العدد 1849-
الإثنين 24
جمادى الأولى 1425 هـ إسلامية-أسبوعية- جامعة
NO 1849 MON 24 Jumada I 1425H
12
Jul 2004
الشيخ مصطفى تسيريتش رئيس مجلس علماء البوسنة ومفتيها العام
لـ" العالم الإسلامي ": الإسلام لا يعادي أحداً ويضمن التعايش السلمي للجميع "الجهل" أكبر أعداء المسلمين.. والدعوة في
البوسنة تستهدف نشر الوعي الديني حوار: أحمد كامل ● عاش المسلمون في البوسنة والهرسك قبل سنوات معاناة شديدة بسبب الحرب الصربية
التي اشتعلت ضدهم لسنوات عديدة، فقتلت منهم عشرات الآلاف، وشردت الكثيرين، وخلفت
وراءها اليتامى والأرامل والمعاقين، إضافة إلى المقابر الجماعية التي كشفت عن
جرائم الإبادة التي كانت ترتكب ضدهم. وبعد توقف تلك الحرب ووضع البوسنة تحت إشراف
المجتمع الدولي، بدأ المسلمون يلتقطون أنفاسهم من جديد، ويعيدون بناء دولتهم
ومؤسساتهم. صحيح أن الصورة تغيرت كثيرا، فاختفت الحرب
تماما ولكن بعض آثارها يحتاج إلى جهود كبيرة لإزالتها وترسيخ السلام والأمان
والتعايش السلمي في ربوعها. وهذا ما يلخصه الشيخ مصطفى تسيريتش رئيس مجلس
علماء البوسنة ومفتيها العام بقوله: إن البوسنة جرحت كثيرا وتحتاج إلى العلاج،
وعلاجها هو السلام. ويجزم - في حواره مع "العالم
الإسلامي" خلال زيارته الأخيرة للقاهرة - بأن هناك حاجة ملحة لتكثيف جهود
المؤسسات الإسلامية في العالم، وتحقيق تعاونها في مجال التعريف بحقائق الإسلام،
وبيان سماحته، وأنه يحارب الإرهاب، ويرفض التطرف والعنف والانحراف الفكري. ويشدد على أن الغربيين ليسوا جميعا أعداء
للإسلام والمسلمين، فهناك كثيرون يدركون أهمية التواصل والتعاون مع المسلمين،
وهؤلاء ينبغي على المسلمين أن يتواصلوا معهم، ويدعموا علاقاتهم بهم، ويحولوهم إلى
أصدقاء يناصرون قضاياهم في شتى المجالات. ويؤكد أنه لا بديل عن "الحوار" مع
الآخر لمواجهة مخاطر الحملة الغربية الحالية على الإسلام والمسلمين، مشيرا إلى أن
الأمة الإسلامية أمة حوار ودعوة بالحكمة والموعظة الحسنة. وأوضح مفتي البوسنة أهمية دور الأمة
الإسلامية في توجيه مسار البشرية نحو الحق والعدل والمساواة والتعاون حتى لا تنجرف
البشرية نحو الظلم والأنانية واستغلال القوي للضعيف. وهنا نص الحوار: >> هل لنا -
في البداية - أن نتعرف على أحوالكم في البوسنة والهرسك؟ وهل يمكن القول إن
المعاناة التي تلازمت مع فترة الحرب عليكم قد انتهت؟ > في هذه الدنيا.. كل شئ نسبى وليس مطلقا.. وفى البوسنة
لا يوجد السلام المطلق، ويوجد السلام بصورة نسبية، بمعنى أن الأحوال حاليا أفضل
مما كانت عليه في زمن الحرب. وهذا يتطلب العمل لزيادة هذه النسبية، بمعنى أن يسود السلام
بصورة أكبر وأعظم، فالبوسنة جرحت كثيرا والآن تحتاج إلى علاج، والعلاج هو السلام. ولذلك لا نستطيع القول: إن مشكلة البوسنة انتهت نهائيا، وفى
الوقت نفسه لا يمكننا القول إن مشكلة البوسنة في الوقت الحالي "حارة"
وإنما "بردت" بدرجة كبيرة، ولا تزال هناك حاجة إلى بذل المزيد من الجهود
حتى تكون البوسنة دولة للجميع يعيش فيها الناس بمختلف الأديان والثقافات والأعراف
في سلام تام. هذا هو هدفنا.. كما أن من أهدافنا أيضا تحقيق انضمام البوسنة
إلى الاتحاد الأوروبي. مسؤولية الجميع >> في
رأيكم.. مسؤولية من تحقيق تلك الأهداف وفى مقدمتها السلام التام، والتعايش السلمي
للجميع والانضمام للاتحاد الأوروبي؟ > الجميع مسئولون عن العمل الجاد لتحقيق ذلك.. كل مواطن
في البوسنة مطالب ببذل الجهود المخلصة لتحقيق تلك الأهداف، ولكن المسؤولية الكبرى
في هذا المجال تقع على كاهل السلطة السياسية طبعا. وانتم تعلمون أن البوسنة الآن تحت إشراف المجتمع العالمي..
