العدد 1786- الإثنين 28المحرم 1424هـ  إسلامية-أسبوعية- جامعة NO 1786 MONDAY 28 Muharram 1424H 31 MAR 2003

الصفحة الثالثة عشرة 

        1

 

خطبة الجمعة من المسجد الحرام

آل طالب: اجتماع الكلمة وألفة القلوب مطلوبة في أوقات الشدائد حراسة للملة والدين

● قال فضيلة الشيخ صالح آل طالب، إمام وخطيب المسجد الحرام بمكة المكرمة، ان من أعظم ما نهى الله عنه، ونهى عنه رسوله.. الفرقة والاختلاف.

وقال في خطبته يوم الجمعة الماضي، ان اجتماع الكلمة وألفة القلوب متأكدة الوجوب في أوقات الشدائد والأزمات. مؤكداً ان اختلاف الكلمة ضعف للمسلمين، فيما اجتماع الكلمة قوة لهم حفاظاً على حوزتهم، وحراسة للملة والدين.

وفيما يلي مقتطفات من خطبته:

إنَّ من أعظمِ غاياتِ الشريعةِ الإسلاميّة الكثيرة اجتماعَ الكلمة وألفَة القلوب بين المسلمين؛ لأنّه باجتماع الكلمة وألفةِ القلوب تتحقّقُ مصالح الدّين والدنيا، ويتحقّق التناصرُ والتعاون والتعاضُد، قال الله تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} (آل عمران:103)، وقال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} (الأنعام:153)، وقال تعالى: { وتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (المائدة:2)، وقال عزّ وجلّ: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} (الحجرات:10)، وقال عزّ وجلّ: {فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (الأنفال:1)، وفي الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: (مثَل المؤمنين في توادّهم وتراحمِهم وتعاطفِهم كمثَل الجسدِ الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسدِ بالسّهر والحمَّى) رواه البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما، وفي الحديث الآخر: (المؤمنِ للمؤمن كالبنيان يشُدّ بعضُه بعضاً) رواه البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري، وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: (من لم يهتمَّ بأمرِ المسلمين فليس منهم).

ومِن أعظم ما نهى الله عنه ونهى عنه رسوله الفرقةُ والاختلاف، قال الله تعالى: {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (الأنفال:46)، وقال تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيّنَاتُ وَأُوْلـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (آل عمران:105)، وقال عزّ وجلّ: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْء إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } (الأنعام:159)، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تختلفوا فتختلفَ قلوبُكم)، أو قال: (تختلف وجوهُكم)، وقال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: (الخلاف شرٌّ كلّه)، وقال الحسن بن علي رضي الله عنه: (أيّها النّاس، إنَّ الذي تكرَهون في الجماعة خيرٌ مما تحِبّوه في الفرقة).

وهذه المعاني العظيمة واجبة في كلِّ وقتٍ على المسلم، ولكنّها متأكّدة الوجوبِ في أوقاتِ الشدائد والأزمات والفِتن، حفاظاً على حوزة المسلمين وحراسة للملّة والدين؛ لأنَّ اجتماع الكلمة قوّةُ المسلمين، واختلافُ الكلمة ضعفُ المسلمين، ولذلك أمر النبي بلزوم إمامِ المسلمين وجماعتِهم، فعن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (من مات وليس له إمامٌ مات ميتةً جاهليّة) رواه أحمد والطبراني وابن حبان، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسولَ الله يقول: (من خلع يداً من طاعة لقي الله يومَ القيامة ولا حُجّة له، ومن مات وليس في عنقِه بيعةٌ مات ميتة جاهليّة) رواه مسلم، وعن الحارث الأشعريّ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنا آمركم بخمسٍ اللهُ أمرني بهنَّ: بالجماعة وبالسمع والطاعة والهجرة والجهادِ في سبيل الله، فإنّه من خرج من الجماعة قيدَ شبرٍ فقد خلع رِبقةَ الإسلام من عنقه إلى أن يرجِع، ومن دعا بدعوَى الجاهليّة فهو من جُثاءِ جهنم)، قالوا: يا رسول الله، وإن صام وصلى؟! قال: (وإن صام وصلى وزعَم أنّه مسلم، فادعوا المسلمين بأسمائِهم بما سمّاهم الله عز وجل: المسلمين المؤمنين عبادَ الله عز وجل) حديث صحيح رواه أحمد والترمذي والحاكم، وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لا تَسْأل عنهم: رجل فارَق الجماعة وعصى إمامَه ومات عاصياً، وعبدٌ أبق فمات، وامرأة غابَ عنها زوجُها يكفيها المؤنة فتبرّجت من بعدِه) حديث صحيح رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد والحاكم، ومعنى: (لا تسأل عنهم) أي: إنهم هالكون لعظم معصيتِهم، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يدُ الله على الجماعة) رواه الطبراني.

