العدد 1779- الجمعة 28 ذوالقعدة 1423هـ إسلامية-أسبوعية- جامعة NO 1779 FRIDAY 28 Dhu Al-Qa'dah 1423H 31 Jan 2003
الصفحة
الثانية عشرة
1
خطبة الجمعة من المسجد الحرام:
الخياط: الإسلام دين سلام وحرية لا دين إرهاب وتطرف
مكة المكرمة ـ نور الإسلام جعفر
● استعرض إمام
وخطيب المسجد الحرام فضيلة الشيخ الدكتور أسامة عبدالله خياط في خطبة الجمعة جوانب
الرحمة العامة الشاملة في رسالة النبي الكريم سيدنا محمد بن عبدالله عليه أفضل
الصلاة وأتم التسليم وقال فضيلته ان من أظهر تلك الجوانب وأعظمها دلالة على هذا
المعنى وتصديقاً له وبرهاناً عليه ما جاءت به من عناية ظاهرة لا نظير لها بحفظ
الأرواح وصيانة الدماء وعصمة الأنفس وفيما يلي نص الخطبة
أيها المسلمون، إنَّ مما أتمّ الله به النعمةَ وأعظم به
المنةَ وأكمل به الفضلَ وأولى به الجميلَ ما قدَّره بحكمته وقضى به بواسع رحمته
حين أرسلَ رسولَه بالهدى ودين الحق، وجعل رسالتَه رحمةً للعالمين، كما قال سبحانه
في سياق الإنعام وفي معرض الامتنان: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ}
الأنبياء:107، والعاَلمُون ـ يا عباد الله ـ هم كلُّ ما خلق الله، وفي الطليعةِ
بنو آدم على اختلاف ألوانهم وأعراقهم وتنوّع ألسنتهم وتباين صورهم.
وإنّ جوانبَ هذه الرحمة العامَّة الشاملة في رسالة هذا
النبيّ الكريم صلوات الله وسلامه عليه لتجلّ عن الحصر وتربو على العدّ، غيرَ أنَّ
من أظهرِ تلك الجوانبِ وأعظمِها دلالةً على هذا المعنى وتصديقاً له وبرهاناً عليه
ما جاءت به هذه الرسالةُ من عنايةٍ ظاهرة لا نظيرَ لها، من عنايةٍ بحفظ الأرواحِ
وصيانةِ الدماء وعصمةِ الأنفس، تلك العنايةُ التي لم تكن مقصورةً على أهلِ الإسلام
فحسب، بل شملت أيضاً غيرَهم.
وإنَّ من أوضَح الدلائل على هذه العناية ذلك المنهاجُ
النبويّ الفذّ المتفرّد الذي رسمه النبي لأمته، وأمرها بالأخذ به، ونهاها عن
المخالفة عنه وتعدي حدودِه في وقت السلم والحرب على حدٍّ سواء.
أمَّا في السلم فقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام الترهيبُ
الشديد والوعيد الصارخُ لمن قتَل المعاهدَ وهو الرجل من دار الحرب يدخل دارَ
الإسلام بأمانٍ من المسلمين، وذلكَ فيما أخرجه البخاري في صحيحه عن عبد الله بن
عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله قال: ((من قتل معاهداً لم يَرح رائحةَ
الجنة، وإنَّ ريحَها يوجد من مسيرة أربعين عاماً))، وإنه لوعيدٌ ـ يا عباد الله ـ مُرعِب
مُرْهب تقضّ له مضاجعُ أولي النهي وتفرقُ منه نفوسُ أولي الألباب.
وأمَّا في حال الحرب فإنَّ في وصايا النبي لقادةِ جيوشِه
وأوامرِه لهم عند عَقد الأولوية ما لا يحتاج إلى بيان ولا يفتقر إلى برهان؛ إذ هو
يقيم الشواهدَ على أن للدماء حرمتَها، وللأنفس والأرواح قيمتَها، فلا يصحّ أن
تُترَك نهباً للاجتهادات المبتنات على الآراء والظنون والتأويلات التي لا يسندها
علمٌ ولا هدًى ولا كتاب منير، من ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده
وأصحاب السنن عن بريدة رضي الله عنه أن رسول الله قال: ((اغزُوا في سبيل الله،
وقاتِلوا من كفرَ بالله، اغزُوا ولا تغُلّوا ولا تغدِروا ولا تمثِّلوا ولا تقتُلوا
وليداً)) الحديث. ومن ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن ابن عمر رضي الله عنه
أنه قال: وُجدَت امرأة مقتولةً في بعض مغازي النبي، فنهى رسول الله عن قتل النساء
والصبيان، وفي رواية لأحمد في مسنده وأبي داود في سننه: لمَّا رأى رسولُ الله
امرأةً مقتولةً قال: ((ما كانت هذه لتقاتِل))، ثم قال لأحدهم: ((الحَق خالداً فقل
له: لا تقتلوا ذرية ولا عسيفاً)) يعني أجيراً.
