العدد 1839- الإثنين 14 ربيع الأول 1425 هـ إسلامية-أسبوعية- جامعة NO 1839 MON 14 Rabi I 1425H 03 May 2004
الصفحة التاسعة
1
«العالم الإسلامي» ترصد
زيارة الأمين العام لسورية
الزيارة اكتسبت أهمية كبيرة وأسست قاعدة متينة للتعاون بين
الرابطة والمؤسسات الإسلامية في سورية
سورية استقبلت وفد الرابطة ممثلة في أعلى قياداتها السياسية
والدينية
الجميع أثنى على جهود الرابطة في خدمة قضايا الأمة والدفاع
عنها
الأمين العام يؤكد مضي الرابطة في الذود عن سمعة الإسلام
ومواجهة الأباطيل التي تُروج عن المسلمين
دمشق ـ شاكر العدواني
● شهد الأسبوعان الماضيان،
اللذان اختتم فيهما معالي الأمين العام للرابطة الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن
التركي زيارتين مهمتين لكل من جمهورية سورية ولبنان، لقاءات وجولات مكثفة مع عدد
من كبار المسؤولين في الدولتين، وعدد من المؤسسات والجمعيات الإسلامية والتعليمية
الـتي حرص معاليه على الاطلاع على نشاطاتها وجهودها لخدمة مجتمعها.
كما كان للقاءات الدكتور التركي بعدد كبير من كبار
المسؤولين وقادة هذه الدول، دور في تركيز الأضواء على رابطة العالم الإسلامي، وما
تقوم به من جهود مقدرة لخدمة قضايا الأمة الإسلامية، وفي إرساء قواعد متينة للحوار
مع الآخرين، وفي تعريف العالم بالإسلام عقيدة وأمة في ظل الهجمة الشرسة التي يتعرض
لها الإسلام والمسلمون.
ونقل معالي الأمين العام أثناء زيارته لكل من سورية ولبنان
صورة واضحة لما يمكن أن يكون عليه التعاون والتنسيق بين الرابطة وبعض المؤسسات
والجمعيات في الدولتين.
وكان فخامة الرئيس السوري بشار حافظ الأسد قد استقبل في قصر
الرئاسة معالي الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي، الأمين العام لرابطة العالم
الإسلامي، والوفد المرافق له من العلماء والمشاركين في ندوة التجديد في الإسلام.
وقد رحب فخامة الرئيس بشار الأسد في بداية اللقاء بمعالي
الدكتور التركي وأثنى على الجهود التي تقوم بها رابطة العالم الإسلامي في خدمة
القضايا الإسلامية والدفاع عنها في المحافل الدولية. وعبر فخامته عن تقديره
للانجازات التي حققتها الرابطة في نشر الدعوة الإسلامية واسهامها الواضح في فتح
باب الحوار مع الطرف الآخر بهدف نقل الصورة الواضحة والحقيقية عن الإسلام
والمسلمين بفضل الدعم الكريم الذي تلقاه الرابطة من حكومة المملكة العربية
السعودية.
من جانبه أعرب معالي الدكتور التركي عن شكره لفخامة الرئيس
بشار الأسد وقدم شرحاً لفخامته عن المهام التي تقوم بها الرابطة وخاصة فيما يتعلق
بتعزيز التعاون مع الهيئات والمنظمات الإسلامية المتخصصة بالعمل على جمع كلمة
المسلمين والاستمرار في تقديم صورة واضحة عن المباديء والقيم الإسلامية النبيلة
للعالم.
ونوه الدكتور التركي بالدعم الكبير الذي تقدمه حكومة خادم
الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود وسمو ولي عهده الأمير عبدالله بن
عبدالعزيز آل سعود لرابطة العالم الإسلامي، مما مكنها من أداء رسالتها السامية في
خدمة الإسلام ورعاية مصالح المسلمين في العالم.
