العدد 1779- الجمعة 28 ذوالقعدة 1423هـ  إسلامية-أسبوعية- جامعة NO 1779 FRIDAY  28 Dhu Al-Qa'dah 1423H 31 Jan 2003

 

 

الصفحة الحادية عشرة 

        1

 

علماء ومفكرون إسلاميون لـ«العالم الإسلامي»

إحياء دور الوقف في الدول الإسلامية ضرورة اقتصادية واجتماعية

د. محمد عبدالحليم دور فعّال للوقف في بناء الحضارة الإسلامية

د. الفنجري نشاط الوقف يمتد إلى جميع المجالات

● أكد علماء الإسلام ومفكروه أن الوقف في الإسلام من أهم المؤسسات التي لها دور فعال في الحضارة الإسلامية بكافة جوانبها الدينية والاقتصادية والاجتماعية، لأنه المصدر الرئيسي لتوفير التمويل اللازم لبناء المساجد وعمارتها، وإقامة الصلوات التي تعتبر عماد الدين، إضافة إلى وقف الكتب، وإقامة المكتبات، وإقامة حلقات التعليم في المساجد.

وأوضحوا أن إيقاف الأموال على نشر التعليم فتح مجالاً للشباب أن يرتقوا في السلم الاجتماعي، وفي التأثير والنفوذ حتى لو كانت أصولهم الاقتصادية والاجتماعية ضعيفة لما تتيحه لهم أموال الوقف المخصصة للتعليم.

وقالوا إن الوقف استطاع أن يحفظ الهوية المتميزة للمجتمع الإسلامي، فأمسك على المجتمع كيانه من الداخل والخارج في مواجهة غارات العدوان والدمار.

وفي التحقيق التالي نتعرف على المزيد من آرائهم:

بداية يجزم المفكر الإسلامي والخبير الاقتصادي الدكتور محمد عبدالحليم عمر مدير مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي أن الوقف اسلوب إسلامي يدخل في إطار الصدقات الجارية التي حض عليها الإسلام لتوفير مصدر ثابت ومستمر لتمويل الحاجات العامة، ورعاية الطبقات الفقيرة، وان الوقف قام بدور بارز في عصر ازدهار الدول الإسلامية ومازالت الأوقاف القائمة الآن من آثار هذه الفترة، إلا انه في العصر الحاضر قلت موارد الوقف في صورة إضافات جديدة رغم شدة الحاجة إلى ذلك نظرا لزيادة الفقر وعجز الموارد المالية العامة عن تلبية احتياجات الطبقات الفقيرة في المجتمع، إضافة إلى ما تفرضه العولمة من تقليص لدور الدولة الاقتصادي حتى في عملية إنشاء وإدارة المرافق العامة، وهو ما ترتب عليه إبراز أهمية دور المنظمات غير الحكومية التي تقوم على المشاركة الشعبية في الخدمات العامة.

أهمية الوقف

ويضيف د. عبدالحليم عمر قائلا: لقد نظمت الشريعة الإسلامية الوقف وفق أحكام محددة يجب الالتزام بها، وهذا يتطلب التعرف على هذه الأحكام باعتبارها الأساس الذي يجب أخذه في الاعتبار عند طرح أي مقترح لإنشاء وإدارة الوقف، ومن جانب آخر فإنه يحبذ التعرف على أهمية الوقف والدور الاقتصادي والاجتماعي الذي يقوم به باعتبار أن ذلك يمثل مبررا أساسياً لإعادة إحياء الوقف.

ويقف وراء أهمية الوقف دوافع دينية وانجازات حضارية ساهمت في ازدهار الدولة الإسلامية ومازال هذا الدور مطلوباً من الوقف في الوقت المعاصر، وذلك لتعدد الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحث على الإنفاق في سبيل الله بوجه عام، وحددت الشريعة عدة صور لهذا الإنفاق منها الزكاة والصدقات التطوعية بشكل عام ومنها الصدقات الجارية والتي عمادها الوقف، ومن حكمة الله عز وجل انه جعل الصدقات الجارية امتدادا لعمل الإنسان الخيري وزيادة حسناته بعد وفاته وانقطاع عمله، والى جانب ذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم في سنته الشريفة وتعليماً للمسلمين قام بأول وقف في الإسلام وتبعه في ذلك الصحابة حتى جاء فيها «ما بقي أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم له مقدرة إلا وقف».

