العدد 1849- الإثنين  24 جمادى الأولى 1425 هـ  إسلامية-أسبوعية- جامعة NO 1849 MON 24 Jumada  I  1425H  12 Jul 2004

الصفحة الثالثة عشرة 

        1

 

خطبة الجمعة من المسجد الحرام

السديس يدعو المتورطين إلى تقدير مكرمة العفو وفرصة الأمان

مكه المكرمة - العالم الاسلامي

● دعا فضيلة الشيخ عبد الرحمن السديس إمام وخطيب المسجد الحرام المتورطين في أعمال العنف والإجرام إلى تثمين مكرمة العفو، فالفرصة مواتية ومتاحة، والوقت يمضي سريعا، والعاقل من لا يشمخ بأنفه، ويزهو بنفسه، ويشتط في رأيه ويغرق في التحدي والمثالية. بل عليه أن يتسم بالموضوعية والعقلانية ليسعه ما وسع جمهور المسلمين. وفيما يلى نص الخطبة:

أما بعد: فأوصيكم ـ عبادَ الله ـ ونفسي بتقوى الله جلّ وعلا، فالتقوى رَوح الأرواح وحاديها إلى بلاد الأفراح وطُهرُ النفوس وقوتُ القلوب ومُبلِّغُها لرضا علاّم الغيوب وزادُ الضمائر، بها ترِقّ المشاعِر وتُقبَل الشعائر، وبها النجاةُ يومَ تُبلى السرائر، فاتقوا الله رحمكم الله، {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} «البقرة:281».

أيّها المسلمون، في ظلِّ الظروف العصيبةِ التي تعصِف بالأمة وفي خِضمّ المتغيِّرات المتسارعة والأحداث المتلاحقة التي يعيشها العالم اليومَ يتطلّع الغيورون بل والمنصفون في العالم إلى كلِّ ما يعزِّز فُرَصَ الأمن والاستقرار الدوليّ والرخاء والسلام العالمي الذي يشعِر الأفرادَ والمجتمعات بل الشعوبَ والأمم بالأمن والأمان والراحة والاطمئنان، ومن ثَمّ التعاون بشكلٍ متكامل في بناء الحضارة الإنسانية وتحقيق النماء والتقدّم للبشرية، دون استعلاءٍ أو ظلم أو تسلُّط أو استغلال. وإنّ الغيورَ ليعتصِره الأسى وهو يرى العالمَ اليومَ يبدو في معظمِه ليس موقعًا للتضامُن والأمن في ظلّ تصفيةِ حساباتٍ أنانيّة ونظراتٍ مادّية بين عولمةٍ كاسحةٍ وتبعيّة فاضحةٍ وجهلٍ متفاقِم وفقر متعاظِم وظلمٍ مستَشرٍ وإرهابٍ مستفحِل وحروبٍ عرقية وتوازُنٍ دولي جائِر وهيمنةِ القوى الكبرى على كثيرٍ من مقدَّرات الأمم والشعوب، وهنا تتأكَّد أهمّية سيادةِ لغةِ الحوار وتغليب منطِق العقل والحكمة وتحقيق المصالح العليا للأمّة والحرص على استتباب الأمنِ والسلام باعتباره الوسيلةَ الناجعة لحلّ مختلِفِ القضايا العالمية والمشكلاتِ الدولية التي تعترِض سبيلَ إسعادِ البشرية.

ولذا فإنّ الحاجةَ ماسَّة إلى فهم الإسلام الحقِّ والجِدِّ في نشر مفاهيمِه الصحيحةِ وتقديمه للعالم بصورته المشرقة رحمةً وعدلاً وتسامُحًا وأمنًا، والتأكيد على أنه ليس عقيدةً متسلِّطة تفرض على العالم مفاهيمها ونُظُمها، خلافًا للدعاية المغرِضة والحملات المسعورةِ التي يُروَّج لها في بعض وسائل الإعلام العالمية، مستغلَّة ما يقوم به بعضُ المنتسبين إلى الإسلام من أعمالٍ إرهابية، وإنّ ذلك لا ينبغي أن يجرَّ أولي العقول والبصيرةِ وذوي الشرف والمروءة في العالم إلى تصديقِ تلك المقالات الرائجة، فالإسلام الحقُّ يحرِّمُ الأعمالَ الإجراميّة الإرهابية والأفعال التخريبيّة الإفساديّة، ويعدُّ من يقوم بها منحرِفًا عن الحقّ، خارجًا عن إطار الشريعة، مخالفًا للنظُم والأعراف والمجتمعات الإسلامية والإنسانية، والذين يقومون بها فئةٌ نَشاز في الأمة، لا يمثِّلون إلاّ فئةً قليلةً لا يؤبَه بها، ولكن مع شديد الأسف أنّ بعضَ وسائل الإعلام المعادِية ضخَّمت من شأنهم.