كما استقبل نائب رئيس الجمهورية السيد عبدالحليم خدام معالي
الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي أثناءزيارته لسورية حيث رحب نائب رئيس
الجمهورية السورية في بداية اللقاء بالدكتور التركي وأثنى على الجهود التي تقوم
بها رابطة العالم الإسلامي في خدمة القضايا الإسلامية والدفاع عنها في المحافل
الدولية.
وعبر خدام عن تقديره للإنجازات التي حققتها الرابطة في نشر
الدعوة الإسلامية وإسهامها الواضح في فتح باب الحوار مع الطرف الآخر، بهدف نقل
الصورة الحقيقية والواضحة عن الإسلام والمسلمين.
ومن جانبه أعرب د. التركي عن شكره لفخامة نائب رئيس الجمهورية
السورية وعن ما يلقاه وفد الرابطة من حفاوة وتكريم وحسن استقبال.
وأوضح معاليه خلال المقابلة أن رابطة العالم الإسلامي تمثل
الشعوب والأقليات الإسلامية في جميع أنحاء العالم، وتتعاون مع الحكومات والمؤسسات
الرسمية بالعمل على جمع كلمة المسلمين، مؤكداً أن الأمة الإسلامية في أشد الحاجة
لمواجهة التحديات وتوضيح الصورة الحقيقية للإسلام الذي هو دين محبة ورحمة وسلام
وتسامح.
ونوه د. التركي بالدور الذي تقوم به الجمهورية السورية في
خدمة الإسلام والمسلمين مؤكداً استعداد الرابطة في التعاون مع المؤسسات والجمعيات
في سورية لما فيه خدمة الإسلام والمسلمين.
وأثناء زيارته لسورية قام الدكتور التركي بزيارة لمعالي
وزير الأوقاف السوري محمد عبدالرؤوف زيادة بمكتبه بمقر الوزارة بدمشق.
وقد أشاد الوزير السوري بالجهود المتميزة التي تقوم بها
الرابطة في نشر الإسلام الصحيح بالحكمة والموعظة الحسنة، والدور الذي تقوم به
الرابطة في خدمة قضايا الإسلام والمسلمين في جميع أنحاء العالم، وحرص الرابطة على
وحدة المسلمين وجمع كلمتهم انطلاقاً من قوله تعالى {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا
تفرقوا}.
ثم قدم الوزير السوري شرحاً عن مناشط وزارة الأوقاف السورية
ومدى تعاونها مع مثيلاتها في الدول الإسلامية ومع المؤسسات والمنظمات الإسلامية،
مؤكداً حرص الوزارة على التعاون مع رابطة العالم الإسلامي.
من جانبه أكد معالي الدكتور التركي استعداد الرابطة في
التعاون مع وزارة الأوقاف والمؤسسات في سورية لخدمة الإسلام والمسلمين.
مبيناً أن رابطة العالم الإسلامي تمثل الشعوب والأقليات
المسلمة وهي تتعاون مع الحكومات والمؤسسات.
وضمن برنامج زيارته لعدد من المؤسسات الإسلامية قام الأمين
العام لرابطة العالم الإسلامي بزيارة لمدينة طرطوس السورية حيث كان في استقباله
معاون وزير الأوقاف السوري د. محمد عبدالستار السيد وعميد كلية الشريعة الدكتور
عبدالرحمن الصابوني ومدير المعهد الإسلامي الدكتور حسام فرفور.
وقد رحب معاون وزير الأوقاف بمعاليه والوفد المرافق وشكره
على هذه الزيارة وقدم شرحاً عن مدينة طرطوس وما تتميز به، كما نوه بالجهود التي
تقوم بها الرابطة في دعم القضايا الإسلامية خدمة للإسلام والمسلمين.