وقد استمسَك بهذا الهديِ النبويّ ومضى على هذا النهج
المحمَّدي خلفاءُ النبي من بعده وأمراءُ المؤمنين على تعاقب العصور، يبدو ذلك
بيِّناً جليًّا في وصاياهم لقوَّاد جيوشهم عند بعثِهم لمصَاولة الأعداء، فمن ذلك
أنَّ الخليفة الراشدَ أبا بكر الصديق رضي الله عنه أوصى يزيد بن أبي سفيان أحدَ
قوَّاده الذين بعثهم إلى الشام فقال له: (إنِّي موصيك بعشر خلال: لا تقتل امرأة
ولا صبياً ولا كبيراً هرماً، ولا تقطع شجراً مثمراً، ولا تخرّب عامراً، ولا تعقرنّ
شاةً ولا بعيراً إلا لمأكلة ـ أي: لطعام، ولا تعقرنّ نخلاً ولا تحرقه، ولا تغلل)
أخرجه الإمام مالك في الموطأ. ومن ذلك ما أوصى به أميرُ المؤمنين عمر بن الخطاب
رضي الله عنه قوَّادَ جيوشه عند عقد الأولوية، إذ كان يقول لهم: (بسم الله، وعلى
عون الله، سيروا بتأييد الله، وما النصر إلا من عند الله ولزومِ الحق والصبر،
فقاتِلوا في سبيلِ الله من كفَر بالله، ولا تعتَدوا إنَّ اللهَ لا يحبّ المعتدين،
ولا تجبُنوا عند اللقاء، ولا تمثِّلوا عند القدرة، ولا تسرفوا عند الظهور، ولا
تقتُلوا هرماً ولا امرأة ولا وليداً، واجتنبوا قتلَهم إذا التقى الصفَّان وعند
شنِّ الغارات).
وما من أمير من أمراءِ المؤمنين ـ يا عباد الله ـ إلا وقد
نُقل عنه من الوصايا لقوَّادِه مثلُ هذه الوصايا الجليلة المضيئة المشرقة المسفرة
عن وجه جمال هذا الدين وجلاله وعدالته ورحمته، والتي تعبِّر بحقٍّ وتصوِّر بصدق
وتعكس التطبيقَ الحيَّ الفاعل لمدلول قوله سبحانه: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ
الْمُعْتَدِينَ} البقرة:190. إنه قتال لله وفي سبيل الله، لا لأجل الظفَر بمغنمٍ
من مغانم الحياة الدنيا، وهو قتال عادلٌ لقضية عادلة، فلا مجال فيه للعدوان ولا
للتخريب ولا للفساد في الأرض.
ودينٌ جاء كتابُه ونبيّه صلوات الله وسلامه عليه بمثل هذا
الضياء الذي انجابت به ظلماتُ الأرض أفلا يكون جديراً بأن تُشرق شمسُه على الدنيا
اليوم كما أشرقت بالأمس؟! ثم أليس هذا الدينُ الحق خليقاً بأن يوصَف بالعدالة
والسلام والحرية الحقة، لا أن يوصَف بالإرهاب والقتل والتعطّش لسفك الدماء؟!
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ
نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ
وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}. التوبة:32.
الحمد لله الذي كتبَ الظهورَ لدينه إلى يوم الدّين، أحمَده
سبحانَه يُعزُّ المؤمنين ويتولَّى الصالحين، وأشهد أن لا إله إلاً الله وحده لا
شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، المبعوث رحمة للعالمين، اللهم صل
وسلم على عبدك ورسولك سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه الأئمة الأخيار المتقين.