لقد قدّم هؤلاء للعالم صورةً قاتمة عن الإسلام وأهله، فهم ـ والله ـ لا للإسلام نصَروا، ولا للكفر كسَروا، لقد قدّموا لأعداء الأمّة خدماتٍ جُلَّى بأطباقٍٍ مُذهبَة، وضيّعوا على الأمة فُرصًا كبرى في الدعوة إلى دين الله، فكم تضرَّرت أعمالُ الدعوة والحِسبةَ وضُيِّقت المجالاتُ الخيرية والإغاثية، فهل نحن في شكِّ من ثوابتنا وقيمنا؟! كيف وقد تجرّأت بعضُ الأقلامِ الحاقدة ووسائلِ الإعلام المغرِضة على ثوابت الدين ومُثُل الأمة وقيَم المجتمع وأتيحَت الفرصة للناعقين النفعيّين الانتهازيّين المزايدين على الشريعةِ من ذوي القلوب المريضة والأهواء البغيضة، فأجلبوا بخيلهم ورجلِهم للاصطياد بالمياه العكِرة، تشويهًا لسُمعةِ الصالحين، وطعنًا في المتديِّنين، عبرَ أطروحاتٍ مغشوشة ومنتديات مشبوهة تهدِف إلى الإثارةِ والبَلبَلة، فزادوا مِن البلاءِ بلاءً، ومِن الفتَن فِتَنًا، وهذا شأنهم في الأزمات وديدنهم في الأحداثِ والملِمَّات.

ألا فليتَّق الله هؤلاء وأولئك، وليدرِكوا أنّ سفينةَ الأمّة قد تُغرَق بخرقِ الجافين كما تغرق بخرق الغالين، ودينُ الله وسطٌ بين الغالي فيه والجافي عنه، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} «البقرة:143».

إخوةَ الإيمان، كم في الأحداثِ والأزماتِ من دروسٍ وعِبَر وعظات، تمحيصٌ وابتلاء، {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ } «العنكبوت:1، 2». في الأزماتِ يترسَّخ الإيمان وتتجلَّى عقيدة الإيمان بالقضاءِ والقدر، {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} «الأنعام:112»، كما يظهرُ صدقُ التوكُّل على الله من التواكل على غيره. فيها استشعارُ وَحدة الأمة وتضامُنها وسقوط كلِّ الأقنِعة والشعارات، وتمييز الخبيث من الطيب، {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ } «الأنفال:42». وظهور خطر المنافقين والمارقين والمفسدين، وتجلِّي صدقِ العلماء الربانيّين والدعاة المخلصين الذين يمثِّلون صِمام الأمان في الأمّة وأطواق النجاة المهمّة في نوازلها المدلهمّة، وإتاحةُ الفرَص للمتفائلين العاملين، واستنهاضُ الهِمم لليائسين والمثبِّطين، فأمةُ الإسلام عبرَ تأريخها الطويل لا تعرف الوهَنَ والاستسلام، ولا تخضَع أمام الشراذِم والأقزام، ولا تستسلِم للحوادث والأزمات، بل سريعًا ما تنهَض من كبوَتها وتفيق من رقدَتها؛ لتحقِّقَ تفاعُلاً إيجابيًّا في خدمةِ قضايا الأمة بجميع جوانبِها عبرَ منهجيّة مدروسةٍ وتخطيطٍ محكَم سليم، يحقِّق المقاصدَ الشرعيّة ويُعلي الآدابَ المرعيّة ويُضيِّع الفرَصَ على الأعداء المتربِّصين والمتشفِّين المفسدين.

ألا ما أحوجَ الأمّة إلى استلهامِ الدروس والعِبر الناصعةِ من هذه الأحداثِ المعاصرة، مستشعرين نعمةَ الله علينا بهذا الدين القويمِ والأمن الراسِخ المتين الذي يحرِّم ويجرِّم قتلَ الأنفُس المعصومة، وينهى عن إلحاق الضّرر بالأبرياء، ويحضُّ على البناء والإعمار، ويحذِّر من التخريبِ والدمار والتعرُّض للأموال والحقوقِ والممتلكات الخاصّة والعامة بسوء، ويدعو بصوتٍ جَهوَريّ: إنّ دماءَكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام.

