مساحة حرّة

مؤتمر اسطنبول في الاتجاه الصحيح

ياسر الزعاترة

كثيرة هى الأسباب التي دفعت وتدفع حكومة حزب العدالة والتنمية في أنقرة إلى مواصلة المساعي السياسية للحيلولة دون الحرب على العراق، سواءً أكانت أسباباً تتعلق بذات الحرب أم بمصالح البلاد. فعلى الصعيد الأول يمكن القول إن مصداقية الحزب المعروف التوجهات ستكون في وضع حرج، ليس لأن المعتدى عليه هو بلد عربي إسلامي، بل لأن الشارع التركي في معظمه يعارض الحرب، وهى معارضة لها أسبابها المبدئية، كما لها أسبابها المصلحية، ذلك أن أحداً لا يمكنه الحديث عن مكاسب تركية معقولة من الحرب، فيما بالإمكان تعداد أكثر من خسارة محتملة منها، سواءً على صعيد الاقتصاد أم الوضع السيادي في حال نشوء كيان كردي في شمال العراق.

صحيح أن الجيش في تركيا لابد أن يدفع في اتجاه تنفيذ المطالب الأمريكية، بيد أن ذلك يحدث بسبب الاضطرار أكثر من أي شيء آخر، وهو ما ينسحب على حكومة العدالة التي تفعل ذلك خضوعاً للجيش بالدرجة الأولى، وربما رداً لجميل واشنطن على موقفها الإيجابي من فوز الحزب، ودفعها باتجاه قبول تركيا عضواً في الاتحاد الأوروبي.

كل ذلك لا ينبغي أن يصرف الانتباه عن تقدير الموقف التركي بقيادة العدالة والتنمية، ذلك أن جولة (غول) وفكرة عقد المؤتمر الإقليمي قد ساهمت إلى جانب الظروف الدولية المؤاتية ممثلة في تصاعد موجة المناهضة للحرب، في رفع سقف التحرك العربي الذي بدا في حالة مؤسفة من الخوف والعجز خلال الشهور الأخيرة.

لا شك أن تجاهل مطلب الرحيل الطوعي للرئيس العراقي كان مدخلاً مهماً لإنجاح مؤتمر اسطنبول السداسي، وقبل ذلك التئامه، فالمطلب المذكور لم يكن وارد التحقق، ولما كان كذلك، فإن طرحه كان سيضيف إلى رصيد الولايات المتحدة وخيارها بشن الحرب. أما الأهم من ذلك فهو خطورة ذلك الطرح على المحيط العربي الذي تبدو معالم خوفه مما بعد ضرب العراق أكثر من خوفه على العراق أو نظامه. والحال أن تنصيب نظام أمريكي في بغداد سيكون مصيبة على الوضع العربي في الحالتين، بيد أن تنصيبه سلمياً سيكون أسوأ، لأن الحرب قد تخلق معارضة دولية، ومناكفة مع الولايات المتحدة تصعب عليها المهمات التالية ممثلة في استهداف بعض الدول العربية الكبيرة فضلاً عن إيران، أما الانتصار السلمي، فسيعني حصد الأرباح من دون الخسائر المادية والسياسية.

كثيرة هى الملاحظات التي يمكن إيرادها على مؤتمر اسطنبول وبيانه الختامي، بيد عنصر النجاح يتبدا من كونه أضاف دفعة جديدة إلى معسكر مناهضة الحرب من جهة، إضافة إلى حضه العراق على المزيد من التعاون مع لجان التفتيش لنزع ذريعة الحرب من الولايات المتحدة، وهو أمر يتوقع أن يؤثر في القرار العراقي، لا سيما بعد تجاوز قصة رحيل الرئيس.

في ضوء ذلك يمكن القول إن جملة التطورات التي جرت خلال الأسابيع الأخيرة، ومنها مؤتمر اسطنبول، قد أخذت تضع الرئيس الأمريكي وصقوره أمام خيارين: إما الخضوع للإرادة الدولية وإفساح المجال أمام الحل السلمي، أو شن الحرب على انفراد وإدارة الظهر للعالم أجمع، دولاً وشعوباً.