وإذا كان المسلم حريصاً على طاعة الله ورسوله ويرجو الثواب في الدنيا والآخرة، فان الله سبحانه فتح أمامه أبواب الخير العديدة ومنها الوقف، إضافة إلى أن الوقف في الإسلام من أهم المؤسسات التي كان لها دور فعال في الحضارة الإسلامية لكافة جوانبها الدينية والاقتصادية والاجتماعية منها الوقف وحراسة الدين، وتعتبر حراسة الدين أحد شطري واجبات الحكومة في الإسلام والشطر الآخر سياسة الدنيا، ومن أهم آليات حراسة الدين بناء المساجد وعمارتها لإقامة الصلوات التي تعتبر عماد الدين، وكان الوقف ومايزال المصدر الرئيسي لتوفير التمويل اللازم لذلك، هذا إلى جانب أن وقف الكتب وإقامة المكتبات وإقامة حلقات التعليم في المساجد تعمل في مجال حراسة الدين كما تعمل في مجال التنمية البشرية.

ويلعب الوقف دوراً في مكافحة فقر الدخل والذي ينصرف إلى «عدم كفاية الموارد الذاتية لتأمين الحد الأدنى لمستوى المعيشة المناسب اجتماعياً»، وهذه هي المهمة الأساسية للوقف على الفقراء والمساكين لتوفير مصدر دخل ثابت مستمر لهم، ويمكن القول ان الوقف على مدار التاريخ الإسلامي مازال يؤدي هذا الدور بنجاح، وكذلك مكافحة فقر القرة، والذي ينصرف إلى تدني مستوى قدرات الإنسان إلى حد يمنعه من المشاركة في عملية التنمية وفي جني ثمارها، ذلك أن الدولة بما تقدمه من خدمات عامة خاصة بالتنمية البشرية والحضارية من خلال مرافق التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية توفر هذه الخدمات مجاناً للفقراء، والذين تعجز مواردهم الذاتية عن شرائها بأسعار السوق، وفي نفس الوقت فإن حصولهم على هذه الخدمات يعمل على تمكنهم من الإسهام في التنمية الشاملة للمجتمع، ولكن في كثير من الأحيان لا تكفي موارد الدولة العامة لإقامة وتشغيل هذه المرافق بشكل يمكن جميع أفراد المجتمع من الاستفادة بها خاصة في المناطق الريفية والحضرية الفقيرة، وهنا يأتي دور الوقف الذي يمثل مشاركة شعبية في التنمية بإقامة وتشغيل هذه المرافق لخدمة المناطق المحرومة، ويمكن القول بدون مبالغة أن الوقف قام بهذا الدور كاملاً في تاريخ الدولة الإسلامية في إنشاء المدارس والمستشفيات والطرق والجسور، ومصادر المياه الصالحة للشرب، وغيرها من مؤسسات التنمية الاجتماعية والحضارية، وظهر للوقف قديماً دور في النشاط الزراعي بوقف الأراضي الزراعية واستغلالها لحساب مستحقي الوقف، ولقد توسع هذا الدور الاقتصادي للوقف في الوقت الحاضر ويظهر ذلك فيما تقوم به وزارة الأوقاف بمصر من استثمار الوقف في المساهمة في إنشاء البنوك، وتأسيس الشركات المختلفة وشراء الأسهم والسندات.

ومما يبرز أهمية الوقف أن بعض الدول غير الإسلامية والمتقدمة منها مثل الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا ينتشر الوقف بها رغم انه ليس وراء ذلك دافع ديني إسلامي، ورغم كثرة المبتكرات لديهم من أساليب تمويل الخدمات الاجتماعية إلا أنهم أخذوا صيغة الوقف كما جاء بها الإسلام وطبقوها في مجالات عديدة مثل المستشفيات والجامعات، ومواجهة الكوارث وتقديم الإعانات للفقراء، كل ذلك يؤكد لنا أن مؤسسة الوقف ليست عملاً تراثياً من الماضي ولم يعد له حاجة في الوقت الحاضر، بل على العكس أن هذا الدور مطلوب بشدة الآن وله ما يبرره ويجب العمل على إحيائه بكل السبل.