كتب الإحسانَ على كلّ شيء، ويحرّم الغدرَ والغيلة والمُثلة، خاصّةً في الرهائنِ والأسرى، ويعدّ ذلك ضربًا من الهمجيّة والوحشية المقيتة التي لا تقرّها الشرائعُ السماوية بلهَ المثل الإنسانية. فبأيّ كتابٍ أم بأيّة سنة، فبأي دين أم بأية مِلَّةٍ يجري ما نراه اليومَ ونسمعُه مِنِ استمرار المسلسَل التخريبّي وتجدُّد فصولِ المشهَد الإجراميّ، لا سيما في خير البقاعِ وأفضل الأصقاع بلادِ الحرمين الشريفين حرسها الله، فهي ليست بدعًا في تعرُّضها للعُنف والإرهاب، محسودةٌ في دينها وقيَمها، مستهدفةٌ في وَحدتها وأمنها واستقرارها، عبرَ تحدِّياتٍ وضغوطٍ خارجية وفِتنٍ إرهابية داخلية، يأتي في وسطها تربُّصاتُ أهل الزّيغ والفساد والضلال وتيّاراتُ الانفتاح والإباحية والانحلال، لتزيدَ الأمر ضِغثًا على أبالة بتطلُّعاتٍ انتهازيّة تروم نصيبَها من القَصعة وقسْمها من ميراثِ الأيتام على مآرِب اللئام، والتغرير ببعض أبنائها في حلقاتٍ جديدةٍ من مسلسَل التورُّط لخدمة أغراضٍ إرهابية خطيرة تخدم منظومةَ الأهداف الكالحة لأعداءِ الإسلام من حيث تشعُر أو لا تشعُر، فلا تحقِّق موقِفًا راجحًا ولا مكسَبًا رابحًا، مما يؤكِّد أهمّيّة الرجوع إلى علماءِ الأمة دونَ مجازفةٍ فرديّة أو آراء آحاديّة تقرِّر مصيرَ الأمة في أدقِّ الأمور وأخطرها، فهل يعي شبابُنا ويدرك أحبابُنا خطورةَ الأمر ويوقنوا أنّ وراءَ الأكمة ما وراءها، فيُولّوا حارَّها من تولَّى قارّها، ويحذروا من المجازفةِ في الأحكام والتكفير والجُرأة والمبادرَة بالعنفِ والتدمير والتقتيل والتفجير، ممّا لو عُرِض بعضُه على عمرَ رضي الله عنه لجمع له أهلَ بدر، ولو عرضَها على أهل بدرٍ لاشترطوا إجماعَ المهاجرين والأنصار، كيف لا وهي من ورطَات الأمورِ المتعلِّقة بالدماء والأموال والأعراض التي لا تخصّ قومًا دون غيرهم أو أبناءَ ملّةٍ دون من سواهم، ممّا هو من محكماتِ الشريعة ومسلَّمات العقول، ولا يجوز أن تهدَر أبدًا بمجرَّدِ شبهة أو تأويل أو سوء فهمٍ أو تبديل، يستوي في ذلك المسلمُ وغير المسلم ممّن دان للأمة بعهدٍ أو أمان أو ذمّة، فلا يُخفَرون في ذمّتهم، ولا يغدَرون في دمائهم وأموالهم وأعراضهم.

أمةَ الإسلام، إنّ لبلاد الحرمين المحروسةِ دَينًا في ذمّة كلّ مسلم يتوجّه إليها في صلاتِه وأداء مناسكِه ومسؤوليةً في عاتق كلِّ موحّدٍ ليظلَّ عينًا ساهرةً على أمنها واستقرارها، وإنّ كلّ مؤمنٍ يحمل بين جوانحه قلبًا مخلِصًا ناصِحًا للمسلمين ليغارُ على مكانتِها أن تهتزّ ومقدَّراتها وأمنِها أن تُبتزَّ، فأمنها أمنُ الدين، ووحدتُها وحدةُ جميع المسلمين، وقوّتُها في مواجهةِ التحدّيات قوةٌ لجميع المؤمنين، وهذه الأمورُ لا تقبَل المساوماتِ ولا تخضع للمزايدات، ولا تحتاج إلى مزيدِ تنظير أو عميق تفكير، وهي لذلك تتطلَّب من كلّ ذي مَسحةِ دين أو مَسكةِ عقل أو ذرّة مروءة وإنسانيّة أن يتبرّأ إلى الله من استباحةِ حِمى الحرمَين الشريفين، فأولى بالأمة ثمّ أولى لها، لا سيما أبناؤها والقاطنون على ثَراها أن يوفِّروا كلَّ قِطعة دِرهم وكلَّ قطرةِ دَم بل كلّ خفقةِ قلب وخلجةِ عقل لمواجهة الأخطار المحدِقة بها.

