آفاق

العنف مدعاة للعزلة

د. عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب>

إذا كان المواطن الغربي يعاني حالة الغربة داخل بلده ونفسه نتيجة التطور التقني الحديث وعلمنة الأنظمة والحياة بشكل كامل جعله بعيدا عن الدين والتمسك بالقيم والأخلاق التي تدعو إليها الأديان حتى أصبح نافيا لذاته نتيجة تغليب العقل على الروح فضلت النفس وأصبحت تعاني خواء روحياً.

أما نحن فنحاول عزل أنفسنا أو تحاول مجموعة منا عزلنا جميعاً عن العالم بعدما تمكن الإسلام من الانتشار والانفتاح دون عوائق ضمن رابطة الجماعة والوحدة والاتصال بالشعوب الأخرى. وتمكن من بث قيمه وأخلاقه ومبادئه التي أتى بها في إطار من الاخوة الإنسانية فقبل الآخر فقبله ومن خلال هذه الأخوة الإنسانية انتشر الإسلام وامتد في أطراف المعمورة.

فإذا انطلقت الصين بعد عزلتها التي استمرت عقودا من الزمن وأصبحت تحتل المكانة السادسة بناء على نموها الاقتصادي الذي سجل هذا العام ثمانية في المائة وسوف تدخل الهند ايضا هذا الميدان بنموها الاقتصادي وأصبح الغربيون في حالة هلع نتيجة انتقال شركاتهم ومؤسساتهم المالية إلى الهند والصين ولولا هذا الانفتاح لما انتقلت تلك الشركات لأن المال جبان لا يعترف إلا بالمصالح.لكن أين العالم الإسلامي من ذلك الانفتاح وهو يملك امكانات عديدة وثروات اقتصادية هائلة ولكنه يعاني من الفقر والبطالة والفساد والتفكك بجانب الحماقات التي يرتكبها أناس باسم الإسلام لعزل أمة بكاملها نتيجة ما ترتكبه من اغتيالات وقتل الأبرياء والمستأمنين بحجج واهية وتفسيرات ضيقة متشددة صادرة عن أناس لا ينتمون بصلة إلى العلماء الراسخين في العلم، سعوا في الأرض فسادا وزعزعوا الأمن وجعلوا من الإسلام كأنه حكر على فئة معينة دون غيرها ونقضوا التعايش بين الديانات والأقوام وغيبوا التسامح وجذروا مكانه العنف والإرهاب وحقنوا شباب الأمة بجرعات من التشنج مستغلين الحالة في العراق ومن قبلها في أفغانستان والانتفاضة في فلسطين لاثارة الشعور الديني واستغلال حماستهم.

فهربت الاستثمارات والشركات ومن ضمنها العربية والإسلامية المشتركة ضمن هذه الشركات العالمية ذات الخبرة ومالكة التقنية فازددنا عزلة وتقوقعنا والتصق بنا الإرهاب ودخلنا في دائرة ردة الفعل وتوقفت انطلاقتنا والعودة إلى الخلف مرة أخرى.

فلو تمسكنا برؤية السلف حقا لصنعنا حضارة كما صنعوا حضارتهم. فالسلف كانوا يتمتعون بهامش واسع من التسامح والانفتاح والتعايش مع الآخرين ولولا تلك الصفات لما انتشرت رقعة الإسلام في فترات وجيزة جدا من الزمن.

فعلينا العودة بالتمسك برؤية السلف والاقتداء بسلوكهم الذي ورثوه عن سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه لننطلق مرة أخرى ونشارك الحضارات الأخرى نهضتها وألا نترك الأمر لفئة من المسلمين تتحكم بمستقبل أمة الإسلام تعيق اندماجها العالمي وتعيق نشر دينها الحنيف.

> رئيس قسم العلوم الاجتماعية

بكلية المعلمين بمكة المكرمة