليه.

2 - إذا مر المسافر ببلد غير بلده وهو مفطر فليس عليه أن يمسك إذا كانت اقامته فيها أربعة أيام فأقل أما ان كان قد عزم على الاقامة فيها أكثر من أربعة أيام فإنه يتم ذلك اليوم الذي قدم فيه ويقضيه ويلزمه الصوم في بقية الأيام لأنه بنيته المذكورة صار في حكم المقيمين لا في حكم المسافرين كما تقدم في جواب السؤال الأول.. والله ولي التوفيق.

3 - إذا نسى المأموم قراءة الفاتحة أو جهل وجوبها عليه أو أدرك الإمام راكعاً فإنه في هذه الأحوال تجزئه الركعة وتصح صلاته ولا يلزمه قضاء الركعة لكونه معذوراً بالجهل والنسيان وعدم ادراك القيام وهو قول أكثر أهل العلم لما روى البخارى في صحيحه عن أبي بكرة الثقفي أنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الصلوات راكعاً فركع دون الصف ثم دخل في الصف فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «زادك الله حرصاً ولا تعد».. فلم يأمره بقضاء الركعة وإنما نهاه عن العود إلى الركوع دون الصف.. والله ولي التوفيق.

الحلف بالنبي

> اعتاد بعض الناس الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصبح الأمر عاديا عندهم ولا يعتقدون ذلك اعتقاداً فما حكم ذلك؟

>> الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من المخلوقات منكر عظيم ومن المحرمات الشركية ولا يجوز لأحد الحلف إلا بالله وحده وقد حكى الإمام بن عبدالبر - رحمه الله - الإجماع على أنه لايجوز الحلف بغير الله وقد صحت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن ذلك وأنه من الشرك كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال «إن الله ينهاكم ان تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت». وفي لفظ اخر فليحلف بالله أو ليسكت.

وخرج ابو داود والترمذي بإسناد صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال من حلف بالأمانة فليس منا والأحاديث في هذا الباب كثيرة معلومة والواجب على جميع المسلمين ألا يحلفوا إلا بالله وحده ولا يجوز لأحد ان يحلف بغير الله كائناً من كان للأحاديث المذكورة وغيرها ويجب على من اعتاد ذلك أن يحذره وأن ينهي أهله وجلساءه وغيرهم عن ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان».

والحلف بغير الله من الشرك الأصغر للحديث السابق وقد يكون شركاً أكبر إذا قام بقلب الحالف أن هذا المحلوف به يستحق التعظيم كما يستحقه الله أو أنه يجوز أن يعبد مع الله ونحو ذلك من المقاصد الكفرية.. نسأل الله ان يمن على المسلمين جميعا بالعافية من ذلك وان يمنحهم الفقه في دينه والسلامة من أسباب غضبه انه سميع قريب.

وضع الحناء على الرأس

> امرأة توضأت ثم وضعت الحناء فوق رأسها (حنت شعر رأسها) وقامت لصلاتها، هل تصح صلاتها أم لا؟

وإذا انتقض وضوؤها فهل تمسح فوق الحناء او تغسل شعرها ثم تتوضأ الوضوء الأصغر للصلاة؟

>> وضع الحناء على الرأس لا ينقض الطهارة إذا كانت قد فرغت منها..

وإذا توضأت وعلى رأسها حناء أو نحوه من الضمادات التي تحتاجها المرأة فلا بأس بالمسح عليه في الطهارة الصغرى أما الطهارة الكبرى فلابد أن تفيض عليه الماء ثلاث مرات ولا يكفي المسح لما ثبت في صحيح مسلم عن أم سلمة رضى الله عنها انها قالت: يارسول الله إني أشد شعر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة والحيض قال: لا انما يكفيك ان تحثي عليه ثلاث حثيات ثم تفيضين عليه الماء فتطهرين.. وان نقضته في الحيض وغسلته كان أفضل لأحاديث أخرى وردت في ذلك والله ولي التوفيق.

 

 

الصفحات | 1 | 2  | 3 | 4  | 5  | 6 | 7 | 8 | 9 |10  | 11 | 12 | 13 | 14| 15 | 16|

  الأولى | العالم هذاالأسبوع | حوارات| منتدىالآراء| إقتصاد| اوراق ثقافية | المرصدالإعلامي | دراسات | الأسرة | الرابطة | مشاركات| منابر الدعوة | الأخيرة |  الإنجليزية