والدعوةُ موجَّهةٌ مِن منبر المسجد الحرام إلى كلّ المتورّطين في أعمالِ العُنفِ والإجرام أن يثمِّنوا مكرمةَ العفوِ وفرصةَ الأمان، وأن يستثمروا ويستفيدوا من مبادرةِ الحِلم والحكمةِ والمروءَة، وأن يرجعوا إلى جادّة الحقّ والصواب ولزوم الجماعة والإمامة، فالرّجوع إلى الحقّ خير من التمادِي في الباطل، وليتذكَّر هؤلاء أنّ أعمالهم تصبّ في مصلحة أعداءِ الدين والبلادِ والأمة، وليأخذوا العبرةَ من غيرهم، وليقرؤوا التاريخ.

فيا هؤلاء، إنّ الفرصة متاحةٌ ومواتِية، والوقتُ يمضي سريعًا، والعاقل من لا يشمَخ بأنفِه ويزهو بنفسه ويشتطُّ في رأيه ويغرق في التحدّي والمثالية، بل يتّسم بالموضوعية والعقلانية، ليسعه ما وسِع جمهور المسلمين، ويملك قدرًا من الواقعيّة، فالوالد الرؤوم والأب المكلوم لا يسرُّه أبدًا أن يرَى أبناءَه مشرَّدين مطاردين، فاللهَ الله ـ يا أبناءنا ـ في استثمارِ الفرصةِ الأخيرةِ لمن ضلّ الطريق، لعلّه يتوب إلى رُشدِه ويقلِع عن غيِّه، وليعلمْ أنّ الشرعَ مَطهَرة ورحمة وخيرٌ ومغفِرة وحِكمته، {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } «المائدة:34».

إنّها أيدٍ حانية وقلوبٌ رحيمَة امتدّت إلى أبناءٍ غُرِّر بهم، خُئِلوا دُروعًا تُرَدُّ بها سِهامٌ مِن أعدائها، فصاروها ولكن سهامًا في فؤادها.

إنَّ المحبَّ لهؤلاء المشفقَ عليهم ليأمل أن يغلِّبوا العقل والرشدَ والحكمة، وأن تجدَ هذه الدعوة استجابةً سريعة حقنًا للدّماء ودرءًا للفتن وحفاظًا على الأمن واستقرارِ المجتمع وتحقيق المصالح ودَرء المفاسد عن البلاد والعباد، والله المسؤول أن يهديَ ضالَّ المسلمين إلى الحقّ، وأن يحفظَ هذه البلادَ وسائر بلاد المسلمين من كيد الكائدين وعبث العابثين وعدوان المعتَدين، وأن يديمَ عليها أمنَها وإيمانها، إنّه خير مسؤول وأكرم مأمول.

أقول قولي هذا، وأستغفِر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه كان للأوابين غفورًا.

الصفحات | 1 | 2  | 3 | 4  | 5  | 6 | 7 | 8 | 9 |10  | 11 | 12 | 13 | 14| 15 | 16|

  الأولى | العالم هذا الأسبوع | حوارات | مراسلون | إقتصاد | أوراق ثقافية | متابعات| طب| الأسرة | الرابطة | مشاركاتالدعوة | الخطب | الأخيرة |  الإنجليزية 

 

الصفحة الثالثة عشرة 

        2

 

خطبة الجمعة من المسجد النبوي الشريف

الحذيفي: لزوم الجماعة والتمسك بهدي سيد المرسلين لمعالجة مشكلات المسلمين

المدينة المنورة - العالم الاسلامي

أكد فضيلة الشيخ على عبدالرحمن الحذيفي إمام وخطيب المسجد النبوي الشريف أن لزوم جماعة المسلمين، والانضواء تحت ظلهم والنصح لهم، ورعاية حقوقهم، وكف الأذى عنهم، نجاة من شياطين الإنس والجن، وطريق مأمون العاقبة، ونهج قويم، جاءت به الآيات والأحاديث، فعلى الذين خرجوا عن الجماعة أن يتوبوا إلى الله تعالى ويعودوا إلى الحق، فالرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل. وفيما يلي نص الخطبة:

أما بعد: فاتَّقوا الله تعالى حقّ التقوى، فمن اتقى الله تعالى وقاه، ومن عصى ربّه فقد اتخذَ الشيطان مولاه.

عبادَ الله، إنَّ دينَ المؤمن أحبّ إليه من نفسِه وأهلِه وقراباتِه، وإنّما يكون الدّين مع جماعةِ المسلمين، والجماعة لا تكون إلا بإمارةٍ وطاعة، وبهذا كلِّه تستقيم أمور الناس الدينيّة والدنيوية وتنتظم مصالحهم، والإسلام قد أكّد على هذه المعاني الهامّة وعمّق في القلوب هذه الأصولَ النافعةَ العظيمةَ، فأمر بالاجتماعِ على الدين والائتلاف، ونهى عن الفرقةِ والاختلاف، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } «آل عمران:2، 3»، وقال تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } «آل عمران:105»، وقال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } «الأنفال:46».