أما بعد: فيا عباد الله، اتقوا اللهَ، واذكروا على الدوام
أنَّه مهما اغبرَّ وجهُ الحق وغشِيته غواشي الباطل فإنَّ الظهورَ والغلبةَ والعزَّ
والتمكينَ هو لدين الله في نهاية الأمر، فهو سبحانه كما أنزل الذكر وتكفل بحفظه
وعدَ أيضاً بإظهارِ دينه ورفعِ لوائه، ووعدُه حقّ لا يتبدّل ولا يتخلَّف، فقال عز
اسمه: {هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى وَدِينِ الْحَقّ لِيُظْهِرَهُ
عَلَى الدّينِ كُلّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} الصف:9.
فعلى المؤمنِ إذاً أن يحسنَ ظنَّه بربّه، وأن يثقَ بوعدِه
ويوقِن بموعوده، ويأخذَ نفسَه بالعمل للظفَر بهذا المَوعود، ويحذَر من اليَأس
والقنوط أن يتسرَّبا إلى قلبه أو يخالطا نفسَه، فليسَ ذلك شأنَ المؤمنين ولا خلق
المتقين.
ألا وصلوا وسلموا على خاتم النبيين ورحمة الله للعالمين،
فقد أمرتم بذلك في الكتاب المبين، حيث قال الربّ الكريم قولاً كريماً: {إِنَّ
اللَّهَ وَمَلـائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ
ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً} الأحزاب:56.
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيّدنا ونبيّنا محمد، وارض
اللهم عن خلفائه الأربعة...
الصفحات | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 |10 | 11 | 12 | 13 | 14| 15 | 16|
الأولى | العالم هذاالأسبوع | حوارات| منتدىالآراء| اقتصاد| أوراق ثقافية | متابعات | طب | قضايا | الرابطة | تحقيقات | منابر الدعوة | الأخيرة | الإنجليزية
الصفحة
الثانية عشرة
2
خطبة الجمعة من المسجد النبوي
الحذيفي: العبادة أعظم كرامة يكرم الله بها العابدين ويرفع
بها المتقين
● أكد فضيلة
الشيخ علي بن عبدالرحمن الحذيفي إمام وخطيب المسجد النبوي الشريف ان العبادة أعظم
كرامة يكرم الله بها العابدين ويرفع بها المتقين، بالعبادة تستنير القلوب وتتهذب
النفوس وتتقوم الأخلاق وتصلح العقول وتزكو الأعمال ويرضى الرب وتعمر الحياة
بالصلاح والإصلاح وترفع الدرجات في الجنات وفيما يلي نص الخطبة:
أما بعد:
فاتقوا الله أيها المسلمون، فالتقوى خيرُ زاد ليوم المعاد،
وبها يُصلح الله أمورَ العباد، {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ
أَمْرِهِ يُسْراً} الطلاق:4.
واعلموا ـ عباد الله ـ أنَّ العبادةَ حقّ لربّ العالمين على
المكلَّفين، وفرضٌ محتوم على الإنس والجن، قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ
الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } الذاريات:5.
والعبادةُ أعظمُ كرامةٍ يُكرم الله بها العابِدين، ويرفع
بها المتقين، بالعبادة تستنير القلوب، وتتهذَّب النفوس، وتتقوّم الأخلاق، وتصُلح
العقول، وتزكو الأعمال، ويرضى الربّ جل وعلا، وتُعمَر الحياة بالصلاح والإصلاح،
وتُرفَع الدرجاتُ في الجنات، وتُكفَّر السيئات، وتُضاعف الحسنات.
ومن رحمة الله بنا وفضلِه علينَا أن أرسلَ إلينا أفضلَ
خلقِه محمدًا، يبيِّن لنا ما يرضى به ربُّنا عنّا من الأقوال والأعمال والاعتقاد،
ويحذِّرنا مما يغضب ربَّنا علينا من الأقوال والأفعال والاعتقاد، قال تبارك وتعالى
كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مّنْكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا
وَيُزَكِيكُمْ وَيُعَلّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلّمُكُم مَّا لَمْ
تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ
تَكْفُرُون} البقرة:151، 152.