أصول ضعيفة

ويضيف المفكر الإسلامي الدكتور محمد بن أحمد الصالح أستاذ الفقه بكلية الشريعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية قائلاً: إن إيقاف الأموال على نشر التعليم فتح مجالاً للشباب أن يرتقوا ويتميزوا في السلم الاجتماعي وفي التأثير والنفوذ حتى لو كانت أصولهم الاقتصادية والاجتماعية ضعيفة نتيجة لما تتيحه لهم أموال الوقف المخصصة للتعليم من مجالات.. فالتعليم الجيد الذي قد يحمله شخص موهوب قد ينقله ليس لأن يتسلم مرتبة الإفتاء والقضاء فحسب، بل لأن يتمرس في العمل الإداري، وتيسير امور الدولة أو أي مهنة متخصصة كالطب أو الإدارة أو غيرها، والتي قد لا تتاح له لولا أن أموالاً موقوفة قد ساعدته على هذا الارتقاء وسهلت له سبيل التعليم والانتقال والارتقاء.

لقد أدت الطبقة المتعلمة دوراً رئيسياً في انتقال المعرفة والمعلومات الانسانية والعلمية والأخلاقية والقيم الدينية بأن نقلوها لمختلف أبناء الأمة الإسلامية، وأتيح لكل فرد من أفراد المجتمع الإسلامي الفرصة على أن يكون عضواً فعالاً في هذه الفئة التي اتصفت بالعلم والمعرفة، كما أن العلماء بالرغم من كونهم مستقلين عن الإدارة والتأثير السياسي إلا انهم المصدر الرئيسي الذي رفد الجهاز الإداري بكل احتياجاته، كما كانت المدارس والمساجد المصدر لتنمية وإمداد الأجهزة والدواوين الحكومية بما تحتاجه من قوى بشرية مؤهلة، وفي الوقت نفسه نجد بأن الكثيرين من المعلمين والفقهاء الذين اعتمدوا في تعلمهم ومعاشهم الحياتي على أموال أمدتهم بها الأوقاف قد اندمجوا كذلك في الأعمال الاقتصادية والنشاطات التجارية الفردية، فاشتغل العلماء والفقهاء وطلبة العلم في السوق وكان وجودهم واضحاً في ساحة النشاط الاقتصادي للمجتمع الإسلامي، أن عملوا تجارا وكتبة ومحاسبين وصيارفة، وفي غير ذلك من المهن التي تواجدت في المجتمع وكان العديد من العلماء يقسمون نشاطهم اليومي بين التجارة والتعليم، فيشتغلون بعض الوقت تجارا في السوق، وفي البعض الآخر منه إما أن يكونوا طلبة متعلمين أو أنهم يقوموا هم بالتدريس لغيرهم من الأفراد عندما يبلغون درجة من العلم تؤهلهم لذلك.

كما وقف المسلمون دوراً وأرضاً لصالح علاج المرضى من المسلمين، كما أوقفوا الوقوف الواسعة على إنشاء المستشفيات، وعضدت أوقافهم مهنة الطب والتمريض والصيدلة والعلوم المتعلقة بالطب ومعالجة البشر والحيوانات، ومن الشواهد التاريخية على ذلك، تلك الأوقاف التي رصدت للبيمارستان المنصوري الذي أنشيء سنة 682 ه لعلاج الملك والملوك والكبير والصغير والحر والعبد، والذي وصفه ابن بطوط بأنه يعجز الواصف عن محاسنه كان مقسماً إلى أربعة أقسام، قسم للحميات والرمد والجراحة وآخر للنساء، وخصص لكل مريض فرش كامل، وعين له الأطباء والصيادلة والخدم، كما زود بمطبخ كبير، وكان المريض إذا ما برىء وخرج تلقى منحة وكسوة، وقدرت الحالات التي يعالجها المستشفى في اليوم الواحد بعدة آلاف، وألحقت به مدرسة للطب يجلس فيها رئيس الأطباء لإلقاء درس طب ينتفع به الطلبة.