ومِن كمالِ شريعة الإسلام إيجابُها وافتراضها على المسلمين اجتماعَ كلمتهم ولزومَ جماعتهم وإمامِهم، ليكونوا كالجبال الرواسي أمام رياح الفتن والشدائد، وليحافظوا على دينهم من التغيير والتبديل، وليحافظوا على مصالحِ دنياهم التي هي قِوام حياتِهم، فعن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله موعظةً وجِلت منها القلوب، وذرفَت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنّها موعظة مودِّع فأوصنا، قال: (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن تأمّر عليكم عبد، فإنّه من يعِش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين، عضّوا عليها بالنواجذ، وإيّاكم ومحدثاتِ الأمور، فإن كلَّ بدعة ضلالة) رواه أبو داود والترمذي وقال: "حديث حسن صحيح".

ومن أعظمِ ما نهى عنه الإسلام الخوضُ بالباطل في الأحداث والفتن، قال الله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } (الإسراء:36)، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إيّاكم والفتن؛ فإنَّ اللّسان فيها كوقعِ السيف) رواه ابن ماجه. فالواجبُ على المسلم أن يكفَّ يدَه ولسانَه عمَّا حرَّم الله عز وجل وقتَ كثرة القيل والفتن.

ونُحذِّر المسلمين عامّة وشبابَنا خاصّة من التأثّر بالشائعات الكاذِبة والأراجيف المُغرضة والأفكار الوافِدة الهدّامة التي تُنشَر عبرَ الفضائيّات وعبرَ شبكة المعلومات، والتي تستهدِف الطعنَ في الدّين والأخلاق، وتبثّ الفُرقة والاختلاف والخوفَ والهلع والجزَع، وتقدَح في الولاة والعلماء، فالعلماء والولاةُ إذا صلحوا صلحَ الناس، فيُدعَى لهم بالصلاح والخير، ولا يُدعَى عليهم، ويُعانون على مهمّتِهم الكبيرة، فيُعان ولاةُ الأمور على تنفيذِ الشريعة ورعاية المصالح، ويُعان العلماء على بيَان الشريعة وتفصيل أحكامِها والقيامِ بما وُكِل إليهم من أمور الشريعة ومصالحِ الناس.

واعتصموا ـ عباد الله ـ بالصّبر واليقين، كما نحذِّر بعضَ الشباب المغرَّر بهم من القيام بأعمالٍ تخريبيّة محرَّمَة تضرّ ببلادهم، يُدفَعون إليها بمكرِ ماكر، أو بحماقَة حاقِد، أو اجتهادِ سفَه من أشخاصٍ وإن لبسوا لباسَ الدّين للوصول إلى منافعهم الشخصية، فتزهَق نفوسٌ آمنة، وتُراقُ دماء محرّمة.

وعلى الأمّة كلِّها حكّامِها وعلمائها وشعوبِها أن تكون يداً واحدةً أمام التحديات التي تهدِّد كيانَهم.

لقد نزل بأمَّةِ الإسلام شدائدُ وكربات ومصائب ومكروهات، وإنَّ المخرَج من ذلك هو التّوبة إلى الله الصادقةُ من كلّ مسلم، والاعتصامُ بالله وكتابه وسنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم.