ولولا أنَّ الله أرسل الرسلَ وأنزل الكتبَ لكان بنو آدم
أضلَّ من الأنعام، ولكنَّ الله رحم العالمين، فشرع الدينَ، وفصَّل كلَّ شيء، وأقام
معالمَ الصراط المستقيم، فاهتدى السعَداء، وضلَّ على بيِّنة الأشقياء.
فمن رحمةِ الله وحكمته وكمالِ علمه أنَّ الله تعالى شرعَ
العبادةَ لإصلاح النفس البشرية، فشرع العباداتِ المتنوِّعة؛ الصلاة والزكاة
والصيام والحجّ وغير ذلك؛ لتتكامل تربية الإنسان وتطهيرُه من جميع الوجوه، قال
تبارك وتعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ وَلـاكِن
يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ} المائدة:6.
الحجُّ ركنٌ من أركان الإسلام، جمع الله فيه العبادةَ
القلبية بالإخلاص وغيره، وجمعَ الله فيه العبادةَ المالية والقوليةَ والفعليةَ.
والحجُّ وزمنُه تجتمع فيه شهادةُ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله أعظمُ
ركن في الإسلام، وتجتمعُ فيه الصلاة وإنفاق المال والصيام لمن لم يجد الهدي والأمر
بالمعروف والنهيُ عن المنكر والصبرُ والحِلم والشفقة والرحمة والتعليم للخير
وجهادُ النفس ونحو ذلك مما فرضه الله عز وجل، ويجتمع فيه كذلك اجتنابُ المحرمات.
والحجُّ آية من آيات الله العظمَى على أنَّ مَا جاءَ به
محمَّد هو الدِّين الحقّ، فلا تقدِر أيّ قوةٍ في الأرض أن تجمَع الحجَّاج كلَّ
عامٍ من أطراف الأرض ومن جميع أجناس البشر وطبقات المجتمعات وأصنافِ الناس بقلوبٍ
مملوءة بالشوق والمحبة، يتلذَّذون بالمشقَّات في الأسفار، ويفرَحونَ بمفارقةِ
الأهلِ والأصحابِ والأوطان، ويحسّون أن ساعات الحجّ أسعدُ ساعات العمر، ويعظِّمون
مشاعرَ الحجّ، وينفقون الأموال للحج بسخاوة نفس وطيبة قلب، فلا يقدر على ذلك إلا
الله عز اسمه وتباركت صفاته، وهو القائلُ لخليله إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام:
{وَأَذّن فِى النَّاسِ بِالْحَجّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلّ ضَامِرٍ
يَأْتِينَ مِن كُلّ فَجّ عَميِقٍ لّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ
اسْمَ اللَّهِ فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ
الأَنْعَامِ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} الحج: 27،
28.
ذكر المفسرون ابنُ جرير وابن كثير وغيرهما عن ابن عباس أنَّ
الله لما أمرَ خليلَه إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام أن يؤذِّن في الناس بالحج قال:
يا ربّ، كيف أبلّغ الناس وصوتي لا ينفذهم؟! فقال: نادِ وعلينا البلاغ، فقام على
مقامه، وقيل: على الحِجْر، وقيل: على الصفا، وقيل: على أبي قبيس، وقال: يا أيها
الناس، إن ربَّكم قد اتخذ بيتًا فحجُّوه، فيقال: إن الجبالَ تواضعت حتى بلغ الصوتُ
أرجاءَ الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابَه كلُّ شيء سمعه من حجر ومدرٍ
وشجر، ومن كتب الله أنه يحجَّ إلى يوم القيامة. لبيك اللهم لبيك.
أيها المسلم، أخلِص النيةَ لله تعالى في حجِّك، واقتدِ
بسيِّد المرسلين في أعمالِ الحجّ، فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((خُذوا عني
مناسككم))، ليكونَ حجّك مبرورًا وسعيُك مشكورًا، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
سمعت رسول الله يقول: ((من حجًَّ فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه)) رواه
البخاري ومسلم، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أيضًا أنَّ رسول الله قال: ((العمرةُ
إلى العمرةِ كفارةٌ لما بينهما، والحجُّ المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة)) رواه
البخاري ومسلم وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلتُ: يا رسول الله، نرى الجهادَ
أفضلَ العمل، أفلا نجاهد؟! فقال: ((ولكن أفضلُ الجهاد حجٌّ مبرور)) رواه البخاري
والحجّ المبرور هو الذي أخلصَ صاحبُه النيةَ فيه لله تعالى،
وأدَّى مناسكَه على هدي رسول الله، واجتنبَ المعاصي وأذيَّة المسلمين، ولم يجامِع
أهلَه في وقتٍ لا يحلُّ له، وحفظ لسانه من اللغو والباطل، وكانت نفقتُه حلالاً،
وأنفقَ في الخير بقدر ما يوفِّقه الله، فإذا جمَع الحجُّ هذه الصفاتِ كان مبرورًا
مبرورًا.