عقد ذلك التقى الدكتور التركي بعدد من العلماء وأئمة
المساجد وطلاب العلم وذلك بجامع السيدة خديجة بمدينة طرطوس حيث ألقى معاليه كلمة
تحدث فيها عن أهداف رابطة العالم الإسلامي ومجالسها وبرامجها موضحاً أن الرابطة
تمثل الشعوب والأقليات الإسلامية في جميع أنحاء العالم، مشيراً إلى ما تقوم به من
مناشط في مجال نشر الدعوة الإسلامية ونقل الصورة الحقيقية للإسلام والتعريف
بمحاسنه، والرد على من يصفونه بأنه دين التطرف والغلو والإرهاب.
وحث معاليه الجميع على التمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى
الله عليه وسلم والابتعاد عن كل ما يثير الفتن والتعصب بين المسلمين والحرص على لم
الشمل ونبذ الخلافات التي تؤدي إلى تفكك وحدة الصف وجمع الكلمة مؤكداً حاجة الأمة
الإسلامية اليوم إلى التماسك والتكاتف والتعاون للوقوف ضد أعداء الإسلام.
وفي إطار جولاته المتعددة ضمن برنامج زيارته لسورية قام
الدكتور التركي بزيارة لمجمع أبي النور بدمشق، حيث كان في استقبال معاليه مدير
المجمع الشيخ صلاح الدين كفتارو وعدد من العلماء وأعضاء هيئة التدريس بالمجمع.
واستمع معاليه إلى شرح مفصل عن مناشط المجمع وأقسامه وكلياته من قبل مدير المجمع
الذي أوضح أن المجمع يضم أربع كليات إسلامية وقسماً للدراسات العليا ومعهداً
لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها.
إضافة إلى المراحل الدراسية الإعدادية والثانوية الشرعية،
وأوضح مدير مجمع أبي النور الشيخ صلاح الدين كفتارو أن المجمع يضم 8000 طالب
وطالبة منهم 1000 طالب وطالبة يمثلون 60 جنسية من أنحاء العالم، كما يكفل المجمع
1200 يتيم ويتيمة ويقوم بتنظيم المئات من حلقات العلم إضافة إلى الندوات والدورات.
عقب ذلك قام معالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي
بجولة على المجمع شملت المكتبة الرقمية والانترنت وقاعات المحاضرات والمكتبة
العامة وعدداً من الفصول الدراسية.
والتقى معاليه بالطلاب وحثهم على الاستفادة من هذا المجمع
الذي يقوم بعمل عظيم في تربية النشء وتعليمهم أحكام دينهم وأوصاهم أن يكون أمامهم
هدف محدد وهو أن يكونوا على بينة من أمرهم فيما يتعلق بالدين من عبادة وعقيدة،
مؤكداً أن الشريعة الإسلامية سمحة وميسرة ومنضبطة بضوابط شرعية إلهية. كما أكد
معاليه أن الأمة الإسلامية والمجتمعات المسلمة اليوم في أشد الحاجة إلى التربية
الإسلامية الصحيحة القائمة على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
كما قام د. التركي بزيارة لمعهد جمعية الفتح الإسلامي بدمشق
وكان في استقباله رئيس الجمعية الشيخ عبدالرزاق الحلبي ومدير المعهد ومفتي دمشق
الشيخ الدكتور عبدالفتاح البزم ونائب رئيس الجمعية الدكتور حسام فرفور.
وقد استمع معاليه إلى شرح مفصل عن المعهد وأقسامه وتخصصاته
والشهادات التي يمنحها لطلابه وإثر ذلك التقى معاليه بطلاب المعهد وحثهم على إخلاص
النية لحمل هذه الرسالة وهذا الدين الذي أنزل رحمة للعالمين، موضحاً أن أمانة
العلم أمانة عظيمة ومسؤولية جسيمة وأن طلاب العلم هم حراس هذا الدين وينبغي عليهم
اتباع منهاج السلف الصالح في هذه الأمة وأن يتحروا الدقة في الفتوى وأن لا يفتوا
بدون علم أو معرفة.