والبوسنة تسعى لأن تصبح عضوا أو جزءا من حلف شمال الأطلسي، وكذلك تسعى للانضمام
إلى الاتحاد الأوروبي. وندرك أن تحقيق ذلك قد يستغرق سنوات، فالأمر يحتاج إلى بناء
اقتصاد قوى، كما يحتاج إلى الأمن السياسي والاستقرار، ودعم الإصلاحات التعليمية في
المدارس والجامعات، وغير ذلك. ونحن ندرك أيضا أن أمامنا مشواراً طويلاً، والحمد لله أننا
لسنا في فترة الحرب الآن، وإنما نعيش في سلام، والمحكمة الدولية في
"لاهاى" تقوم بدورها حتى يحاسب كل مجرم حرب في إطار العدالة. فلا يخفى على أحد أن إبادات جماعية قد وقعت في بعض المدن
والمناطق البوسنية، وقد خلفت الكثير من اليتامى والأرامل والمعاقين. لدينا مشكلات كثيرة، لكننا لا ننكر أن أوضاعنا الآن أفضل
كثيرا من ذي قبل، والحمد لله. محو أمية المسلم >> كيف تسير
أعمال الدعوة الإسلامية في البوسنة والهرسك في هذه الآونة، أو بالأحرى في مرحلة ما
بعد الحرب؟ > الدعوة الإسلامية ليست عملا موسميا، وإنما هي عمل
مستمر كل يوم، فأنا داعية في بيتي.. مع زوجتي.. ومع أولادي.. ومع جيراني.. كلنا
نحتاج إلى إرشاد. وهناك الدعوة إلى الخير والتعاون على البناء، وذلك من خلال
المساجد، ووسائل الإعلام، ومؤسسات التعليم المختلفة. وأعمال الدعوة الإسلامية في البوسنة تستهدف نشر الوعي
الديني بين الجميع، ذلك أن أكبر عدوّ للمسلمين هو الجهل، ونحن نعلم حقيقة أن
الإسلام اهتم في أول آيات القرآن الكريم نزولا على الرسول صلى الله عليه وسلم
بالدعوة إلى القراءة والعلم، فقال تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي
خَلَقَ}. إننا نعتبر محاربة الجهل ومحو أمية المسلم نوعا من الجهاد
الذي يجب علينا القيام به، لنقل المسلم إلى حالة الوعي والمعرفة الحقيقية بالدين
الحنيف، ومن ثم يتمكن من الاطلاع على الإسلام في مصادره الأصلية والصحيحة، ويعرف
حقائقه ويتحصن بها في مواجهة التيارات الفكرية المناهضة للإسلام والمسلمين. وانطلاقا من أهمية التعلم ومحاربة الجهل أدعو المنظمات
الإسلامية الكبرى المنتشرة في العالم إلى التعاون في وضع برامج وخطط جادة تستهدف
القضاء على الأمية بين المسلمين، ونشر الوعي الصحيح بحقائق الدين الحنيف وغاياته
السامية وأهدافه الفاضلة. حملة غربية >> تشهد
المرحلة الحالية حملة غربية شعواء تحاول تشويه صورة الإسلام والنيل من مكانة
المسلمين في العالم.. كيف تنظرون إلى هذه الحملة؟ > للحقيقة.. هناك حملة في الغرب ضد الإسلام والمسلمين..