والوثيقة التاريخية التي ترجع الى عهد المماليك بمصر تبين بجلاء تلك النماذج المشرفة لأوقاف المسلمين فتقول هذه الوثيقة وهي بحجة مستشفى قلاوون: أنشيء هذا البيمارستان لمداواة مرضى المسلمين الرجال والنساء من الأغنياء الموثرين والفقراء المحتاجين بدمشق وبغداد والقاهرة وقرطبة من المقيمين بها والواردين عليهاعلى اختلاف أجناسهم وتباين أمراضهم، وأوصالهم يدخلونهم جموعا ووحدانا، وشيباً وشباباً، ويقيم به المرضى الفقراء من الرجال والنساء لمداواتهم لحين برئهم وشفائهم، ويصرف ما هو معد فيه للمداواة، ويفرق على البعيد والقريب والأهل والغريب من غير اشتراط لعوض من الأعواض، ويصرف الناظر من ريع هذا الوقف ما تدعو حاجة المرضى إليه.

وكانت الأوقاف تملي على المجتمع كيانه من الداخل فلا تكتسحه غارات العدوان والدمار، وكانوا يرصدون الأوقاف لحراسة الحدود والدفاع عن ديار المسلمين، وفي العصر الحديث بعد أن سيطر العدو على بلاد المسلمين حاول العدو السيطرة على الوقف ومصارفه، وكان للمؤسسات الوقفية أكبر الأثر في الوقف أمام العدو في البلاد الإسلامية المختلفة، فكان للعلماء والمساجد والمعاهد أكبر الأثر في مقاومة أعداء دين الله، وأبقت الإسلام جذوة متقدة، وفي الحفاظ على قيمة واستمرار الاعتزاز به، رغم تعرض العلماء إلى الإيذاء والنفي والطرد.

ويشير المفكر الإسلامي الدكتور شوقي الفنجري عضو مجمع البحوث الإسلامية إلى بعض المجالات التي امتد إليها الوقف خلال القرون الماضية، ومنها المكتبات العامة ورعاية المخطوطات وإقامة البيمارستانات للعلاج ورصف الطرق وصيانتها وتجهيز العرائس الفقيرات بالحلي، ورعاية النساء الغاضبات من أزواجهن وتطييب الحيوانات والطيور والحدائق المخصصة ثمارها لعابر السبيل ومؤسسة نقطة الحليب لإمداد المرضعات بالحليب والسكر وإقامة أسواق التجارة ووكالاتها بالمدن وعلى طرق التجارة، وإقامة مؤسسات الصناعة مثل السجاد والعطور والقناديل والورق والمنتجات الخشبية والزجاجية والملابس، وإقامة الأفران للخبز والحمامات العامة للنظافة والعبارات لنقل الناس عبر الأنهار والترع وتسليف المحتاجين بدون عوض، وإقامة الأرحية العامة لطحن الحبوب بالمجان وإنشاء القناطر والجسور على الأنهار والترع، وإقامة الخانات التي ينزل فيها المسافرون.

وهو ما يشير إلى اتساع مجالات الوقف، والتي يمكن أن تخفف العبء عن ميزانية الدولة التي يصل العجز التقديري بموازنة العام الحالي بها إلى أكثر من 30 مليار جنيه، كما يمكن أن يمتد نشاط الوقف إلى كل المجالات التي يحتاجها المجتمع مثل البحث العلمي والتدريب والترجمة والإذاعات والصحف المتخصصة والأقمار الصناعية، ومحو الأمية واستصلاح الأراضي والبطالة.

وتؤكد الدكتورة نعمت مشهور أستاذ الاقتصاد المساعد بجامعة الأزهر أن الوقف الإسلامي يعتبر من المصابيح التي استضاء بها المجتمع الإسلامي خلال فترة نهضته وازدهاره، انعكس عليه ما تعرض له وجود هذا المجتمع من حرب ضروس للقضاء على تميزه، ومحاولة استعادته، وان الداعين إلى العودة لتفوق المجتمع الإسلامي يعكفون على دراسة المعالم الشرعية المتميزة لمجتمعهم المنشود، ومن أهمها الوقف شرعا وتطبيقاً للوقوف على مدى إمكانية استعادتها لأدائها المتميز في عالمنا المعاصر، ولن يتحقق هذا الاقتناع إلا بالتعرف على مدى المنافع الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على هذه المؤسسات الإسلامية الأهلية، بل انه في رأينا المتواضع، أن هذه القاعدة المنفعية هي المفتاح إلى تبني تطبيق هذه المؤسسات الإلزامية والتطوعية في عالمنا المادي، من أهل الإسلام، بل ومن غيره، ليكن ذلك باستلهام روحها وجوهر عملها بعيداً عن المسميات.