وبين د. التركي أن الهدف من العلم هو حمل الرسالة الإسلامية
وأن مهمة طالب العلم مهمة جليلة فهو الذي يدافع عن هذا الدين ويرد على الشبهات
ويجادل بالتي هي أحسن ويدعو إلى الخير وينهى عن الشر ويأمر بالمعروف وينهى عن
المنكر.
وضمن اجتماعاته مع المسؤولين في المؤسسات التعليمية السورية
التقى معالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي ورئيس مجلس رابطة الجامعات
الإسلامية الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي مدير جامعة القلمون بدمشق الدكتور
موفق دعبول وقد جرى خلال اللقاء بحث ومناقشة العديد من الموضوعات المتعلقة بتفعيل
نشاطات الجامعات لخدمة القضايا الإسلامية والدفاع عنها والتأكيد على أهمية التعاون
والتنسيق بين الجامعات والمؤسسات والمراكز العلمية للنهوض بالثقافة الإسلامية.
وقد نوه الدكتور دعبول بجهود رابطة العالم الإسلامي ودعمها
للجامعات الإسلامية والدراسات والبحوث الإسلامية وعقدها للملتقيات والندوات
والمؤتمرات الثقافية التي تتحقق من خلالها معالجة القضايا الفكرية والثقافية التي
تتعلق باهتمام الأجيال والحفاظ على الحضارة الإسلامية.
الصفحة التاسعة
2
د. التركي في محاضرة عن الاجتهاد
الاختلاف الناتج عن الاجتهاد فيه توسعة على الناس ورحمة
بالأمة
قواعد العلماء في ضبط الاجتهاد والفتوى تضع حداً فاصلاً بين
الأدعياء والأكفياء
● ضمن فعاليات الملتقى الإسلامي
الأول في مكتبة الأسد، والذي أقيم بقاعة القدس بمجمع الشيخ أحمد كفتارو بالعاصمة
السورية دمشق، قدم معالي الأمين العام للرابطة الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن
التركي، محاضرة بعنوان «الاجتهاد ـ حقيقته، ضوابطه، آدابه» أمّها عدد كبير من
الجمهور، وحضرها عدد من كبار الشخصيات الإسلامية والرسمية في سورية.
وقال د. التركي في محاضرته أن الفقه الإسلامي مرَّ في
تاريخه بعدة أطوار من طور النشأة والتأسيس، إلى النمو والازدهار، إلى طور التلخيص
والاستقرار، إلى الركود والجمود بعد القرن الخامس للهجرة.
وأبان الأمين العام أن الخلاف في الفروع الفقهية ظاهرة صحية
ولا يحسن التبرم منه لأن الاجتهاد والاختلاف الناتج عنه، فيه توسعة على الناس،
ورحمة بالأمة. موضحاً أن المذاهب الفقهية التي استقر الناس عليها في أمصار الإسلام
في الفتوى والتعليم والقضاء، إنما تكونت من سياق محاولة حصر الخلاف بين المجتهدين
في نطاق يسهلُ على الناس حفظ الفقه والعمل به.. مشيراً إلى أنه ينبغي النظر إلى
أئمة المذاهب ومدارسها، وما أنتجته من ثروة فقهية زاخرة، نظرة تقدير واكبار.
وأوضح أن تقليد العامة لبعض تلك المذاهب ضرورة لابد منها
لحسم الفوضى الفقهية ولم يكن ذلك التقليد ديناً ملزماً.