وهذه الوصايا والتوجيهاتُ الرّبانيّة نحن في أشدّ الحاجةِ إليها في كلّ وقت، ولكنّنا في هذا الوقت أكثرُ ضرورةً وحاجةً إلى الحفاظ على جماعة المسلمين وإلى درءِ الأخطارِ عن أمة الإسلام وإلى معالجةِ مشاكلِ المسلمين وإلى الدفاعِ عن قضايا الأمّة المصيريّة بلزومِ جماعةِ المسلمين والتمسّك بهدي سيّد المرسلين، فإنّ أمّةَ الإسلام تمرّ بمرحلةٍ تاريخية لم تمرّ بمثلِها فيما مضى، وأمّة الإسلام مستهدَفَة بالغزوِ الفكريّ في دينها من أعداءِ الإسلام، ومستهدفة في أخلاقها، ومستهدفةٌ في شبابها ونسائها بجعلِ المرأةِ المسلمة كالكافرةِ في أخلاقها وعاداتها، ومستهدفة في مناهِج تعليمها، ومستهدفةٌ في استقرارها، ومحسودة على خيراتها، وانفتحت على المسلمين أبوابُ فتنٍ من أعدائهم ومن داخل مجتمعات المسلمين بأيدي بعضِ المسلمين الذين انحرَف فكرُهم والعياذ بالله، وقد بيّن الله عاقبةَ التفرّق والاختلاف فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } «الأنعام:159».

وأعداء الإسلام لا يمكن أن يكونَ منهم إلا المبالغةُ في الإضرارِ بالإسلام والمسلمين والعنَتُ والمشقة والعداوة والشرّ بجميع أنواعه كما قال تعالى في كتابه العزيز: {إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} «الممتحنة:2»، ويقول تعالى: {كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاً وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاً وَلا ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُعْتَدُونَ} «التوبة:8-10».

وإذا كان أعداءُ الإسلام لا يمكِن أن يكونَ منهم إلاّ المضرّة للإسلام والكيدُ بصورٍ شتى فإنّ الخارجين على جماعةِ المسلمين وتعاليمِ الإسلام بألسنَتهم أو بأقلامِهم أو بالسّيف ضررُهم على الإسلام والمسلمين كضَرَر الكفار أو أشدّ؛ لأنهم يحقِّقون أهدافًا يسعَى إليها أعداءُ الإسلام، شعُروا أو لم يشعروا، فهل يعِي هذه الحقائقَ أهلُ التفجير والتدمير؟! وهل يفقَه عواقبَ الأمور أهل التفجير والتدمير؟!

إنّ خروجَ هؤلاء على جماعة المسلمين يُضعِف جماعةَ المسلمين أن تقِف أمامَ التحدّياتِ التي تهدِّد دينها ومصالحَها وأمنَها واستقرارَها، ومَن خرجَ على جماعةِ المسلمين ووليِّ الأمر فقد أسلم قِيادَه للشيطان، وقد أغضب الرحمنَ؛ لأنه قد خرج من حِصنٍ أمين وترك الحِرزَ المكين، فجماعة المسلمين تحيطُ بهم عنايةُ الله تعالى ورحمته وحِفظه، وتنال مَن لزمَ الجماعةَ دعوةُ المسلمين وبركة اجتماعِهم، فالمصلي إذا قال: "السلامُ علينا وعلى عباد الله الصالحين" نالت هذه الدعوةُ كلَّ عبد صالح في السماء والأرض، وإذا دعا المسلمون في مجتمَع عِباداتهم نالت كلَّ مَن كان من جماعة المسلمين، وهل مَن خرج على جماعةِ المسلمين بالسّيف عبدٌ صالح؟! وهل من أزهقَ الأنفسَ المحرّمة لديه رحمة بجماعة المسلمين؟! قال: (المسلمُ من سَلِم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما حرّم الله) ومَن خرج على جماعةِ المسلمين هل يرضَى لنفسِه أن يحاربَ رايةَ "لا إله إلا الله محمّد رسول الله" التي هي مرفوعة على كلّ محكمةٍ ودائرةٍ في هذه البلاد.