ان دراستنا للوقف الإسلامي كأحد الأدوات التطوعية لتأكيد الهوية الإسلامية، وتحقيق المقاصد الشرعية، تؤكد انه خير تعبير عن أن الإسلام نية وموقف ومسؤولية، فهو يقف تعبيرا عن صدق عقيدة المسلم وإيمانه باستخلاف الحق له سبحانه لما بين يديه من ثروة عقارية ومنقولة، وهو تعبير عن إيمانه بإيجابية وفعالية تنازله عن شطر من أمواله في سبيل تحقيق أوجه البر والخير، وهو في سبيل ذلك يتحمل مسؤولية ان تحدد وثيقة حجته الوقفية أحكام الوقف وأركانه جميعا، بصورة مفصلة وواضحة، تضمن استمرار أدائه لرسالته، حتى يكون من أعماله التي لا تنقطع بانقضاء حياته في الدنيا.

لقد استطاع الوقف على مر العصور أن يحفظ الهوية المتميزة للمجتمع الذي يعتنق الدين الإسلامي فأمسك على المجتمع كيانه من الداخل فلا ينهار، وامسك على المجتمع كيانه من الخارج في مواجهة غارات العدوان والدمار، ان انهيار الامبراطورية العثمانية، وتكالب الدول التي كانت تعيش عصور الظلام في العصور الوسطى على اقتسام تركة الرجل المريض وما تحويه من نفائس عصور الإيمان، وتعرض المجتمعات الإسلامية لهجمات شرسة، استخدمت كل الوسائل والسبل لحصول كل منها على النصيب الأوفر من هذه التركة القيمة، فحاولت موجات الاستعمار الغربي، على اختلاف مسمياتها أن تضغط على المسلمين عن طريق السيطرة على الوقف ومصارفه، فكان الوقف أحد العوامل الرئيسية في مواجهتها من خلال المدارس الوقفية، بعلمائها ومدرسيها وطلبتها التي لعبت دوراً حيوياً في المحافظة على جذوة الإسلام متقدة، وفي الحفاظ على قيمة واستمرار الاعتزاز به في مختلف البلدان والأمصار، من القارة الآسيوية في اندونيسيا وماليزيا والفلبين والهند الى بلاد المغرب العربي في المغرب وموريتانيا والجزائر وتونس، كما لعبت الأوقاف، ومازالت تلعب دوراً هاماً في مقاومة الاحتلال الصهيوني ومساعيه في فلسطين، أما في مصر فقد أمدتهم الأوقاف، وبالذات ما خصص منها للأزهر، كان المعين الوحيد للمحافظة على مستويات الدراسة فيه، وفي باقي المعاهد الدينية والعلمية.

أما في مجال التنمية الاجتماعية، فقد كان للوقف أثره في تنمية الحياة الدينية والدعوة، حيث كان ومازال المصدر الأول والرئيسي في بناء المساجد وأماكن العبادة، في كل بقعة من ديار الإسلام، والسبيل إلى تقوية الشعور الديني، حيث اقترن دخول الإسلام إلى معظم البلاد بالإيقاف على المساجد بها، وتظهر أهمية الوقف في هذا المجال من أن المسجد هو مركز إشعاع أساسي للقيم والمبادىء الإسلامية، وهو المدرسة التي يتم من خلالها تنمية الحياة الثقافية والتعليمية وإعداد الدعاة، وهو ملتقى المسلمين في أعيادهم ومناسباتهم الدينية والاجتماعية، وهو مفزعهم حين تعرضهم للكوارث والأزمات، بل ان المسجد هو مركز انطلاقهم في حالة الاستنفار والاستعداد للجهاد والتصدي لمقاومة العدوان على الديار والمقدسات.