كما أن هناك كراهية في الشرق ضد العرب. هناك من ينتجون حملة شعواء في الغرب ضد الإسلام وأهله.. هذا
صحيح.. ولكننا فى المقابل لا ينبغي أن ننكر وجود شرقيين يكرهون الغرب. ولا أعني بذلك التقليل من حجم أو مخاطر الحملة الغربية على
الإسلام والمسلمين، فهناك في الغرب من يكرهون الاسلام، ويكرهون المسلمين، بل
ويكرهون الآخر بشكل عام. لقد نظم اليهود في برلين، مؤخرا مؤتمرا حول ما يسمونه"
معاداة السامية" ونجحوا في حشد ممثلي خمسين دولة للمشاركة فيه. وأرى أننا في حاجة إلى مثل هذه الأنشطة، بمعنى أن ننظم
المؤتمرات، ونتواصل ونتحاور مع الآخر حتى يعرف حقائق الإسلام، وأنه دين سلام وأمن
وتعايش إيجابي للجميع، وأنه لا يعادى أحدا، ويحمي حقوق الجميع، ويصون كرامتهم دون
أدنى تفرقة بسبب الدين أو الجنس أو اللون أو العرق. ويمكنني أن أؤكد أن هناك كثيرين في الغرب لا يعادون الإسلام
ولا يكرهون المسلمين، وهؤلاء لا يجوز بأي حال من الأحوال أن نصنفهم مع أعداء
الإسلام، بل ينبغي أن نتواصل معهم، وان نمد لهم جسور المودّة والتفاهم ونعتبرهم
أصدقاءنا، ونحافظ عليهم ولا نخسرهم بوضعهم في نفس سلة أعداء الإسلام والمسلمين. وأنا أقول للغربيين دائما لا تضيعوا فرص التعاون والتعايش
مع المسلمين، لان المسلمين دعاة أمن وأمان وسلام وتعاون ولا يعادون أحدا. وأدعوهم إلى قراءة الإسلام والاطلاع عليه في أصوله الصحيحة
ليدركوا حقيقة أنه رسالة سلام ومحبة ومودة مع الجميع، وأنه يحارب الإرهاب بشدة،
ويرفض التطرف ويدين الانحراف الفكري حتى يضمن سلامة المجتمع ويحمى مصالح الناس. وأقول للمسلمين - انطلاقا من هذه الحقيقة نفسها - لا يجوز
أن تحولوا أصدقاءكم إلى أعداء، وإنما الحكمة تقتضي تحويل الأعداء إلى أصدقاء، وهذا
في الحقيقة خلق إسلامي تحدث عنه القرآن الكريم في قوله تعالى: { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي
بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم}. وينبغي أن يتعلم المسلمون كيفية صناعة الأصدقاء، وينبغي
أيضا أن يدرك المسلمون أن الغرب فيه الصالح والطالح، وفيه الخير والشر، وفيه الحسن
والسيئ، ومن ثم لا يجوز التعميم في الأحكام، وإنما ينبغي التفريق بين الصالح
والطالح، وأن نتواصل مع الصالح ونتعاون معه لمقاومة الطالح ومحاصرة شروره ومخاطره.
وأنا دائما أؤكد أنه لن يرث الأرض المعتدى أو المتطرف، ولن
يرثها مستضعف، وإنما سيرثها المتعاون على البر والتقوى، والمسلمون أهل لذلك. وأعتقد أنه في ظل هذه المرحلة الحرجة التي يعيشها العالم لا
بديل لنا عن "الحوار" للتواصل والتفاهم مع الآخر لإيصال حقائق الإسلام
السمحة إلى الآخرين. أمة حوار >> أكدتم
أهمية "الحوار" مع الآخر لبيان حقائق الإسلام وتأكيد سماحته وأنه لا
يعادى أحدا.. فهل تعتقدون أن الأمة الإسلامية تملك حاليا مقومات نجاح الحوار مع
الآخر؟ > الأمة الإسلامية أمة حوار ودعوة بالحكمة والموعظة
الحسنة والتي هي أحسن. وأمتنا عليها مسؤولية عظيمة تجاه البشرية بما تملكه من قيم
إسلامية عظيمة تحتاج إليها البشرية، وفى مقدمتها العدل والمساواة والحرية والحق. ولا شك في أن عدم وفاء الأمة الإسلامية بدورها المنشود في
تصحيح مسار البشرية نحو الحق والعدل والخير والفضيلة من شأنه أن يلحق أضراراً
جسيمة بالبشرية. كما أن محاولات البعض لمنع المسلمين أداء هذا الدور السامي
لصالح البشرية يعنى حرمان الناس من تلك القيم، وإفساح المجال أمام الظلم،
والأنانية والاستغلال لتسود وتنتشر في حياة الناس. ومن هنا تبرز أهمية الحوار الإسلامي مع الغير تحقيقا
للتعاون على البر والتقوى، ومنعا للظلم والاستغلال. إن الحوار في الحقيقة يمثل فرصة عظيمة للمسلمين لتعريف
الغير بحقائق الإسلام، وسماحته، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، والأفكار الخاطئة عن
الإسلام والمسلمين. وينبغي أن يعد المسلمون للحوار إعدادا جيدا حتى ينجحوا في
التفاهم مع الآخرين والتواصل معهم وحماية مصالحهم في شتى المجالات.