إنّ لزومَ جماعة المسلمين والانضواءَ تحت ظلّهم والنصحَ لهم ورعايةَ حقوقهم وكفَّ الأذى عنهم نجاةٌ من شياطين الإنس والجنّ وطريقٌ مأمونُ العاقبة ونهج قويم، جاءت الآياتُ والأحاديث مؤكدة وملزِمة لذلك وداعيةً إلى الحفاظ على جماعة المسلمين، عن أبي ذرّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (مَن فارق الجماعةَ شبرًا فقد خلع رِبقة الإسلام من عُنقه) رواه أبو داود، وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: (مَن عمِل لله في الجماعةِ فأصاب قَبِل الله منه، وإن أخطأ غفر له، ومن عمِل يبتغي الفرقةَ فأصاب لم يقبلِ الله منه، وإن أخطأ فليتبوّأ مقعدَه من النار) رواه الطبراني والبزّار، وعن معاذ رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (إنّ الشيطانَ ذئب الإنسان كذئبِ الغنم، يأخذ الشاةَ القاصية والنّاحية، فإياكم والشعابَ، وعليكم بالجماعة والعامّة والمسجد) رواه أحمد والطبراني، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (مَن خرج من الطاعةِ وفارق الجماعةَ فمات ماتَ ميتةً جاهليّة، ومن قاتل تحتَ راية عمّيّة يغضب لعصبية أو يدعو إلى عصبيّة أو ينصر عصبيّة فقُتِل فقِتلته جاهلية، ومن خرج على أمّتي يضرِب برّها وفاجرَها لا يتحاشى من مؤمِنها ولا يفي بعهدِ ذي عهد فليس منّي ولست منه) رواه مسلم والنسائي، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله يقول: (مَن خلع يدًا من طاعةٍ لقِي الله يومَ القيامةِ لا حجّةَ له، ومن ماتَ وليس في عُنقه بيعة ماتَ مِيتة جاهلية) رواه مسلم، وعن ابنِ عمر رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله: (لن تجتمعَ أمّتي على ضلالة، فعليكم بالجماعة، فإنّ يدَ الله على الجماعة) رواه الطبراني. والذنبُ يتعرَّض له كلُّ أحَد، وليس أحدٌ بمعصوم، وإنما المصيبةُ الإصرار على الجريمة والتمادي في الغيّ والمكابَرة عن قبولِ الحقّ والتعلُّق بسرابِ الأماني الباطِلة والفتاوى الجاهلة والتغرير بالنّفس فيما يعرِّض الإنسانَ للشّقاء والبَوار في دار القرار.

يا مَن خرجتُم على الجماعة، توبوا إلى الله تعالى، فإنّ اللهَ يقبل التوبةَ عن عبادِه ويعفو ويصفح، وعودوا إلى الحقّ، فإن الرجوعَ إلى الحقّ خير من التمادي في الباطل، وارجعوا إلى الصوابِ، ولم يكلِّفكم الله بطلبِ بابِ الرجوعِ والتوبةِ في شواهِق الجبال أو مغارات الأرض أو في السماءِ، إنما بابُ التوبة والعودةِ إلى الصواب أمام قدَميك في أيّ مكان أنت فيه، فما عليك إلاّ أن تمدَّ يديك لتلجَ فيه، وعند ذلك ستَرى طمأنينةَ التوبة ورَوحها والرحمة خيرًا من مخاوفِ الذنوب وعذابها، وما مِن مرتكبِ جريمة إلاَّ وتمرّ به فرصةُ الرجوع والتوبة، فإن اغتنمها نال حظّه وفائدتَه وخيرَه، وإن ضيَّعها ندم في وقتٍ لا ينفع فيه الندم، قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } «التوبة:115»، وقال تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} «النور:31».

 

 

الصفحات | 1 | 2  | 3 | 4  | 5  | 6 | 7 | 8 | 9 |10  | 11 | 12 | 13 | 14| 15 | 16|

  الأولى | العالم هذا الأسبوع | حوارات | مراسلون | إقتصاد | أوراق ثقافية | متابعات| طب| الأسرة | الرابطة | مشاركاتالدعوة | الخطب | الأخيرة |  الإنجليزية 

 

الصفحة الثالثة عشرة 

        3

 

خطبة الجمعة من المسجد الأقصى المبارك

الشيخ نواهضة: المستقبل للإسلام رغم المحاولات اليائسة للنيل منه

القدس المحتلة - العالم الاسلامي

● قال إمام وخطيب المسجد الأقصى المبارك الشيخ اسماعيل نواهضة إن المسلمين لن يقفوا موقف المدافع عن دينه، وكأنهم في قفص الاتهام.. لأنه دين أبعد وأرفع من أن توجه إليه التهم أو تثار حوله الشبهات. فهو دين الرحمة والعدل والأمن والسلام. وذكر فضيلته أن المستقبل لهذا الدين رغم كل المحاولات اليائسة للنيل منه وتشويه صورته وطمس معالمه. جاء ذلك في خطبة صلاة الجمعة الماضية وهـنا نص خطبة فضيلته:

يقول الله تعالى في محكم كتابه وهو أصدق القائلين: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} آل عمران:138-141.

قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: انهزم أصحاب رسول الله يوم أُحد، فبينما هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيلٍ من المشركين، يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال الحبيب محمد صلوات الله وسلامه عليه: ((اللهم لا يعلوَنّ علينا، اللهم لا قوّةَ لنا إلا بك، ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر))، فأنزل الله هذه الآيات، وثاب نفرٌ من المسلمين رماة وصعدوا الجبل، ورموا خيل المشركين، حتى هزموهم، فذلك قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ} محمد:35، يعني الغالبين على الأعداء بعد غزوة أحد.

وفي هذا القول بيان فضل هذه الأمة، لأنه خاطبهم بما خاطب به أنبياءه، حيث قال لموسى عليه السلام: {إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى} طه:68، وقال لهذه الأمة: {وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ}.

أيها المؤمنون، أيها المرابطون، يجيء هذا التوجيه الرباني ليعالج ويواجه الوهن والحزن اللذين يساوران المكث في هذا المقام، يواجههما بالاستعلاء والاعتزاز، لا بمجرد الصبر والثبات، الاستعلاء الذي ينظر من علٍ إلى القوة الطاغية المتجبرة والقيم السائدة والتقاليد والعادات والجماهير المتجمهرة على الضلال.

أيها المسلمون، إن المؤمن هو الأعلى، الأعلى سندًا ومصدرًا، وهو الأعلى ضميرًا وشعورًا وخلقًا وسلوكًا، لأن عقيدته في الله هي بذاتها موحيةٌ بالرفعة والنظافة والطهارة والعفة والتقوى والعمل الصالح والخلافة الراشدة، فضلاً على إيحاء العقيدة عن الجزاء في الآخرة، الجزاء الذي تهون أمامه متاعب الدنيا وآلامها ومصائبها وحسراتها جميعًا، ويطمئن إليه ضمير المؤمن، ولو خرج من الدنيا بغير نصيب، كما أن المؤمن هو الأعلى شريعةً ونظامًا.

وحين يراجع المؤمن كل ما عرفته البشرية قديمًا وحديثًا، ويقيسه إلى شريعته ودينه، يراه كله أشبه بمحاولات الأطفال وخطى العميان، إلى جانب هذه الشريعة الغراء والنظام الكامل، وفي نفس الوقت سينظر إلى البشرية الضالة الحائرة من علٍ في عطفٍ وإشفاقٍ عليها، على بؤسها وشقائها، ولا يجد في نفسه إلا الاستعلاء والتكبر على الشقوة والضلال.

أيها المسلمون، وهكذا كان، المسلمون الأوائل يقفون أمام المظاهر الجوفاء والشعارات البراقة والقوى المتجبرة المتسلّطة والاعتبارات التي تتعبّد الناسَ في الجاهلية، والجاهلية ليست كما يظن البعض أنها فترة من الزمان وقد انتهت، إنما هي حالةٌ من الحالات تتكرّر وتتجدّد في الماضي والحاضر والمستقبل على السواء.

وقال فضيلته نعم، هكذا وقف المغيرة بن شعبة أمام صور الجاهلية وأوضاعها وتطوراتها في معسكر رستم قائد الفرس المشهور، عن أبي عثمان النهدي قال: لما جاء المغيرة إلى القنطرة، وعبرها إلى أهل فارس، أجلسوه، واستأذنوا رستم في إجازته، ولم يغيروا شيئًا من شاراتهم تقويةً لتهاونهم، فأقبل المغيرة بن شعبة، والقوم في غيهم، عليهم التيجان والثياب المنسوجة بالذهب، وبسطهم على غلوة، أي: على مسافة ثلاثمائة أو أربعمائة خطوة، لا يصل أحدٌ إلى صاحبهم حتى يمشي عليها، فأقبل المغيرة، وله أربع ضفائر، يمشي حتى جلس على سرير رستم ووسادته، فوثبوا عليه، وأنزلوه ومغثوه أي: صرعوه، فقال: كانت تبلغنا عنكم الأحلام، ولا أرى قومًا أسفه منكم، إنا معشر العرب سواء، لا يستعبد بعضنا بعضًا، إلا أن يكون محاربًا لصاحبه، فظننتكم أنكم تواسون قومكم كما نتواسى، وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض، وإن هذا الأمر لا يستقيم فيكم، ولا نصنعه، ولم آتيكم ولكن دعوتموني، اليوم علمتُ أن أمركم مضمحل أي: زائل، وأنكم مغلوبون.