أيّها الناس، إنَّ البشريّةَ في هذا العصر عصتِ الله وتمرَّدت عليه أكثرَ من أيِّ عصرٍ مضى، فما مِن ذنبٍ أهلك الله به الأممَ الخالية إلا عمِلته البشريّة في هذا العصر، إلا من عصمه الله بالإيمان، فالمخدّرات دمَّرت العالَم، والإنسان ظلَم الإنسان، وشعوبٌ قويّة ظلمَت شعوباً ضعيفة، وحروبٌ مدمِّرة توالَت على البشريّة أهلكتِ الحرثَ والنَّسل، وتفتّقت فيها عقولٌ صنَعت أسلحةَ فتّاكة، هدَّدت الإنسانَ في كلِّ مكان، وظهر الفسوق والعصيانُ وكبائر الذّنوب في العالَم، ويزداد تمرّدُ البشريّة كلَّ يومٍ على ربّها بعظائِمِ الموبِقات وأنواعِ الفواحِش والمنكرات، وارتفَعت صيحاتُ الخطَر التي تحذّر البشريَّةَ من اقترابِهم إلى هاويَة سحيقةٍ مُخيفة بما جنَت يدُ الإنسانِ على أخيه الإنسانِ من الظلم والعدوانِ والقتل التشريد والخَوف والجُوع والتسلّط والجبروت وتدميرِ المرافق والممتلَكات ومحوِ المساكن وبيوت العبادات، ولكنَّ الله عزَّ وجلّ قائمٌ على كلِّ نفس بما كسبت، وسيجازيها بما عمِلت في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: {لَّيْسَ بِأَمَانِيّكُمْ وَلا أَمَانِىّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً } (النساء:123).

وعليكم بالدعاء الخالِص ـ أيّها المسلمون ـ أن يكشفَ الله الكربات عن هذه الأمة، وأن يوفِّق ولاتَها وعلماءَها والمسلمين عامّة لما يحبّ ويرضى، واذكروا في دعائكم أن يحفظَ الله المسلمين والمؤمنين في العراق، وأن يحفظَ شعبَ العراق من ضرَر الحرب، وأن يحفظَ أعراضَهم وأموالَهم، واذكروا في دعائِكم أن يحفظَ المسلمين في فلسطين من شرِّ الصهاينَة الظالمين، وأن يحفظَ أعراضَهم وأموالهم، وأن ييسِّر للمسلمين أرزاقَهم، وأن يؤمِّن روعاتِهم، وأن يستُر عوراتِهم في كلِّ مكان، وأن يخذلَ أعداءَ الإسلام، ويجعَل كيدَهم في نحورهم، ويخالفَ بين كلمتهم، ويكفَّ شرَّهم دائماً، وتحرَّوا أوقاتَ الإجابة، فإنَّ الأمرَ كلَّه لله، فقد وصف النبيّ الفتنَ فقال: (استقبِلوا بالدعاء أمواجَ البلاء)، وفي الحديث: (الدعاء مخُّ العبادة).

عبادَ الله، جدِّدوا التوبةَ في كلِّ وقتٍ وحين، فذلك هو العدّة لكلِّ شدّة.

 

الصفحات | 1 | 2  | 3 | 4  | 5  | 6 | 7 | 8 | 9 |10  | 11 | 12 | 13 | 14| 15 | 16|

  الأولى | العالم هذا الأسبوع | حوارات| تحقيقات| اقتصاد| دراسات| المرصد| متابعات| طب | فتاوى| الكلم الطيب | منابر الدعوة | الأخيرة |  الإنجليزية 

 

الصفحة الثالثة عشرة 

        2

 

خطبة الجمعة من المسجد النبوي

الحذيفي: ابتعاد الإنسان عن نور الوحي أضعف صلته بالله

مكة المكرمة - «العالم الإسلامي»

قال فضيلة الشيخ علي عبدالرحمن الحذيفي، إمام وخطيب المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة، ان المادة أثرت على كثير من النفوس وطغت على حياتها.. فضاق أفقها فأصبحت لا تبصر إلا ما ترى أحداقها. وأظلمت قلوب فأضحت لا تستوعب إلا ما يلامس أبدانها.