 

الصفحات | 1 | 2  | 3 | 4  | 5  | 6 | 7 | 8 | 9 |10  | 11 | 12 | 13 | 14| 15 | 16|

  الأولى | العالم هذاالأسبوع | حوارات| منتدىالآراء| اقتصاد| أوراق ثقافية | متابعات | طب | قضايا | الرابطة | تحقيقات | منابر الدعوة | الأخيرة |  الإنجليزية 

 

 

 

الصفحة الحادية عشرة 

        2

 

تعريف الوقف

● يقال وقفت كذا، بدون ألف على اللغة الفصحى، ولا يقال أوقفت إلا في شاذ اللغة، وهو بمعنى الحبس والمنع. ويقال: أوقفت كذا ـ أي حبسته ومنعته. قال في المصباح المنير: «وحبسته بمعنى وقفته، فهو حبيس والجمع حبس» وفي لسان العرب، يقال: «حبست أحبس حبساً وأحبست أحبس أحباساً ـ أي وقفت. والاسم الحُبيس بالضم. وكان الوقف أول عهده يسمى صدقة وحبساً وحبيساً».

ثم حدث اسم الوقف وفشا، ولا تزال الأوقاف إلى اليوم في بلاد المغرب تسمى أحباساً. وفي حديث وقف عمر «إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها»، وفي حديث الزكاة: إن خالداً جعل رقيقه واعتدته حبساً في سبيل الله، أي وقفاً على المجاهدين وغيرهم.

وفي حديث ابن عباس: لما نزلت آية الفرائض قال النبي صلى الله عليه وسلم «لا حبس بعد سورة النساء» أي لا يوقف مال ولا يزوى عن وارثه، إشارة إلى ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من حبس مال الميت ونسائه.

وفقهياً، اختلف الفقهاء في تعريف الوقف اختلافاً كثيراً تبعاً لاختلافهم في تحديد طبيعة الوقف. واصدق تعريف مصور جامع لصور الوقف عند الفقهاء الذين قرروه هو ما ذكره الشيخ الفقيه محمد أبو زهرة رحمه الله بقوله: «الوقف: هو منع التصرف في رقبة العين التي يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها ـ وجعل المنفعة لجهة من جهات الخير ابتداء وانتهاء».

تحديد طبيعة الوقف

اختلف الفقهاء حول تحديد طبيعة الوقف إلى عدة وجهات نظر، واختلف تبعاً لذلك تعريفهم له. واختلافهم هذا متعلق بعين الوقف وليس بمنفعته، إذ أن منفعة العين الموقوفة متفق على ملكيتها للموقوف عليهم بين جميع الأئمة. أما عين الوقف، فهي موضع الخلاف ـ من حيث ملكيتها ـ في الوقف الصحيح بين الفقهاء.

فالشافعية يقولون بزوال ملك الواقف عن العين الموقوفة في المشهور عنهم، وانتقال ملكية عين الموقوف إلى الموقوف عليهم. وفي قولهم الآخر يقولون ببقاء ملكية الواقف على العين الموقوفة، والأظهر عندهم أن ملك رقبة الموقوف ينتقل إلى الله تعالى. ولذلك عرّفوا الوقف بأنه «حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته ـ على مصرف مباح» دون إشارة إلى الجهة التي تؤول إليها ملكية العين الموقوفة بتحديد واضح في التعريف. وعند الحنابلة أن الوقف إذا صح زال به ملك الواقف عنه في الصحيح من المذهب، وفي قول آخر عن الإمام أحمد: لا يزول ملكه ـ أي الواقف ـ ولذلك عرّفوا الوقف بأنه «تحبيس العين وتسبيل المنفعة» دون إشارة أيضا إلى أيلولة ملكية العين بوضوح في هذا التعريف.

وذهب المالكية إلى أن العين الموقوفة تظل على ملك الواقف ويبطل الوقف إن عاد الانتفاع بها للواقف ـ بعد الحوز، وقبل مضي سنة عليه.

واستدل الحنابلة والشافعية على قولهم بانتقال ملكية الوقف إلى الموقوف عليه بالآتي:

 أن الوقف سبب يزيل التصرف في الرقبة والمنفعة، فلازال الملك كالعتق.

 ولأنه لو كان ملكه لرجعت إليه قيمته، كالملك المطلق.

 وأنه سبب يزيل ملك الواقف، وجد إلى من يصح تمليكه، على وجه لم يخرج المال عن ماليته، فوجب أن ينقل الملك إليه كالهبة والبيع.

 ولأنه لو كان تمليك المنفعة المجردة، لم يلزم كالعارية، والسكن ولم يزل ملك الواقف عنه كالعارية.

 إن امتناع التصرف في الرقبة لا يمنع الملك كأم الوالد.

