كيف نصل إلى الشبيبة؟.. لا نزال في بيوتنا ومدارسنا ووسائل إعلامنا وتنظيماتنا وأجهزة صناعة القرار في بلادنا، أو لايزال معظمنا، يعتمد على أسلوب يريد من خلاله فرض التوجيه والإرشاد فرضا من جهة، وانتزاع الطاعة والانقياد انتزاعاً من جهة أخرى، فهذا طرف يقول إنه يعطي مما لديه من علم وخبرة، يخولانه مهمة العطاء، وذاك طرف عليه أن يتلقى ويتقبل نظراً إلى انخفاض مستوى علمه ومعرفته وقلة خبرته. وقد تبدو هذه المعادلة للوهلة الأولى سليمة لا غبار عليها، إلا أننا بقليل من التأمل ومحاسبة النفس نكتشف أن كلمات التوجيه والارشاد وكذلك الانقياد والطاعة، وحتى كلمات العلم والخبرة، فقدت قسطاً كبيراً من مدلولاتها الأصلية، ومن المفاهيم التي رسخها الإسلام من خلالها لتكوين مجتمع راشد قائم على علاقات متوازنة نافعة بناءة. إن التوجيه يفقد قيمته ما لم يتضمن استيعاب الطرف الآخر كما هو أولاً وليس كما نتمنى أن يكون.. فهل استوعبنا الشبيبة حقاً، من أبنائنا، وهل عرفنا حقا ما لديهم من طاقات وطموح، أو خيالات وجنوح، ومن قدرة ومؤهلات على العطاء والبناء، أو ما يعتلج لديهم من أفكار وتساؤلات وأحاسيس واعتراضات علنية أو حبيسة الكتمان؟.. وإن الارشاد لا يحقق مقاصده إذا أصبحت «الأوامر» صيغته الأساسية، ولم يقترن بمراجعة الذات، والسؤال عن احتمال الخطأ والصواب، فيما نقول نحن أو نفعل، فهل وفرنا للإرشاد شروطه، أم أصبحنا نردد ما ردده أسلافنا في عصر غير عصرنا وظروف غير ظروفنا، ونجعل من بعض الاجتهادات المشروطة بشروطها ثوابت نأبى تغييرها رغم ما أعطاه الدين الحنيف من فسحة للتبصر والتبصير واليسر والتيسير والاجتهاد والتطوير، وفق الأصول الشرعية المعتبرة؟.. كثير ممن يحاولون الوصول بكلماتهم وارشاداتهم وأفكارهم إلى الشبيبة أو إلى العامة، يغفلون عن حقيقة بسيطة، هى أن المرشد أو المعلم نفسه يحتاج إلى التصويب.. على الدوام، فبلوغ مرتبة التعليم لا يعني قط انتهاء مرحلة التعلم التي لابد أن تستمر مدى الحياة مهما بلغ شأن المعلم ومنزلته، مادام يتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يتلقى «التصويب» وحياً منزلاً من السماء، في الفترة المكية والفترة المدنية على السواء، في مثل قضايا ابن أم مكتوم وأسرى بدر!.. وليس فينا ناصح بلغ مبلغ لقمان الحكيم الذي جعله القرآن الكريم نموذجاً للحكمة، ينصح لابنه، فيأتي كلام الله تعالى موجها إلى الابن مباشرة، أن يكون واعياً بصيراً يستوعب ما يسمع ويميز بين ما تجوز الطاعة فيه وما لا تجوز {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما}.. ليكون هذا التوجيه الرباني لكل «ابن» ولو كان أبوه في منزلة لقمان الحكيم! وقد يبلغ بعضنا من الفقه والعلم مبلغاً عالياً، فيرفض أن يكون للمتلقي بين يديه رأي يعبر عنه، مادام يحدثه هو وهو الأعلم بالأحكام والأقدر على الاجتهاد، ولكن لا يذكر أن الأمر الرباني المباشر لإبراهيم عليه السلام لم يمنعه من أن يقول لولده الغلام كما ورد في القرآن الكريم {فانظر ماذا ترى}. إن الذين يساهمون في تنشئة جيل من الإمعة، ولو كانوا من العلماء المعلمين والدعاة المرشدين والآباء والأمهات الموجهين الناصحين والرادة المفكرين.. يحملون أكثر من سواهم، وعلى قدر مكانة كل منهم، قسطاً كبيراً من المسؤولية عما أصبحنا نشكو منه هذه الأيام، من انحراف فريق من الشبيبة أو نسبة عالية منهم، ممن يواجهون أخطار المرحلة الراهنة وآثارها المأساوية، داخل الحدود وخارج الحدود، ويشهدون كيف تستباح الأرض والحقوق والمقدسات، وتزيف الحقائق والوقائع والتاريخ.. فما كان الانحراف وراء دعوات شاذة عن الصراط المستقيم، إلا تنطعاً أو تسييباً، وتشددا أو انحلالاً، وفي الحالتين هو نتيجة انقياد ووعي ولا بصيرة، لمن لا ينبغي أن ينقاد إليه مسلم عاقل، وما كانوا لينقادوا إليه لو كانت التنشئة قائمة على استقلال شخصيتهم، وتقدير رأيهم، وإشعارهم بأنهم يحملون المسؤولية عن أنفسهم، والتعامل معهم دون التعالي عليهم من فوقهم، والتأكيد الدائم أن المطلوب منهم التفكير فيما يسمعونه، سيان هل صدر عمن عرف بعلمه وتقواه، أو عمن عرف بغير ذلك، وتشجيعهم على القبول والرفض لا القبول دون اعتراض فقط. إن الجواب على السؤال: كيف نصل إلى الشبيبة بالإسلام، الشامل المتكامل الوسطي المتوازن، لا ينفصل عن الجواب الذي يجب أن نعطيه أولاً على السؤال، كيف نصل بالإسلام كما أنزله الله، إلى أسلوبنا نحن، وكلماتنا نحن، وكتاباتنا نحن، فنصلح ما ينبغي إصلاحه، في سائر جوانب حياتنا، وفي تعاملنا مع أنفسنا ومجتمعاتنا والأحداث من حولنا، بما يشمل إحسان أداء الأمانة وحمل المسؤولية، تجاه هذا الجيل الذي نتحدث عنه، ونحبه، ونحب له الخير في الدنيا والآخرة، ونحب أن يكون هو جيل المستقبل الذي تعقد عليه الآمال، ليتابع الطريق على ما يرضي الله تعالى ويحقق به لأمته وبلاده الخير والعزة والمنعة والتقدم. نبيل شبيب