وأكد في خطبته ان ابتعاد الإنسان عن نور الوحي، قد أضعفت صلته بالله فاستوحشت النفوس، وقست القلوب وطغت موجات الهلع والاضطراب وظهر الخوف من المستقبل وعلى المستقبل. ودعا فضيلته الى الاستمساك بالإيمان بالله لأن من امتلأ قلبه أيماناً، عرف ملجأه ودواءه وشفاءه... وهنا نص خطبته:

أمَّةَ الإسلام، أمَّةَ الحِكمة والقرآن، أمَّة الهدي الإلهي والسَّنَن المحمَّدي، أمَّتِي، لا زِلنا نتراءَى صلاحَك فنجدُك بعدُ لم ترشُدِي، ويمُدّ إليكِ محبّوكِ حبالَ النجاةِ فلا تتمسّكين، ويُضيء لكِ ناصحوك الشموعَ فلا تُبصِرين ولا تتبصَّرين، تُمسِينَ وتُصبِحِين على فواجعَ وحروبٍ ومواجع وكروبٍ ثمّ لا تتوبين ولا تتذكَّرين.

أيّها المسلمون، أيّها الذين هم بربّهم يؤمنون ويثِقون، إنّما حلَّ ويحِلّ بالأمّة من رزايا وبلايا لهى سياطٌ تسوقُهم إلى حضيرة الإيمان والتوحيد، وتُسلِمهم إلى التعلّق بالعزيز الحميد، وتدفَع بهم إلى التّوبة وخوفِ يومِ الوعيد، {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ } (التوبة:126)، ولكنّها الغفلة.

لقد أثّرتِ المادّة على كثيرٍ من النفوس، وطغت على حياتِها، وضاق أفقُها فأصبَحت لا تُبصِر إلا ما تَرى أحداقُها، وأظلمَت قلوبٌ فأضحَت لا تستوعِب إلا مَا يلامِس أبدانَها. وحين ابتعَد الإنسان عن نورِ الوحي وتاه بصرُه عن التطلّع للسّمَاء وضعُفتِ الصلةُ بالله عندَ ذلك استوحَشتِ النفوس، وقستِ القلوب، وطغَت موجاتٌ من الهلَع والاضطِراب، وظهَر الخوفُ من المستقبَل وعلى المستقبَل، وبدتِ الحَيرَة، وما ذاك إلاّ لذهولِهم عن سببِ حياة القلوبِ وصلاح النفوس، ونسُوا أنَّ فوق تدبيرهم لله تدبيرًا، وله من وراءِ أسبابهم أمرًا وتأثيرًا، والله تعالى خالقُ النفوسِ وعالمٌ بأسباب زكائِها، ومبدعُ القلوبِ وشارعٌ أسبابَ حياتِها، وليستِ الحياة بقوّة الجسمِ أو التزوّد من عرَض الدنيا، بل الحياة حياةُ القلوب، {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا} (الأنعام:122).

لذا كان الإيمانُ بالله سببَ الأمنِ والأمان، الإيمان يجعل الخوفَ من الله وحدَه والأمان ممَّا سواه، {الَّذِينَ يُبَلّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ} (الأحزاب:93). ولهذا أيضاً كانتِ الصدور الجوفاءُ من الإيمان البعيدة من الله مليئةً بالخوفِ والهلَع والجزَع والاضطراب والحَيرة.

وإذا امتلأ القلبُ إيمانًا عرَف صاحبُه ملجَأه ودواءَه ومفزعَه وشِفاءه. إنَّ الحياة قد طُبعَت على كدَر، وقلّما يسلَم الإنسان من خطَر، مصائبُ وأمراض، حوادثُ وأعرَاض، أحزَان وحروبٌ وفتَن، ظلمٌ وبغي، همُوم وغموم، فقرٌ وحَيرة، أسبابٌ تقصم الظهور وتنحِت الصّدور، إلا أنَّ الله تعالى لطيفٌ بعباده رحيم بخلقِه، فتح لهم بابًا يتنفّسون منه الرّحمة، ويزيلون به كدَر الحياة، وتنزِل به على قلوبِهم السكينةُ والطمأنينة، ألا وهو باب الدّعاء.