أما تعريف الوقف عند الأحناف فهو: «حبس العين على حكم ملك الواقف والتصدق بالمنفعة» عند الإمام أبو حنيفة، وهو عنده جائز غير لازم كالعارية في الرواية الصحيحة عنه. أو «حبس العين على حكم ملك الله تعالى وصرف منفعتها على من أحب».

 

الصفحات | 1 | 2  | 3 | 4  | 5  | 6 | 7 | 8 | 9 |10  | 11 | 12 | 13 | 14| 15 | 16|

  الأولى | العالم هذاالأسبوع | حوارات| منتدىالآراء| اقتصاد| أوراق ثقافية | متابعات | طب | قضايا | الرابطة | تحقيقات | منابر الدعوة | الأخيرة |  الإنجليزية 

 

 

 

الصفحة الحادية عشرة 

        3

 

الكعبة المشرفة

● عرف الناس منذ القدم الوقف، أو الحُبس ـ بضم الحاء ـ في شكل الأموال العقارية التي تحبس لتكون أماكن للعبادة كالكنائس والأديرة، أو تُحبس لتكون منافعها وقفاً على أماكن العبادة المذكورة ـ دون أن يكون هناك توسع يشمل أغراضاً أخرى للوقف.

ومما عرفه العرب قديماً في شأن الوقف ـ الكعبة المشرفة ـ التي بناها سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام لتكون مثابة للناس وأمناً، ومكاناً للعبادة بالصلاة فيها والتوجه إليها أثناء الصلاة.

 

الصفحات | 1 | 2  | 3 | 4  | 5  | 6 | 7 | 8 | 9 |10  | 11 | 12 | 13 | 14| 15 | 16|

  الأولى | العالم هذاالأسبوع | حوارات| منتدىالآراء| اقتصاد| أوراق ثقافية | متابعات | طب | قضايا | الرابطة | تحقيقات | منابر الدعوة | الأخيرة |  الإنجليزية 

 

 

 

الصفحة الحادية عشرة 

        4

 

الوقف.. والمصالح العامة

● أصدر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته العاشرة التي عقدت في مكة المكرمة خلال الفترة من 24 ـ 28 صفر 1408ه (17 ـ 21 اكتوبر 1987) قراراً بشأن صرف ريع الوقف في المصالح العامة.

وبعد تداول الرأي قرر المجلس أنه إن لم يكن الوقف مشروطاً ريعه لجهة معينة، فلا مانع حينئذ من صرف الريع على المصالح العامة.

أما إن كان مشروطاً لجهة معينة فإن المجمع يقرر عدم جواز صرفه في المصالح العامة.

 

الصفحات | 1 | 2  | 3 | 4  | 5  | 6 | 7 | 8 | 9 |10  | 11 | 12 | 13 | 14| 15 | 16|

  الأولى | العالم هذاالأسبوع | حوارات| منتدىالآراء| اقتصاد| أوراق ثقافية | متابعات | طب | قضايا | الرابطة | تحقيقات | منابر الدعوة | الأخيرة |  الإنجليزية 

 

 

 

الصفحة الحادية عشرة 

        5

 

أنواع الوقف

● قسم العلماء الوقف إلى نوعين: «وقف عقار ووقف منقول. واتفقوا على صحة وقف العقارات وهي الأراضي وما ألحق بها من المباني الثابتة، والنخيل والأشجار. واختلفوا في صحة وقف المنقول الذي عرّفوه بأنه «هو كل ما جاز بيعه وجاز الانتفاع به مع بقاء عينه»، فأجازه جمهور الفقهاء ومنعه الأحناف بحجة أن وقف المنقول يخالف معنى الحبس الدال على الدوام والاستمرار الوارد في حديثي وقف عمر ووقف أبي طلحة رضوان الله عليهما.

وأجاب جمهور الفقهاء على الأحناف بأن الحبس في كل شيء بحبسه، فإذا كان المحبوس مستمر البقاء كالأرضين كان حبسه مستمراً، وإن كان مما يفنى في وقت محدد أو معين كان بحبسه. ونص المالكية على جواز وقف النقود ـ كما جاء في مقدمات ابن رشد الكبير ص 23، وانتفاع الموقوف عليهم بالعائد واستثمارها في التجارة وغيرها، بل أصبحت الآن توقف الأسهم في الشركات التجارية على مختلف جهات البر كما هو جارٍ في جمهورية مصر العربية.