وعلى الحاجِّ أن يتعلَّم ما يصحّ به حجُّه، ويسألَ عن أحكام
الحجّ العلماءَ، ولتحرص ـ أيها الحاج ـ أشدَّ الحرص على الإتيان بأركان الحج؛ لأنه
لا يصحّ الحجّ إلا بها، وهي الإحرام والمرادُ به الدخول في النسك، والوقوفُ بعرفة
وهو أعظم أركان الحج لقوله: ((الحج عرفة))، وطوافُ الإفاضة، والسعيُ على الأرجح.
وعليه أن يقومَ بواجبات الحج، لا يترك منها شيئًا، وواجباتُ الحج: الإحرامُ من
الميقات المعتبَر له، والوقوف بعرفة إلى غروب الشمس، والمبيتُ بمزدلفة، والرمي،
والحلق أو التقصير، والمبيت بمنى، والهدي لمن يلزمه الهدْي، وطوافُ الوداع.
ويومُ النحر يجتَمع فيه الرميُ لجمرة العقبة والنحر والحلق
وطوافُ الإفاضة والسعيُ لمن لم يقدِّم السعيَ في الإفراد والقران، فإذا رمى
الحاجُّ جمرةَ العقبة و(قَصَّر) أو حلق حلَّ له كلّ ما حرم عليه بالإحرام إلا
امرأته، فإذا طافَ بالبيت وسعَى بعدَ الرمي والحلق حلَّ له كلُّ شيء حتى امرأته.
ويستحبُّ للحاجِّ الإكثار من أفعال الخير وكثرةُ التلبية
حتى يشرعَ في رميِ جمرةِ العقبة. ويُكثر من تلاوة القرآن، ويتضرَّع بالدعاء ولا
سيما يوم عرفة، فيدعو لنفسه وللمسلمين مما أصابهم من الكربات، يدعو للمسلمين
خاصَّتِهم وعامَّتهم وولاتهم وعلمائهم لقول النبي: ((خير الدعاء دعاء عرفة، وخير
ما قلتُ أنا والنبيون قبلي يومَ عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك
وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)). ويحفظُ لسانَه من الغيبة والباطل، فقد كان بعضُ
السلف إذا أحرَم كأنه حيَّة صمَّاء، لا يتكلم إلا بخير، ولا يخوض فيما لا يعنيه.
ويبتعدُ عن المشاجرات والخصومات والمجادلات. ويواظب المسلمُ على التكبير المقيَّد،
ويبدأ وقتُه بعد فجرِ يوم عرفة إلى عصرِ آخر أيامِ التشريق، وللحاجِّ يبدأ بعدَ
ظهر يوم العيد إلى عصر آخر أيَّام التشريق، وصفتُه: الله أكبر الله أكبر لا إله
إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
ويستحبُّ للحاجّ وغيرِه المسارعةُ إلى كلّ خير وعمل صالح
وبرّ في عشر ذي الحجة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: ((ما من
أيام العمل الصالح فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيام)) يعني أيام العشر، قالوا:
يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟! قال: ((ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل
خرجَ بنفسه ومَاله، فلم يَرجع من ذلك بشيء)) رواه البخاري
بسم الله الرحمن الرحيم: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ
مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاواتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ
لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ
الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} آل
عمران:133، 134.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإيَّاكم بما
فيه من الآيَات والذكر الحكيم، ونفعَنا بهدي سيد المرسلين وبقَوله القويم، أقول
قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو
الغفور الرحيم.