دعاءُ اللهِ وسؤاله والتضرعُ إليه والانطراح بين يدَيه وتفويض الأمر إليه أمانُ الخائفين وملجَأ المضطرِّين وسلوة المناجين، من الذي لاذَ بجنابِه فما عزَّ؟! ومن الذي فوّضَ أمرَه إليه فما رشد؟! (الدعاء هو العبادة)، وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ} (غافر:60).

كرمُ الباري عظيم، وإحسانُه سبحانَه عميم، {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } (البقرة:186) والدّعاء أكرمُ شيءٍ على الله، وهو طريقٌ إلى الصّبر في سبيل الله، وصدقٌ في اللّجَأ وتفويض الأمر إليه والتوكّل عليه، وبعدٌ عن العجزِ والكسل، وتنعُّمٌ بلذّة المناجاة، فيزدادُ إيمان الداعي ويقوى يقينُه، ويبقى متّصلاً بربّه، وهو عبادةٌ سهلة ميسورَة، تصلح أصلاً في كلِّ زمان ومكانٍ وحال.

الدعاءُ رافع للبلاء دافعٌ للشقاء، قال إبراهيم عليه السلام كما في محكَم التنزيل: {وَأَدْعُو رَبّى عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاء رَبّى شَقِيّا} (مريم:48)، وقال الله سبحانه عن نبيِّه زكريّا عليه السلام: {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيّاً} (مريم:4) فكم من بليّة ومحنةٍ رفعها الله بالدّعاء، ومصيبة كشفَها الله بالدّعاء، وكم من ذَنب ومعصيةٍ غفرَها الله بالدّعاء، وكم من رحمة ونعمةٍ ظاهرة وباطنةٍ استُجلِبت بسبَب الدعاء، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله: (لا يُغني حذَر من قدَر، والدعاءُ ينفَع ممّا نزل وممّا لم ينزِل، وإنَّ البلاء لينزل فيلقاه الدّعاء، فيعْتلِجان إلى يومِ القيامة) رواه الحاكم والطبراني بسند حسن، وله شاهد عند أحمد.

الدعاء قربةُ الأنبياء، {إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِى الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ} (الأنبياء:90)، لا يهلِك مع الدّعاءِ أحد، ولا يخيب من للهِ رجا وقصَد، عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما مِن مسلمٍ يدعو بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعة رحِم إلا أعطاه الله بِها إحدى ثلاث: إمّا أن يعجِّل له دعوتَه، وإمّا أن يدَّخر له، وإمّا أن يكشِف عنه من السوء بمثلَها)، قالوا: إذا نُكثر؟! قال: (اللهُ أكثَر) رواه الإمام أحمد في المسند والبخاري في الأدب المفرد بسند حسن، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي

ولمَّا دعا إبراهيم عليه السلام قال الله تعالى للنار: {كُونِى بَرْداً وَسَلامَا عَلَى إِبْراهِيمَ} (الأنبياء:69)، {وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ } (الأنبياء:76)، {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنّى مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرّ } (الأنبياء:83، 84)، ولمّا نادى ذو النّون في الظلمات جاء الجوابُ من فوقِ السموات فقال الله جل في علاه: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمّ وَكَذلِكَ نُنجِى الْمُؤْمِنِينَ } (الأنبياء:88)، {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبّ لاَ تَذَرْنِى فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} (الأنبياء:89، 90)، وقد ذكَر الله تعالى رحمتَه بزكريّا إذ نادى ربَّه نداء خفياً، فلم يكن بدعاءِ ربّه شقياً، وفي كتابِ الله تعالى أكثرُ من ثلاثمائة آية عن الدعاء.

فيَا من تكالبَت عليه الهموم والغموم، وضاقت عليه الأرضُ بما رحُبت، أينَ أنت من سؤال الله، أينَ أنتَ من سؤال الله ورجائه؟! ويا مَن أرهقته الأمراضُ وأغرقته الديون، أين أنتَ مِن دعاءِ الغنيّ الكريم؟! ويا مَن أثقلته المعاصي والذنوب، أينَ أنتَ مِن غافرِ الذنب وقابل التّوب؟! ويا مَن غشيَه الخوف والقلق، تطلّعْ إلى السّماء فعند الله الفرَج.