الصفحات |
1
|
2 |
3
|
4 |
5 |
6
|
7
|
8
|
9
|10 |
11 |
12 |
13 |
14|
15 |
16|
الأولى |
العالم
هذا الأسبوع
|
حوارات |
مراسلون |
إقتصاد |
أوراق ثقافية |
متابعات|
طب|
الأسرة |
الرابطة |
مشاركات | الدعوة | الخطب |
الأخيرة | الإنجليزية
المفكر اللبناني الدكتور أسعد السحمراني لـ" العالم
الإسلامي ": عالمية الإسلام أعظم ضمان للتبادل المعرفي والثقافي
والتواصل الحضاري في العالم العولمة تلغي "التعددية" ولا تعترف بالآخر وتسعى
لاغتصاب حقوقه حوار: أحمد مصطفى عبد الله ● حذر المفكر اللبناني الدكتور أسعد السحمراني الأستاذ بأكاديمية الإمام
الأوزاعي الإسلامية في بيروت من أن العولمة" مشروع استعماري.. يتخفى وراء
شعارات "خادعة". كما حذر من أن العولمة تلغي
"التعددية" ولا تعترف بالآخر وتسعى لاغتصاب حقوقه. وقال إن عالمية الإسلام أعظم ضمان للتبادل
المعرفي والثقافي والتواصل الحضاري في العالم، مشيرا إلى ضرورة أن تتعاون مؤسسات
الأمة الإسلامية في تقديم الإسلام بصورته الصحيحة في الغرب لإسقاط محاولات تشويهه.
وطالب بتنشيط مسيرة الدعوة الإسلامية للتعريف
بحقائق الإسلام ومواقفه من قضايا العصر، كما طالب بدعم الاجتهاد والتجديد في الفكر
الإسلامي لاستيعاب المستجدات العصرية. وأوضح أن البشرية في كل وقت وفي هذه الآونة
بالذات في أشد الحاجة إلى قيم الإسلام وتعاليمه السامية للخروج من أزماتها
المعاصرة وإقامة الحق والعدل وتأكيد المساواة بين الناس. كما أوضح أن الثقافة الإسلامية الصحيحة
تستعصي على الذوبان أمام أية تيارات فكرية مهما كانت عاتية ومهما كانت القوى التي
تروج لها وتقف من خلفها، لان ثقافتنا الإسلامية مستمدة من القرآن الكريم الذي تكفل
الله سبحانه وتعالى بحفظه. وفي الحوار التالي نتعرف على المزيد من
آرائه: >> تتباين
الآراء تجاه "العولمة" بين مؤيد لها ومحذر منها.. غير أن اللافت في
الآونة الأخيرة أن هناك خلطا متعمدا من البعض بين مفهوم "العولمة"
ومصطلح "العالمية"، الأمر الذي يعد تضليلا للناس.. فكيف ترون ذلك؟ > التضليل في المفاهيم والمصطلحات من الأساليب التي
يعتمدها أصحاب الأهواء أفرادا كانوا أم دولا سعيا لتحقيق مخططاتهم في غفلة من
الضحايا. والذين يتحدثون عن "العولمة" ويخلطون بينها وبين
"العالمية" عن قصد أو غير قصد يضللون الرأي العام، خاصة عندما يقولون إن
وسائل الاتصال المتقدمة اختصرت المسافات، وبات التعبير المستخدم هو أن العالم قرية
صغيرة، فهذا التعبير سلاح ذو حدين، فإذا كان المقصود به أن التواصل بين الشعوب
ونقل المعارف بات متيسرا وسهلا، فلا اعتراض، أما إذا كان المقصود أن الإعلام ووسائل
الاتصال المتقدمة سيدفعان إلى إلغاء الآخر، وتوحيد القيم وفق النظرة الغربية
العلمانية في محاولة للإمساك والاستفراد بالقرار العالمي، فإن هذه أطروحة تحتاج
للنقاش، ومن غير الصحيح التسليم بها. والعالمية بمعنى انفتاح الأمم على بعضها في إطار التواصل
الحضاري، وتبادل المعارف والاكتشافات، وصياغة علاقات تقوم على أساس من الاحترام
والحرية والتعددية كل هذه أمور مقبولة، وقد أرشد إليها النص القرآني في قوله
تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى
وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ
اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}. والعالمية دعا إليها الإسلام وحض عليها الناس شعوبا وقبائل
على تنوع ألسنتهم ومفاهيمهم وأممهم، لكن المطروح حاليا هو العولمة، وهي سعي لهيمنة
ثقافية واقتصادية، من أجل إلغاء الآخر، فلا إقرار بقبوله ولا إقرار بوجوده
وبخصائصه، وهذا النمط الاستعماري المتستر بالعولمة ليس جديدا، لأن الاستعمار
الأوروبي في مراحل التاريخ كافة كان هدفه إلغاء الآخر وفرض أنماط عقدية وحضارية في
مختلف جوانب وميادين الحياة. إن العالمية الإسلامية ضرورة إنسانية من أجل التبادل
والتواصل الحضاري، ومن أجل التراكم والتطور المعرفي والعلمي، وهي التي تحقق
التلاقي الفكري الذي يولد الحركة الفكرية الثقافية، ويعزز دورتها بشكل سليم. أما العولمة فهي ليست أكثر من مشروع استعماري يتخفى وراء
شعارات متنوعة كي يخفي على الناس حقيقة عدوانيته. فالعولمة في جوهرها إلغاء للتعددية، وعدم اعتراف بالآخر
الثقافي والاقتصادي والإعلامي والاجتماعي، وهذا الإلغاء من وجهة نظر صناع مشروع
العولمة سيكون إن استطاعوا لصالح الأمركة، فالعولمة هي تعميم للنمط الغربي
الليبرالي الرأسمالي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، وبذلك تكون العولمة
المطروحة مشروعا استعماريا لكن طرحه يتم بشكل يخفي حقيقة المضمون كما حصل في أوائل
هذا القرن عندما استعمرت دول الحلف الأمة العربية وقسموها إلى مناطق نفوذ بناء على
اتفاقية سايكس بيكو وغلفوا الحقيقة الاستعمارية بستارة اسمها الانتداب. ثوابت إسلامية >> في
رأيكم.. كيف يمكن الحفاظ على الهوية الإسلامية في مواجهة المخاطر الجارفة المصاحبة
لتيار العولمة؟ > ينبغي أن نميز جيدا بين أمرين مهمين، الأول الحفاظ على
الشخصية والهوية مع الانفتاح على الأمم الأخرى، فهذا الأمر كان ولا يزال ضرورة
أملاها الإسلام كما يمليها واقع حركة الأمة في مسيرة التاريخ، والثاني هو الجمود
والتزمت بدعوى المحافظة وهذا موقف يعبر عن عدم ثقة بالنفس. وينبغي أن ندرك أيضا أنه لا يقوى على رد هذه الغارات من
الغزو الثقافي والتحديات التي تعترض الأمة، إلا موقف فاعل يلتزم ثوابت الشخصية
والهوية الإسلامية، وينفتح على العالم بأسره بكل ثقة بالذات الحضارية متفاعلا مع
حضارات الأمم يأخذ منها ويعطيها من موقع الندية، وهذا الموقف هو الأكثر جدوى
وواقعية وموضوعية. إن مجريات الأمور الحضارية وحركة الأمم في التاريخ لا تعرف
القفزات الفجائية أو الحركات غير المحسوبة وإنما الأحداث تنتج دوما من خلال معطيات
وظروف وتتأثر بالخصائص الحضارية والقاعدة فيها ارتباط متين بين التاريخ والحركة
الحضارية. إن من يدقون طبول العولمة يبدو أنهم لم يقرأوا التاريخ الذي
يشكل ذاكرة الشعوب ومصدر العبر والدروس، ولم يعرفوا أن التقدم الحضاري والثقافي
متاح لتراكم معرفي تلتقي في حاضره عبر الماضي وتراثه مع التطلعات المستقبلية. إن العولمة التي تسوق للاستهلاك لها محدداتها التي لا تناسب
