مدار الساعة
الماء.. وما أدراك ما الماء؟!

سلمان بن محمد العمري
الماء كالهواء، وأهم من الغذاء، وهو شريان الحياة، يقول
تعالى: {وجعلنا من الماء كل شيء حي} نعم الماء هو تلك النعمة العظمى التي منّ الله
بها علينا، وأوصانا بالحفاظ عليه في كتابه الحكيم، وعلى لسان خير الأنام ـ صلى
الله عليه وسلم ـ يقول تعالى: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين}
ويقول عز وجل: {ولا تبذر تبذيرا، إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين}.
انظر إلى هذا الربط الشديد بين المبذر، والشيطان ـ والعياذ
بالله ـ مما يجعل هذه القضية بمنتهى الجدية والخطورة.
لقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم للأمة الاقتصاد في
الماء، حتى في الطهارة التي هي شطر الإيمان فقد كان عليه صلوات الله وسلامه يغتسل
بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد، وهذا مثبت في الصحيحين، بل وكان خير الأنام
يتوضأ مرة مرة، ولم يزد على ثلاث مرات، بل أخبر من زاد عليها فقد أساء، وتعدى،
وظلم.
ومن الثابت أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم
يكونوا يكثرون صب الماء، بل ورد عنهم ما يدل على إنكار ذلك، وذم فاعله، فقد قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور
والدعاء).
ولما سئل جابر بن عبدالله ـ رضي الله عنهما ـ عن الغسل،
قال: (يكفيك صاع، فقال رجل: ما يكفيني، فقال: يكفي من هو أوفى منك شعرا وخير منك.
لقد أوردت ما ذكرت، لما نشاهده، ونسمعه هذه الأيام من
خطورة، وتفاقم قضية المياه ليس على المستوى المحلي فقط، وإنما على المستوى
العالمي، حتى إن بعض الساسة والخبراء الاستراتيجيين يرون في المياه المصدر الأول
للحروب في المستقبل، فالمياه لا تخفى أهميتها على أحد، سواء بالنسبة للفرد، أو
المجتمع، وحتى بالنسبة للأمة وعلى مستوى الدول والأوطان، فحيثما وجد الماء وجدت
الحضارة، وترعرعت وانتعشت، وعندما ينضب الماء ـ لا سمح الله ـ فالخسارة أليمة لا
تعوض، والأمر أولا وأخيرا بيد الله سبحانه وتعالى: {قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا
فمن يأتيكم بماء معين}.
ولقد أصبحت قضية ارتفاع حرارة الأرض، والتصحر واقعاً
حقيقياً، حتى إن بلاداً كانت معروفة بوفرة مياهها قد أصبحت تعاني من الجفاف،
والقحط، وندرة الأمطار، ونقص الأنهار!.
إن استهلاك المياه قد أصبح عند البعض يصل لدرجة الإسراف
والتبذير، والعياذ بالله، كما أصبح ـ للأسف ـ عند البعض الآخر يستخدم في غير
الوجوه النافعة المفيدة، دون إدراك منهم أن الماء يعد أغلى من النفط بكثير، ويجب
أن تصبح هذه النقطة واضحة بأذهان الصغير قبل الكبير، فالماء قضية حقيقية يجب أن
يصل صداها للجميع، وهذا الصدى يجب أن يعلو، ويعلو على ألسنة الأئمة والخطباء في
خطبهم ومواعظهم، فالمنبر في المجتمع الإسلامي هو ركن الإعلام الأصدق، والأهم،
والأقوى أثرا وتأثيرا، كما أن الواجب لا يعفي ذوي الهمم الكبيرة، والأقلام الأمينة
في وسائل الإعلام كافة، من دق ناقوس الخطر قبل أن ينضب معين مياهنا الجوفية ـ لا
سمح الله ـ وقبل أن يأتي وقت لا ينفع فيه ندم.
كما أن للدوائر الحكومية كافة جهودها في ذلك، فالمسؤولية
ليست خاصة بقطاع دون غيره، فهذه قضية دينية وطنية اجتماعية، ويحق لنا أن نطالب
بالمزيد، وهذه المطالبة نابعة من القلب، لتصل إلى القلب والعقل.
وأولا وأخيرا القضية تمسني أنا وأنت أخي الكريم، فليكن كل
واحد منا قدوة في منزله أمام أهله وأطفاله، وفي مكتبه أمام زملائه وعماله، وفي
الأماكن العامة أمام الناس كلهم، وليكن كل منا قدوة في هذا المجال، وفي هذا الثواب
العميم ـ بإذن الله ـ لأن في ذلك تطبيقا لشرع الله، وسنة نبيه ـ عليه الصلاة
والسلام ـ وختاما نقول: وبالشكر تدوم النعم.. والله من وراء القصد.
alomari 1420@yahoo.com