الواقع العربي لا يجد المرء إجابة شافية على السؤال الذي تطرحه وسائل الإعلام العربية وبعض الكتاب في الصحف الغربية هذه الأيام: لماذا لم يتحرك العرب والخطر يكاد يحط في ديارهم ؟ فرغم المؤشرات التي لا تحتاج إلى تأكيد والتي تنبئ عن قرب خطب جليل في المنطقة العربية إلا أن العرب مصرون على عدم فداحة الموقف وأن الأمر مجرد لعبة كلعبة القط والفأر تمارسها الدولة الكبرى مع دول المنطقة، بل أن البعض ليس فقط يقلل من حجم الخطر بل يمضي في وهم هو أشبه بالخيال ضرب بأطنابه عقله وجسده بأنه في منأى عن أي ضرر طالما أن شرارة نار الأسلحة الثقيلة وما فوق الثقيلة لن تصل إليه لبعده عن ساحة العمليات الفعلية. ولا أريد أن أنظر، ولكن يمكن القول إن هناك أسبابا كثيرة لهذا البرود الذي أصاب علاقة العربي مع أخيه العربي في مقابل علاقته الدافئة مع الغير، فما نلمسه من لجوء الساسة والأفراد على السواء إلى التعاطي مع قضايا الأمة بطريقة انفرادية وانعزالية يمثل أحد هذه الأسباب ويذكرنا بأسى وخوف بما أصاب أجدادنا في الأندلس وأثناء غزو الإفرنج لديار المسلمين مما يجعلنا نخشى أن يتكرر السيناريو عندما غزا المغول بلاد العرب وحينما كان المغولي يأتي لمجموعة من العرب والمسلمين ويطلب منهم أن ينتظروا حتى يحضر سيفه فيمتثلوا لأمره ويسلموا رقابهم طواعية له ودون مقاومة تذكر، وليس حالنا هذه الأيام بأفضل من ذلك الوقت فالعرب يعيشون حاليا فترة من التغريب واللامبالاة أوصلت درجة الشعور بالانتماء إلى أمتهم ودينهم درجة التبلد والتجمد. والأدهى من ذلك، فقد رأى البعض من العرب أن أفضل وسيلة لتناسي الهموم وعدم استشعار الخطر القريب من منطقتهم هو زيادة الانشغال باللذات والاهتمام بالأمور الشخصية دون ممارسة أي دور وطني مهم، وكأنهم يؤكدون لغيرهم من غير العرب أن الأهم في نظرهم هو الاكتفاء بإبقاء التواصل مع العالم المتحضر على أشده ظنا منهم أن الأمان في السرب وخارج السرب مضمون طالما التزموا بذلك، ليس هذا فحسب بل هناك ضمان آخر يسعى إليه وهو عدم تعكير أمزجتهم بأخبار المنطقة غير المفرحة، وهذا ما يبرر عدم اهتمام هؤلاء بما يتعرض له إخوانهم في مناطق العرب والمسلمين المنكوبة من مآس، بل على النقيض يسعون بقضهم وقضيضهم بحثا عن متعة أو بهجة أيا كان مصدرها حتى ولو كانت على أنقاض وجثث أقربائهم، ولماذا يهتمون طالما يؤمنون حقا أنهم في عصر العولمة حيث تزال كل الفوارق الدينية والعرقية والثقافية والتاريخية فأبناء العالم في نظرهم كلهم إخوة لهم و من غير الضروري الالتزام بعلاقة دينية أو قومية. ونواصل في المقال القادم إن شاء الله. د. حسن بن علي الأهدل