وهـنا نص محاضرة معاليه:
لقد مر الفقه الإسلامي في تاريخه بعدة أطوار، من طور النشأة
والتأسيس، إلى طور النمو والازدهار، إلى طور التلخيص والاستقرار، إلى طور الركود
والجمود، وذلك بعد القرن الخامس للهجرة؛ حين أخلدت الأمة في الجملة بعلمائها
وعامتها إلى التقليد المطلق لمن سبق من الأئمة المجتهدين، وربما كان للذين أوصدوا
باب الاجتهاد وجه من الحجة في حسم دابر الفوضى والتقليد من الخلاف في الفروع، إلا
أن آثاره السلبية امتدت إلى عدة قرون، إلى أن ظهرت صحوة جديدة ويقظة عامة في
العالم الإسلامي منذ ما يزيد على القرن من الزمان، انبعثت لها الهمم والمواهب
الفكرية الإسلامية من خمودها، وشهد عصرنا الحاضر جهوداً مشكورة مبرورة لا تُنكَر،
في التبصير بمكانة الاجتهاد في الإسلام، وضرورة إحيائه في الأمة، للفتوى في قضايا
كل عصر من العصور، وتمييز الثابت من المتغير في التشريع الإسلامي، خاصة وأن عصرنا
مشحون بالقضايا الجديدة والمتجددة، والأوضاع الاستثنائية التي تعيشها أمتنا، في
الداخل وفي علاقاتها الخارجية على سواء.
فالاجتهاد في القضايا الجديدة التي تعرض للأمة بأفرادها وجماعاتها
لا بد منه، وهو دليل على مرونة التشريع وجِدَّة الفقه الإسلامي واستجابته لمتطلبات
كل عصر وقضاياه، قال العلامة الشاطبي: إن الوقائع في الوجود لا تنحصر، فلا يصح
دخولها تحت الأدلة المنحصرة، ولذلك احتيج إلى فتح باب الاجتهاد من القياس وغيره،
فلابد من حدوث وقائع لا تكون منصوصاً على حكمها، ولا يوجد للأولين فيها اجتهاد،
وعند ذلك فإما أن يُترك الناس فيها مع أهوائهم، أو يُنظر فيها بغير اجتهاد شرعي،
وهو أيضاً اتباع للهوى، وذلك كله فساد... فإذاً لا بد من الاجتهاد في كل زمان، لأن
الوقائع المفروضة لا تختص بزمان دون زمان. أيها الإخوة الكرام:
إن مشروعية الاجتهاد في الإسلام تقتضي النظر إلى الخلاف بين
العلماء، وفق الموازين الآتية:
أولاً: أن الخلاف في الفروع الفقهية ظاهرة صحية، فلا
يَحسُنُ التبرمُ به، خاصة وأنه ظهر في زمن الصحابة رضي الله عنهم، وهم أفضل الأمة،
قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: ما أحب أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم
يختلفوا؛ لأنه لو كان قولاً واحداً كان الناس في ضيق.
ومعنى ذلك أن الاختلاف الناتج عن الاجتهاد، فيه توسعة على
الناس ورحمة بالأمة.
ثانياً: أن المذاهب الفقهية التي استقر عليها الناس في أمصار
الإسلام، في الفتوى والتعليم والقضاء، إنما تكونت في سياق محاولة حصر الخلاف بين
المجتهدين في نطاق يسهلُ على الناس حفظُ الفقه والعمل به، ولذلك ينبغي النظر إلى
أئمة هذه المذاهب ومدارسها وما أنتجته من ثروة فقهية زاخرة، نظرةَ تقدير وإكبار،
وأن تقليد العامة لبعض تلك المذاهب وإن لم يكن ديناً ملزماً، فإنه ضرورة لا بد
منها لحسم الفوضى الفقهية.
ثالثاً: أن هناك أدباً بين المختلفين أَسَّس سلفُ هذه الأمة
قواعده وأصوله، وساروا عليها أحسن سير، إلى أن ظهر التعصب المذهبي والمفاضلة بين
أئمته، فوقعت واقعات ينبغي دفنها الآن في طيات التاريخ، والعودةُ إلى إحياء ذلك
الأدب الجمّ الذي سار عليه سلفنا الصالح رضوان الله عليهم، فإنهم كانوا يتناظرون
ويتراجعون ويتباحثون في المسائل التي يختلفون عليها، من دون أن ينقص ذلك من توادهم
وتراحمهم وتعاطفهم شيئاً، ما داموا معتصمين بحبل الله جميعاً.