 

الصفحات | 1 | 2  | 3 | 4  | 5  | 6 | 7 | 8 | 9 |10  | 11 | 12 | 13 | 14| 15 | 16|

  الأولى | العالم هذاالأسبوع | حوارات| منتدىالآراء| اقتصاد| أوراق ثقافية | متابعات | طب | قضايا | الرابطة | تحقيقات | منابر الدعوة | الأخيرة |  الإنجليزية 

 

 

 

الصفحة الحادية عشرة 

        6

 

مسجد قباء أول وقف ديني في الإسلام

● أول وقف ديني في الإسلام هو مسجد قباء الذي أسسه النبي صلى الله عليه وسلم حين قدومه مهاجراً إلى المدينة المنورة، قبل أن يدخلها ويستقر بها. ثم المسجد النبوي في المدينة المنورة ـ دار الهجرة الذي بناه النبي صلى الله عليه وسلم في السنة الأولى من الهجرة عند مبرك ناقته لما قدم مهاجراً من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة.

وأول وقف خيري عرف في الإسلام هو وقف النبي صلى الله عليه وسلم لسبع حوائط ـ بساتين ـ في المدينة المنورة كانت لرجل يهودي اسمه مخيريق قتل على رأس اثنين وثلاثين شهراً من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقاتل مع المسلمين في واقعة أحد، وأوصى: إن أصبت ـ أي قتلت ـ فأموالي لمحمد يضعها حيث أراه الله تعالى، فقتل يوم أحد، وهو على يهوديته ـ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «مخيريق خير يهود»، وقبض النبي صلى الله عليه وسلم تلك الحوائط السبعة فتصدق بها ـ أي وقفها ـ ثم تلاه وقف عمر، وثاني وقف في الإسلام هو وقف عمر بن الخطاب المشهور، ثم تتابعت بعد ذلك أوقاف الصحابة أبوبكر وعثمان وعلي وغيرهم.

 

الصفحات | 1 | 2  | 3 | 4  | 5  | 6 | 7 | 8 | 9 |10  | 11 | 12 | 13 | 14| 15 | 16|

  الأولى | العالم هذاالأسبوع | حوارات| منتدىالآراء| اقتصاد| أوراق ثقافية | متابعات | طب | قضايا | الرابطة | تحقيقات | منابر الدعوة | الأخيرة |  الإنجليزية 

 

 

 

الصفحة الحادية عشرة 

        7

 

أدلة مشروعية الوقف

الوقف جائز ومشروع بنصوص عامة من القرآن الكريم وأخرى مفصلة من السنة. أما الكتاب فقوله تعالى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} فإن أبا طلحة لما سمعها رغب في وقف (بيرحاء) وهي أحب أمواله إليه، وبادر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يارسول الله إن الله يقول {لن تنالوا البرحتى تنفقوا مما تحبون} وأن أحب أموالي إليّ (بيرحاء) وأنها صدقة لله تعالى.

ومن السنة حديث «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له». والصدقة الجارية محمولة على الوقف عند العلماء، فإن غيره من الصدقات ليست جارية، بل يملك المتصدق عليه أعيانها ومنافعها.

وحديث وقف عمر بن الخطاب، عن ابن عمر رضي الله عنهم أن عمر أصاب أرضاً من أرض خيبر، فقال يارسول الله: أصبت مالاً بخيبر لم أصب قط مالاً أنفس منه، فما تأمرني، فقال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، غير أنه لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يوهب ولا يورث» قال: «فتصدق بها عمر على ألا تباع ولا توهب ولا تورث في الفقراء وذوي القربى والرقاب والضيف وابن السبيل لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول» رواه الجماعة.

وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومه فقال: «من يشتري بئر رومه فيجعل منها دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة، فاشتريتها من صلب مالي» رواه النسائي والترمذي، وفيه جواز انتفاع الواقف بوقفه.

 

الصفحات | 1 | 2  | 3 | 4  | 5  | 6 | 7 | 8 | 9 |10  | 11 | 12 | 13 | 14| 15 | 16|

  الأولى | العالم هذاالأسبوع | حوارات| منتدىالآراء| اقتصاد| أوراق ثقافية | متابعات | طب | قضايا | الرابطة | تحقيقات | منابر الدعوة | الأخيرة |  الإنجليزية