هذا هو الدّعاء، فأين السائلون؟! وهذا هو الطريق، فأين السالكون؟!

أمّة الإسلام، لقد مرّ على الأمّة أزمات ومضائقُ وابتلاآت ومآزق، فكان اللجَأ إلى الله هو سبيل النجاة، والله تعالى يبتلي الناسَ لترِقَّ قلوبهم ويلجؤوا إليه بصدقٍ وتضرّع، قال الله تعالى لرسوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِألْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} (الأنعام:42، 43) ولقد كان بعض المشركين الأوائل إذا نابَتهم النوائبُ واشتدَّ عليهم الخطب عرفوا أيَّ بابٍ يطرقون، وأين يلجؤون ويُهرَعون، فدعَوا اللهَ مخلِصين له الدّين، وهذه أمّة الإسلام اليومَ أحوجُ ما تكون إلى ربِّها ولطفِه ونصره وعطفِه، فما الذي تغيَّر من حالِها؟! أينَ الرجوع إلى الله؟! أين سؤالُه ودعاؤه وقصده ورجاؤه؟!

إنَّ للدعاء شروطًا وآدابًا وأحكاما وأسبابًا، ينبغي للمسلم أن يتعلَّمها تأدُّباً مع ربِّه، وتقرّباً لإجابة دعائه وطلبِه، ومنها توحيدُ الله تعالى في الدّعاء في القصدِ والطلب والوسيلة، وهذا بابٌ عظيم جعل الدعاءَ هو العبادة، فكان واجباً أن يُخلَص لله تعالى، وأن يتوجّه العبدُ إليه سبحانَه بالدعاء والمسألة والطّلب والاستغاثة والاستعانَة والاستعاذة والاستِجارة والاستسقاءِ والاستنجادِ والاستغفار وطلَب النُّصرة وتحقيقِ المرغوبِ ودَفع المَرهوب وغُفران الذنوب وهداية القلوب وسدِّ الفاقات وسؤال قَضاء الحاجات ونَيل المَسرَّات وتفريج الكرباتِ وإغاثَة اللّهفات وإزالةِ الغمّة وشفاء المريض وأَمن الطريق والتثبيتِ عند السؤال والأمن يومَ الوعيد والنجاةِ من العذاب الشديد، إلى غيرِ ذلك من أنواعِ الدعاء والمسألةِ ممَّا لا يقدر عليه إلا الله تعالى جلباً لنفعٍ أو دَفعاً لضرّ، وهذا من خالِص حقّ الله سبحانه على العَبد، وهو توحيدٌ من العبد لربّه في الدّعاء؛ لأنَّ الله سبحانه لا تأخذه سنةٌ ولا نوم، وهو وحدَه الذي يسمَع دعاءَ الداعين أينما كانوا، وبأيِّ لغةٍ تكلّموا، لا يشغله سمعٌ عن سمع، ولا يتبرّم بكثرةِ الداعين وإلحاحِ الملحّين، هو سبحانه الذي لا تشتبِه عليه الأصوات، ولا تختلِف عليه الحاجات، يعلمُ ما في الضمائر وما تنطوِي عليه السرائر، وهو سبحانَه الذي ينفَع ويضرّ على الحقيقة دون أحدٍ من الخلائق.

 

الصفحات | 1 | 2  | 3 | 4  | 5  | 6 | 7 | 8 | 9 |10  | 11 | 12 | 13 | 14| 15 | 16|

  الأولى | العالم هذا الأسبوع | حوارات| تحقيقات| اقتصاد| دراسات| المرصد| متابعات| طب | فتاوى| الكلم الطيب | منابر الدعوة | الأخيرة |  الإنجليزية 

 

الصفحة الثالثة عشرة 

        3

 

خطبة الجمعة من المسجد الأقصى

القدس المحتلة - انترنت

● قال الشيخ عكرمة صبري، مفتي القدس وإمام وخطيب المسجد الأقصى المبارك، ان العالم الإسلامي بعيد عن مقومات العزة والكرامة والوحدة.. فيما قوى الشر والظلم والعدوان تمعن في طغيانها وغطرستها وعدوانها.