الصفحات | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 |10 | 11 | 12 | 13 | 14| 15 | 16|
الأولى | العالم هذاالأسبوع | حوارات| منتدىالآراء| اقتصاد| أوراق ثقافية | متابعات | طب | قضايا | الرابطة | تحقيقات | منابر الدعوة | الأخيرة | الإنجليزية
الصفحة
الثانية عشرة
3
معالي د.صالح بن حميد يحاضر في رابطة العالم الإسلامي حول
خطبة الجمعة وأثرها في إصلاح المجتمع
مكة المكرمة - محمد الأسعد
● ألقى معالي رئيس مجلس الشورى
وإمام وخطيب المسجد الحرام بمكة المكرمة الشيخ الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد
محاضرة مساء يوم الأربعاء 19/11/1423ه بعنوان خطبة الجمعة وأثرها في إصلاح المجتمع
ضمن الموسم الثقافي لرابطة العالم الإسلامي وذلك بقاعة المحاضرات الكبرى بمقر
الأمانة العامة للرابطة بمكة المكرمة.
معاليه أوضح أنه ينبغي على الخطيب أن يفرق بين الخطبة التي
تلقى في المسجد والكلام الذي يلقى في المنتديات أو المحاضرات العامة حيث لاينبغي
أن تكون خطبة سياسية محضة حيث أن للمسجد رسالته ووظيفته وللخطبة تأثيرها فينبغي أن
تكون مرتبطة ارتباطا وثيقاً بنصوص الكتاب والسنة.
وأكد أن خطبة الجمعة شعيرة من شعائر الاسلام الطاهرة وهي
عظيمة الشأن والمقاصد وعميقة التأثير وأن الغرض من تكرارها في السنة 48 مرة مواصلة
حوار النفس ومواجهتها ومحاسبتها ومراجعتها في أوامر الدين وأحكامه ومقاصده.
ولفت معاليه الى أن خطبة الجمعة تعد من وسائل الاصلاح
الفردية والجماعية فهي تحتل موقعا مهما متميزا في تبليغ الدين ونشر الدعوة وبث
الاصلاح منذ بدء الرسالة المحمدية ولاتزال هي أكثر الوسائل فعالية في نشر الحق وبث
الفكر الصحيح ومخاطبة مختلف الفئات والطبقات والمستويات نظرا لان الخطيب المؤهل
الموفق هو الأسرع الى فهم العامة والأبلغ في التأثير على المجموعة فخطيب الجمعة هو
الواعظ وله دور كبير في مجتمعه وبيئته فهو قرين المربي والمعلم ورجل الحسبة
والموجه وبقدر إحسانه وإخلاصه يتبوأ من قلوب الناس مكاناً ويضع الله له قبولاً
وأبان معاليه أن مهمة الخطيب مهمة شاقة تحتم عليه أن يستعد
استعدادا كافيا فكريا وأن يتمتع بحسن التعبير وطلاقة اللسان وأن يحدث الناس بما
يمس حياتهم ولاينقطع عن ماضيهم ويردهم الى قواعد الدين ومبادئه ويذكرهم بحكمه
وأحكامه برفق ويعرفهم آثار التقوى والصلاح في الآخرة والأولى وأن مهمة الخطيب
البعد عن جوانب الملل والدعوة الى التجديد والتحديث لايغير من الحقيقة الثابتة
شيئا وعلى الخطيب أن يهدئ التأثر ويطفئ ثورة الغريزة ويخفض شدة الاحقاد ويشيع روح
المودة ويبث الاخلاص والتعاون وعلى خطيب الجمعة أن يولي هموم مجتمعه وقضايا امته
اهتماما كبيرا.
وتحدث الشيخ ابن حميد عن مفهوم الاصلاح موضحاً أن الاصلاح
مأخوذ من الصلاح والصلاح ضد الفساد ويرد الصلاح في القرآن الكريم مقابل السيئ وقد
ذكرت كلمة الصلاح والإصلاح في كتاب الله أكثر من مائة وثمانين مرة ومن أظهر
مواردها في كتاب الله عز وجل ارتباطها بالايمان إذ الايمان هو أساس محاربة الفساد
ومقاومته
والعمل الصالح فعل قائم على اصلاح العقيدة بتوحيد الله عز
وجل واصلاح الخلق بسلوك مسالك الاخلاق الكريمة من التواضع والحلم والرحمة والصبر
والصدق والتودد وغيرها واصلاح بمراقبة الله في الحلال والحرام وسلوك مسالك التقوى.