هويتنا العربية والإسلامية، وفي الوقت نفسه لا تناسب هويات لمناطق كثيرة في
العالم، إضافة إلى أن الشعوب لم تعرض وطنيتها ودولها وحضاراتها في سوق أو مزاد
مباح لهذه الدول أو تلك، كما أن محاولة نسخ الهوية ليست المحاولة الأولى في
التاريخ. تعاون جماعي >> هناك من
يدعو إلى إقامة تعاون إسلامي جماعي من خلال خطط وبرامج مشتركة لمواجهة مخاطر تيار
العولمة.. فكيف ترون ذلك؟ > إن هذا الوضع الذي ألغى الحدود الجغرافية يتطلب من
المسلمين وعيا كبيرا بالمخاطر الوافدة نتيجة تكثيف جهود الترويج لتيار العولمة. ولا شك في أننا نحن المسلمين نملك قيما رائدة تحتاج إليها
البشرية في كل وقت وفي هذه الآونة بالذات لإنقاذها من المخاطر التي تحيط بها نتيجة
انغماسها في القيم المادية.. ومن تلك القيم الإسلامية السامية العدل والحرية وحقوق
الإنسان والمساواة واحترام الآخر والتعاون معه. إن أمتنا الإسلامية مطالبة - من خلال مؤسساتها ومنظماتها
المختلفة - ببناء وإعداد خطط وبرامج جادة لتقديم الإسلام في صورته الصحيحة للغرب
كدين عالمي يسعى لخير الإنسانية كلها ولا يفرض على أحد الدخول فيه بالإكراه ولا
يجبر أحدا على اعتناق مبادئه، ذلك أن الإسلام جعل الإيمان الحق اختياريا ولا إكراه
فيه. واجبنا تعريف الغرب بأن عالمية الإسلام هي التي تضمن
المساواة الكاملة بين جميع البشر دون أدنى تفرقة، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا
النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً
وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ
اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}. كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبرز حقيقة أن البشر
جميعا متساوون أمام الإسلام بقوله: (كلكم لآدم وآدم من تراب). ومن المهم جدا أن تتعاون مؤسسات الأمة الإسلامية في نشر
الوعي الديني الصحيح بين شباب الأمة الإسلامية وأجيالها الجديدة لتحصينها فكريا
وثقافيا والحفاظ على هويتها الإسلامية المميزة في مواجهة تيار العولمة. ولا شك أن هناك حاجة إلى تنشيط مسيرة الدعوة الإسلامية
وتعزيز مسيرة الاجتهاد والتجديد لاستيعاب مستجدات العصر، كما أن هناك حاجة إلى
تنشيط دور الأسرة المسلمة في رعاية أبنائها. مزاعم مرفوضة >> هل يمكن
اعتبار الحملة الغربية الشرسة على الإسلام في هذه الآونة جزءا من مخطط يتم تنفيذه
لحساب تمكين تيار العولمة؟ > العداء الغربي للإسلام نابع من أنهم يروجون لاعتباره
العدو المفترض، وأنه السد المانع لتحقيق مصالحهم في العالم العربي والإسلامي. وعدوانيتهم تقوم على فكرة الإلغاء التي تذكرنا بمزاعم
الماركسية بالحتمية التاريخية المادية، والأمريكان اليوم ينشرون مزاعم عن حتمية
تاريخية مادية موصلة إلى الرأسمالية الليبرالية. وقد طرح هذا الزعم فرانسيس فوكوياما في كتابه "نهاية
التاريخ"، ولا أعتقد أن مزاعم فوكوياما - التي تحمل تسويقا للهيمنة الأمريكية
الغربية من خلال العولمة- معبرة عن واقعية، فهو يستخف بكل الحضارات والقيم بما في
ذلك المعتقدات، والإسلام معها، عندما يصرح بأن الديمقراطية بالمفهوم الغربي الليبرالي