رابعاً: أن من الخلاف ما هو مقبول ومنه ما هو مردود، وأن
الخلاف المقبول ينحصر في نطاق الفروع العملية، حيث لا يكون المخالف قاصداً إليه،
بل تفرضه الضرورة الاجتهادية في نتائجها، وينتهي بالمختلفين إلى مخطئ ومصيب، وأما
الخلاف المردود فهو الذي ينشأ عن اتباع الأهواء والآراء المجردة عن القواعد
والضوابط الشرعية، فإن هذا الخلاف لا ضرورة إليه، فلا خير فيه للمسلمين. وقد ميز
العلماء بين الرأي الذي ذمه السلف وحذّروا من انتحاله وهو الرأي الحر الذي لا
ينضبط، وبين الرأي المحمود الذي ارتضوه وعملوا به، وهو الرأي المستند إلى معقول
النصوص ومعانيها، وإذا كان كذلك، فليس كل رأي يذهب إليه ذاهب أو يقول به قائل،
خليقاً بالاعتبار والاحترام، وإن توحيد الأمة المسلمة، ولـمّ شملها، وتقوية شوكتها
في مواجهة التحديات التي تجاهها، لن يتم مع دعم الاختلافات التي لا مبرر لها إلا
اتباعُ الأهواء، والشذوذ والآراء.
ومن الخلاف الذي لا يجوز إقراره ما كان متعلقاً بأصول الدين
وكليات الشريعة، فإنها من القطعيات، التي يكون الخلاف فيها دائراً بين حق وضلال،
وهو معنى التفرقة التي دل عليها قول الله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا
تفرقوا{، إلى قوله: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات}
آل عمران: 103-104، وقوله: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء}
الأنعام: 159، وقوله: {أن أقيموا الدين ولا تتفرَّقوا فيه} الشورى: 13. فوحدة
الأمة المسلمة في أصول الدين تقتضي الاعتصام بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه
وسلم، وعدم الخروج على إجماع الصحابة والتابعين، وأئمة الهدى من بعدهم، الذين
يمثلون جيل القدوة والأسوة والإطار المرجعي لعامة الأمة.
أيها الإخوة:
ينبغي أن ننظر إلى الاجتهاد والفتوى على أنه أمانة من أعظم
الأمانات المنوطة بذمة الأمة، فكما نجد الباب مُشرعاً لاجتهاد المجتهدين، ليكون
ذلك سبيلاً إلى الثراء والغناء الفقهي، ودليلاً على شمول الشريعة للأزمنة والأمكنة
والأحوال، وميزةً للإسلام في تقديره للعلماء، فإننا ذات الوقت نجد تحذيراً شديداً
من العبث بأحكام الشرع عن طريق الممارسة السيئة للاجتهاد والتصرف المتسيب بالفتوى
في النوازل، فإن الفوضى إذا تطرقت على التشريع أوقعت الأمةَ في جدل لا ينقطع،
وأذهبت هيبة الشريعة من صدور الناس، وأبعدتها عن صبغتها الربانية في مصدرها وفي
أهدافها ومقاصدها، فإن تفوُّق الشريعة الإسلامية وسموها على غيرها، إنما يكمن في
كونها جاءت من عند الله تعالى، وفي كون العمل بها إنما يراد منه امتثالُ أمره
والخضوعُ لحكمه؛ ليتفق قصد المكلف في العمل مع قصد الشارع في التشريع، وذلك يقتضي
أن لا يكون للإنسان فيها مدخلٌ إلا من جهة الفهم السليم لنصوصها، والتفريع على
أصولها، والتنزيل الصحيح لأحكامها على الوقائع والحوادث.