وبين معاليه أن موارد الاصلاح في الدين كثيرة من ابرزها
اصلاح الاسر واصلاح بين الناس واصلاح الحكام لشؤون رعاياهم وأن الاسلام جعل
الاصلاح من أكد شروط التوبة وعلى خطيب الجمعة أن يستمد من هذا المفهوم العام
الشامل والإصلاح الاجتماعي في الاسلام ويعمل على نشره وتقوية معناه في النفوس
ويجعل ذلك دعوته التي يعلنها مشيرا معاليه الى المنهج الاصلاحي لخطبة الجمعة.
وأفاد أن الاصلاح أمر أساسي في الدين يتناول جميع الجوانب
التي يتحقق بها صلاح الأمة ورقيها وتقدمها وأمنها ولخطبة الجمعة دورها في تحقيق
ذلك الاصلاح والحث عليه فاذا كان هذا هو دور الخطبة وكان هم الخطباء ترسيخ فهم
الاصلاح وتعميق الشعور به والتغلب على معوقاته فانه يحتم هذا الدور مؤهلات الخطيب
العلمية والنفسية ومن حيث الواقع الذي يعيشه المسلمون ومن حيث انواع المشكلات
المطروحة التي ينبغي أن تعطى لها الاولية في خطبة الجمعة.
وأكد أن الخطيب الداعية يستطيع بمعرفته لتاريخ الأمم أن
يدحض اقوال المتطاولين التي تطعن في الاسلام وحضارته أو تدعي أن الاسلام لم يحكم
الحياة ولم يكن له تأثير في تاريخ الشعوب ولذا ينبغي أن يكون الخطيب ملما بعلوم
عصره ولاسيما في العصر الحاضر مما يساعده في اقناع مستمعي حديثه مما يحض مستمعي
خطبه الى حسن الاستجابة.
وقال معاليه " ان الشرع قد رعى في منهج خطبة الجمعة
حالةالمكلف ولاشك أن الغرض الاساسي منها هو التذكير والوعظ والتنبيه اذ من المفروض
أن المسلم محتاج الى التذكير بآيات الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم
ليستقيم حاله وليزداد من الخير وليرتدع عن الغي ويقوم اعوجاجه ويبادر بالاجابة.
وحذر معاليه من التطويل الممل في خطبة الجمعة داعيا الى
الاختصار غير المخل حيث أن مثل هذا يؤدي الى حصول الفائدة من الخطبة وذلك بالعدول
عن التطويل الممل الى الاختصار غير المخل حيث أن خير الكلام ماقل ودل وهو اسلوب
تنفرد به الخطبة عن المحاضرة.
وتطرق الشيخ ابن حميد الى جوانب الاصلاح الإجتماعي في خطبة
الجمعة مبينا أن ذلك يكون من خلال عنصرين الاول يتعلق بالعوامل الخارجية وما يتعلق
بهذه النزعة الخارجية يمكن أن يعالج من عدة أمور منها اظهار أن الاسلام مختلف عن
الديانات الأخرى باصوله ونظامه واسسه وأهدافه فمهمة الخطيب أن يتكلم عن الاسلام
ويبين حقيقته وصلاحه لكل زمان ومكان وأنه دين ودنيا والتركيز على الإيمان وترسيخ
العقيدة والاهتمام بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وخصائصه وحقوقه وجهاده وشأنه
كله لأن هذا له تأثيره العظيم والعجيب على النفوس وكذلك الدعوة الى وحدة المسلمين
والتضامن الاسلامي وتسليط الاضواء على بعض القضايا المثارة مثل قضية العدل وحقوق
الانسان ونحو ذلك والتأكيد على أن الاسلام خاتم الاديان وفيما يتعلق بالاصلاح
الداخلي فينبغي التركيز على تأكيد العقيدة ومقاصدها والاهتمام بالعبادات والحث
عليها.
وحضر المحاضرة جمع غفير من اصحاب الفضيلة وطلبة العلم
ورؤساء الدوائر الحكومية.
الصفحات | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 |10 | 11 | 12 | 13 | 14| 15 | 16|
الأولى | العالم هذاالأسبوع | حوارات| منتدىالآراء| اقتصاد| أوراق ثقافية | متابعات | طب | قضايا | الرابطة | تحقيقات | منابر الدعوة | الأخيرة | الإنجليزية