وبين في خطبته ان الحملة الصليبية الجديدة تستهدف إعادة السيطرة والاستعمار في منطقة الشرق الأوسط لخدمة المصالح الاستعمارية، موضحاً ان الصراع بين الحق والباطل مستمر على وجه الأرض الى قيام الساعة.. إلا أن الإسلام يتجدد وقافلة التوحيد تمضي والذئاب تعوي، وأنه لن يضر السحاب نبح الكلاب.. وهنا نص خطبته:

نرى عالمنا الإسلامي اليوم بعيداً كلَّ البعد عن كلّ مقومات العزة والكرامة والوحدة، التي أكّد عليها إسلامنا العظيم ورسولنا الكريم، وفي نفس الوقت نرى قوى الشر والظلم والعدوان تمعن في طغيانها وغطرستها وعدوانها كما كانت قريش، وكما كانت دولتا الفرس والروم قوى ظالمة أخذتهما العزة بالإثم، وحسبتا أن الدنيا تدوم لهم، وكذا قوم عاد من قبلهم، قال الله تبارك وتعالى عنهم: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُواْ فِى الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُواْ بـآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ } (فصلت:15) فماذا كانت النتيجة أيها المؤمنون؟ اسمعوا ماذا قال الله تبارك وتعالى عنهم: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِى أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْىِ فِى الْحَيَواةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ} (فصلت:16) قوم اغتروا بقوتهم وقوة أجسامهم، وأعداء الأمة اليوم اغتروا بقوتهم وتطوّرِ أسلحتهم، وأنتم تسمعونهم ليلاً ونهاراً يقولون: من أشد منا قوة؟!

أيها المؤمنون، ها هي الحملة الصليبية الجديدة التي تتزعمها أمريكا وبريطانيا، وهي لا تستهدف العراق وحده، وإنما تستهدف إعادة السيطرة والاستعمار في منطقة الشرق الأوسط ومنطقة الخليج العربي ومنطقة الجزيرة العربية، إن أهداف الحملة الصليبية وكما وردت على لسان زعمائهم ووسائل إعلامهم هي كما يلي:

أولاً: السيطرة على منابع النفط، ووضع كل الأنظمة العربية ومصادر ثروتها وطاقاتها تحت رحمة المستعمرين الجدد، وتسخير الشعوب في هذه الدول لخدمة المصالح الاستعمارية.

ثانياً: إحداث تغيير جذري في الثقافات والمفاهيم السائدة في المنطقة باسم الديمقراطية، ولتحقيق هذا الهدف فإن أمريكا وبريطانيا ستعملان على تغيير المناهج التربوية والتعليمية والثقافية لإبعاد الأمة عن دينها وتطبيق مبدأ العلمانية، كما فعلوا في تركيا اليوم.

ثالثاً: بسط السيطرة الإسرائيلية على المنطقة لتحقيق الحلم الصهيوني، فالسيطرة ليست هي سيطرة عسكرية فقط، بل سيطرة اقتصادية ومالية وثقافية.

أيها المؤمنون، إن المؤامرة على الإسلام والمسلمين لن تتوقف عند إسقاط العراق واحتلال أراضيه وبسط السيطرة على منابع النفط فيه، إن الحملة الصليبية الجديدة تستهدف أيضاً ضرب الدول بعضها ببعض وتقسيمها وتفتيت عالمنا الإسلامي، ها هو شعبنا الفلسطيني يذبح كل يوم تحت مرأى ومسمع زعماء العالم، وها هي المذابح والمجازر ترتكب يومياً في أرضنا المقدسة، وها هو مؤتمر القمة العربي قد انعقد وانتهى، فماذا فعل حكامكم لحل قضيتكم؟!