فقط هي "المدينة" ومن لم يدخلها لا يزال "خارج المدينة"، وهذه
أطروحة قائمة على روح الاستعلاء والعنصرية. والعداء الغربي للإسلام والعرب يظهر من خلال مجالات كثيرة
بما في ذلك شركات الإنتاج العملاقة في هوليود والتي تنتج أفلاما تصور المسلمين
والعرب على أنهم إرهابيون يجب مقاومتهم والقضاء عليهم، وأنهم يرغبون في تدمير
حضارتهم، وهكذا فهم يشوهون صورة الإسلام والمسلمين في أفلامهم السينمائية،
ويستخدمون كل ما لديهم من إمكانيات من أجل ذلك. وإذا انتقلنا إلى أمور أخرى أكبر من أفلام هوليوود نجد
أشكالا من العدوان على قيم الدين، ودعما للقيم المادية أخطر بكثير، فالولايات
المتحدة مثلا تدعم بشكل لا محدود العدو الإسرائيلي في كل إجراءاته التوسعية
وأطماعه بما في ذلك تهويد مدينة القدس، وأمريكا تمسك بقرار هيئة الأمم المتحدة
وتوظف ذلك في خدمة مصالحها، فهي لا تريد بقعة أو مساحة تتحقق من خلالهما العالمية
وانفتاح الأمم على بعضها، وإنما تريد صياغة هويات جديدة للأمم تجعلها في خدمة
هيمنتها. أما الثقافة الإسلامية العربية فهي عصية على ذلك، لأنها
تقوم على ربط معين للدين بالمجتمع، وهي حريصة على إثبات ذاتها كاملة، من خلال
إبراز الهوية العربية الإسلامية. محاولات فاشلة >> البعض
يتخوف من نجاح محاولات فرض أهداف العولمة على الدول الفقيرة من خلال التعاظم
الملاحظ لجهود الترويج لها إعلاميا وثقافيا وفكريا.. فكيف ترون ذلك؟ > كما سبق أن ذكرت، العولمة نظام هيمنة استعماري
التوجهات، ولكن الأمر ليس جديدا، فقد سبق أن طرحته دول كثيرة، مثل بريطانيا التي
كانوا يسمونها "العظمى"، و بريطانيا حاولت قبل قرن أو يزيد أن تحقق
مشروع عولمة، وقد توافرت لها إمكانات وظروف يصعب أن تحظى بها أمريكا أو سواها. واستعراض واقع الحال في أمريكا يظهر بشكل جلي ما في مجتمعهم
من عوائق وعقبات وإشكاليات تهدد وتنذر بخطر على هذا المجتمع نفسه. إن استقراء الواقع هناك يبين مدى الانقسام الحاد داخل
مجتمعهم من جراء التمييز العنصري بين البيض والملونين، وبسبب العدوانية ضد قيم
الإيمان والإسلام بشكل خاص، ناهيك عن العدوانية ضد كل الشعوب، إضافة إلى ذلك
التلاعب بالمؤسسات الدولية تحقيقا لمصالحهم، ومن ذلك الانحياز الكامل للمشروع
التوسعي الإسرائيلي ضد العرب. كما أن ثقافة الجريمة والسجون انتقلت بداعي المناخ العام في
أمريكا إلى المدارس حيث شاعت ظاهرة إطلاق النار على المدرسين والمدرسات وعلى
التلاميذ بشكل لافت لم يشهد له العالم مثيلا. ويصعب تعميم النموذج الليبرالي حتى باسم الاقتصاد لأن
الاقتصاد لا يستطيع أن ينجح بعيدا عن الهوية الثقافية، وإذا كانت أمريكا من خلال
العولمة تطرح هوية غربية مادية التوجه، فان مجتمعاتنا لا يناسبها ذلك، ولن تكتب له
الحياة على أرضها.
الصفحات |
1
|
2 |
3
|
4 |
5 |
6
|
7
|
8
|
9
|10 |
11 |
12 |
13 |
14|
15 |
16|
الأولى |
العالم
هذا الأسبوع
|
حوارات |
مراسلون |
إقتصاد |
أوراق ثقافية |
متابعات|
طب|
الأسرة |
الرابطة |
مشاركات | الدعوة | الخطب |
الأخيرة | الإنجليزية
الصفحة الثالثة
الصفحة الثالثة