أيها المسلمون، وتتبدّل الأحوال، ويقف المسلم موقف المغلوب المجرد من القوة المادية، فلا يفارقه شعوره واعتقاده أنه الأعلى، وينظر إلى الآخرين من علٍ ما دام مؤمنًا، فيستيقن أنها فترةٌ وتمضي، وأن للإيمان كرةً لا مفرّ منها، فمهما كانت القاضية، فإنه لا يحني لها رأسًا، ولا يجامل ولا يساوم ولا يتنازل، المؤمن يصغي إلى نداء ربه: {لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} آل عمران:196، 197.

كما ويقف المؤمن قابضًا على دينه كالقابض على الجمر في المجتمع البعيد عن الدين وعن الفضيلة وعن القيم العليا وعن كل ما هو طاهرٌ نظيفٌ جميل، ويقف الآخرون هازئين ساخرين بهذا المؤمن وعقيدته وقيمه، فلا يهن المؤمن، وهو ينظر من علٍ إلى هؤلاء الساخرين الضاحكين، وهو يقول كما قال واحدٌ من الرهط الكرام الذين سبقوه في موكب الإيمان في الطريق الطويل، إنه نوح عليه السلام: {إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} هود:38، وهو يرى نهاية الموكب الوضيع ونهاية القافلة البائسة في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ} المطففين:29.

أيها المسلمون، إن المسلم على الحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟! وليكن للضلال سلطانه وجبروته، ولتكن معه جموعه وجماهيره وحلفاؤه، إن هذا لا يغير من الحق شيئًا، فدولةُ الباطل ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة، فالمؤمنون دائمًا يتمثلون قول الحق جل وعلا: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} آل عمران:173، حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل.

أيها المسلمون، إننا لا نقف اليوم، ولن نقف إن شاء الله تعالى في يومٍ من الأيام موقف المدافع عن هذا الدين وكأنه في قفص الاتهام، فهو أسمى وأرفع من كل ذلك، وأبعد من أن توجه إليه التهم أو تثار حوله الشبهات، فحديثنا من منطلق بيان هدايته ومنهجه وطبيعته؛ لأنه دين الرحمة والعدل والأمن والسلام والطمأنينة، وإن المستقبل له بالرغم من كل المحاولات اليائسة للنيل منه أو لتشويه صورته وطمس معالمه وحضارته من قبل أعدائه، حسدًا من عند أنفسهم، وخوفًا على مبادئهم الهدامة ومعتقداتهم الزائفة وأفكارهم الشيطانية، أو النيل منه من قبل أتباعه الذين لا يفهمونه، وبالتالي لا يحسنون عرضه على الآخرين.

وأضاف نعم، إن المستقبل والعلو لهذا الدين، إنهم يرونه بعيدًا ونراه قريبًا، {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} آل عمران:19، {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} الصف:8، أيريد المشركون إطفاء نور الله وشرعه المنير بأفواههم؟! وهذا تهكّم بهم في إرادتهم إطفاء الإسلام بقولهم عن القرآن الكريم: إنه سحرٌ وشعرٌ وأساطير الأولين، واليوم يقولون عنه: إنه دين الإرهاب، سبحان الله! ما أشبه اليوم بالبارحة، وكأن التاريخ يعيد نفسه، فالشر والإلحاد يعودان من جديد، ولكن بثوبٍ آخر.أيها المسلمون، وقد شبه الله تعالى من أراد إبطال هذا الدين أو الصدّ عنه بمن أراد إطفاء الشمس الساطعة بفمه الحقير، والله تعالى متمّ نوره أيّ مظهر دينه بنشره في الآفاق وإعلائه على كافة الأديان، كما جاء في الحديث الشريف الذي رواه الإمام مسلم: ((إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها))، والله تعالى سبحانه وتعالى سيعلي شأن هذا الدين رغم أنف الكافرين المجرمين الحاقدين، فتاريخ الإسلام والمسلمين وما اشتمل عليه من نماذج العدل المشرقة ومن مبادئ حقوق الإنسان واضحٌ معلوم لدى القاصي والداني، ولدى العدوّ والصديق، كما أن تاريخ الآخرين بما اشتهر عليه من جرائم بشعة وأعمالٍ بربرية همجية يشيب لهولها الأطفال وتقشعر منها الأبدان معلومٌ أيضًا، ولم يعد سرًا يتكتم عليه، إن في هذا لبلاغًا لقومٍ عابدين.

الصفحات | 1 | 2  | 3 | 4  | 5  | 6 | 7 | 8 | 9 |10  | 11 | 12 | 13 | 14| 15 | 16|

  الأولى | العالم هذا الأسبوع | حوارات | مراسلون | إقتصاد | أوراق ثقافية | متابعات| طب| الأسرة | الرابطة | مشاركاتالدعوة | الخطب | الأخيرة |  الإنجليزية