ومن هنا تبرز أهمية القواعد التي قعَّدها علماء الأصول في
ضبط الاجتهاد والفتوى، فإنها تضع حداً فاصلاً بين الأدعياء والأكفياء في هذا
المجال، وتميز الاجتهاد الصحيح السليم من الاجتهاد العليل السقيم. وليس من الإنصاف
في الحكم، ولا من العدل في القول أن يُنظر على تلك القواعد نظراً شَزَراً، على
ظنِّ أنها قيودٌ تشُل الحركة الفقهية، وتَحرم الأمة من مباشرة حقها في الاستنباط.
والحقيقة أن قواعد أصول الفقه، سواء منها ما يتعلق بتفسير النصوص أم ما يتعلق
بالاجتهاد بالرأي، إنما قعَّدها العلماء على ضوء نصوص الشريعة ذاتها، مع معونة
اللغة العربية ودلائل المعقول، فهي مستندة إلى أدلة قوية متينة ليس من السهل
زعزعتها.
ولا شك أن الاجتهاد الذي لا يتأتَّى إلا من الصفوة الراسخة
في العلم، يتأثر بالزمان وأوضاع الأمة العامة، فليست فترات الضعف والتراجع
والانحطاط، كعهود الازدهار والتألُّق. وزماننا هذا الذي تمر فيه الأمة بمرحلة من
أحرج المراحل في تاريخها، تنعكس أوضاعه العامة وتداعياتها أيضاً على العلم
والعلماء، فهناك ضعف وقصور في المستويات العملية، وهناك تضاءلٌ في عدد حَمَلَةِ
الشريعة ورجالها الراسخين، وإذا لم يُستدرك هذا النقص النوعي في الكم والكيف، من
خلال دعم المعاهد الشرعية والجامعات الإسلامية وكليات الشريعة، فسيتخذ الناسُ
لدينهم رؤوساً جهالاً، كما جاء في الحديث، فيفتونهم بمقتضى الأهواء والجهالات،
فيقع الضلال والإضلال والفتن والتهارج، وهذا ما نشهد اليوم بعض ويلاته.
وينبغي أيضا أن تتضافر الجهود في بحث القضايا العامة التي
تتصل بمصالح الأمة الجماعية، وأن يتم تناولُها بدراسة شاملة وعميقة، ثم تداوُلها
عبر المجامع الفقهية وهيئات البحوث والإفتاء، ليكون الاجتهاد فيها جماعياً، فليس
من الحكمة ولا من الصواب في شيء الاعتمادُ فيها على الفتاوى الفردية، فإن الشورى
فريضة إسلامية ثابتة، وهي في حق العلماء أوجب وألزم، نظراً لأن الرأي الجماعي لا
يتم إلا بالمراجعة والتداول، قال تعالى في وصف المؤمنين: {وأمرهم شورى بينهم}
الشورى: 38.
إضافة إلى ذلك إننا نعيش في عصرنا هذا واقعاً دولياً
متشابكاً، تتداخل فيه الأمة الإسلامية مع غيرها تداخلاً متعدد الأشكال والأنماط،
وهذا التداخل في العلاقات وفي التعامل يفرض على العلماء أن يتعاونوا وينسقوا
جهودهم، كما يفرض على مؤسسات الإفتاء أن تتعاون في بحث الفتوى المناسبة لقضاياه ومشكلاته،
ومن ذلك إبراز الوجه الشرعي لتفاصيل العلاقات الدولية التي تربط المسلمين بغيرهم
في مختلف التعاملات، وكذلك ضبط قواعد التعامل بين المسلمين وبين غيرهم، بما يضمن
التعايش السلمي الآمن، وفي الوقت نفسه يحفظ الهوية الإسلامية الفردية والجماعية من
الذوبان والمسخ، وكذلك إبراز الوجه الشرعي لقضايا حقوق الإنسان والمرأة المسلمة،
وأوضاع المسلمين المقيمين في المجتمعات غير المسلمة والعكس... ونحو ذلك.
وفي الختام، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعاً لما
يحبه ويرضاه، وأن يلهمنا الصواب فيما نقول ونعمل، فإنه ولي ذلك والقادر عليه.