ها هى تصريحات المسؤولين اليهود تتحدث عن السماح لليهود بالصلاة في المسجد الأقصى، فماذا كان ردّ زعمائكم؟ ألم يدركوا بعدُ أن المسجد الأقصى هو جزء من عقيدة المسلمين، وأن الله تبارك وتعالى أوجده للمسلمين وحدهم، ولا يحق لغيرهم التدخل بشؤونه؟! ومن هنا فإن جميع المسلمين في الأرض قاطبة لا ولن يقبلوا ولن يسكتوا أبدًا إزاء هذا التدخل السافر في شؤون المسجد الأقصى، ومن هنا فإننا نناشد المسلمين جميعاً الالتفاف حول مسجدهم لحمايته من المخاطر التي تتهدده، فأنتم ـ أيها المسلمون ـ مرابطون في هذه الديار، وقد اختاركم الله تبارك وتعالى لرعاية وحماية مسجده، فكونوا أوفياء لهذه المهمة الإلهية، كونوا السدنة الأمناء لما كلفكم الله تبارك وتعالى به، اللهم احفظ المسجد الأقصى من كيد الكائدين، وطهره من رجس الكافرين، واجعلنا فيه من جندك المرابطين إلى يوم الدين، اللهم اجعله عامراً بالإسلام والمسلمين يا رب العالمين. عباد الله، ورد في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من رواية الصحابي الجليل أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان). إن الصراع بين الحق والباطل مستمر على وجه الأرض، من يوم قتل قابيل أخاه هابيل، إلى أن ينفخ في الصور يوم القيامة.

وقافلة التوحيد تمضي، وقافلة الإسلام تسير، والذئاب تعوي، ولكن لن يضرّ السحاب نبح الكلاب.

إن الإسلام يتجدّد، ولكنه لا يتبدّد، لماذا؟ لأنه دين الله تبارك وتعالى، والله حيّ لا يموت، ويدخل نبينا وصاحبه الغار، وربنا تبارك وتعالى يقول: {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} (التوبة:40)، فلا تحزنوا أيها المؤمنون جميعاً في مشارق الأرض ومغاربها، لأن الله تبارك وتعالى معنا، {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِىَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة:40)، وعناية الله تبارك وتعالى تحفظ الرسول وصاحبه.

إنها عناية الله تبارك وتعالى التي تحمي من يسير في ركابه، إن الحرب ليست حرباً سياسية كما يزعم قصار النظر، إن الحرب بيننا وبين الباطل حرب عقائدية، فالأمة ليست في حاجة إلى تسلية، وإنما في حاجة إلى توعية، الأمة في حاجة إلى توجيه، وليست في حاجة إلى ترفيه.

فكفى لهواً أيها المؤمنون، وتعالوا نستلهم العبر من هذه الذكرى الشريفة، فيا من تحاربون الإسلام، إنكم في الحقيقة تحاربون أنفسكم، فمتى مات الإسلام؟! الإسلام لم يمت، الإسلام قادم. إنكم تحاولون أن تثيروا التراب على السماء، ولكنكم تثيرون التراب على أنفسكم، وستبقى السماء هي السماء، ضاحكة السن بسّامة المحيَّا.

أيها المؤمنون، ماذا ستفعل قوى الأرض جميعاً؟ ماذا ستفعل أساطيل أمريكا؟ ماذا ستفعل الصواريخ العابرة للقارات؟ ماذا ستفعل طائرات إنجلترا؟ ماذا ستصنع الدبابات؟ ماذا تنفع أسلحة ألمانيا؟

ماذا سيفعلون أمام قوة الله تبارك وتعالى؟ إنهم لن يستطيعوا أن يقفوا أمام من يقول للشيء: "كن" فيكون، {إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} (آل عمران:120)، وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ {فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ} (النمل:50، 51).

 

الصفحات | 1 | 2  | 3 | 4  | 5  | 6 | 7 | 8 | 9 |10  | 11 | 12 | 13 | 14| 15 | 16|

  الأولى | العالم هذا الأسبوع | حوارات| تحقيقات| اقتصاد| دراسات| المرصد| متابعات| طب | فتاوى| الكلم الطيب | منابر الدعوة | الأخيرة |  الإنجليزية