مساحة حرّ ة
ما بعد الانتخابات في العراق

ياسر الزعاترة
● طوال الأسابيع، وربما الشهور
الماضية لم يكن لدى الاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق ما يسوغ به وجوده، وقبل
ذلك احتلاله سوى حكاية الانتخابات التي ستمنح العراقيين فرصة التمتع بالحرية
والديمقراطية، ومن ثم التعبير عن تطلعاتهم وأشواقهم المستقبلية بعيداً عن
الدكتاتورية.
حصل ذلك بعدما فقد الاحتلال جميع مبرراته التي ساقها قبل
الحرب وأثناءها وما بعدها، فأسلحة الدمار الشامل لم يعثر عليها، لا هي ولا برامجها
المزعومة، أما الحرية فقد انهار بنيانها إثر صور التعذيب التي لم يتوقف تدفقها منذ
شهور ولغاية الآن، ومعها وقبلها جميع صور الانتهاكات التي مورست بحق الإنسان
العراقي على مختلف المستويات.
لكن لعبة الانتخابات لم تمض وفق ما كان مخططاً لها، فقد
جاءت مقاطعة العرب السنة لتلقي بظلال من الشك حول جدواها وشرعيتها، لاسيما بعدما
طالب عدد كبير من القوى السياسية، بعضها مشارك في الحكومة العراقية المؤقتة،
بتأجيلها بسبب الظروف الموضوعية غير المناسبة، الأمر الذي رفضه المحتلون وبعض
القوى الشيعية التي رأت فيها فرصة تاريخية لتأكيد وجود الطائفة كحاكم للعراق
الجديد.
أياً تكن الظروف الموضوعية التي توفرت للانتخابات، وشككت من
ثم في شرعيتها، فقد أجريت وانتهى الأمر، وصار على الاحتلال أن يختار له خطاً
جديداً في التعامل مع الأزمة، ليس هو فحسب بل القوى المتحالفة معه أيضاً.
صحيح أن جزءاً مهماً من الشعب العراقي (العرب السنّة) قد
غاب عنها، فيما توزعت حصته على القوى الأخرى، لكن تصحيح هذا الأمر لن يكون صعباً
على الحكام الجدد، إذ يمكن استعادة لعبة "الكوتا" بالنسبة لهذه الفئة في
الحكومة الجديدة وفي لجنة صياغة الدستور، وبالطبع وفق ذات النسبة (20%).
الآن وفي ظل الحكومة الجديدة سيكون أمام المحتلين فرصة
للخروج من المأزق عبر إعلان جدول زمني لانسحابهم من العراق، وبالطبع من أجل وقف
نزيفهم المالي والبشري، فضلاً عن منح تلك الحكومة ميزة سيكون ثمنها الولاء
السياسي، لكن توفير الأمن لها سيتطلب منح حصة عادلة، بل أكثر من عادلة للعرب
السنّة، لسبب بسيط هو أن مقاومتهم هي التي طردت الاحتلال الذي ما كان له أن يرحل
لولاها، وهو الذي كان ينوي ترتيب شكل من أشكال الاستعمار أو الانتداب على البلاد.
يجب إقناع العرب السنّة بأنهم لن يكونوا أكراد المرحلة
الجديدة إذا أريد منهم وقف المقاومة والانخراط في الحياة السياسية بعضلاتهم
الطبيعية، وحين يحدث ذلك، فإن من قاوموا الاحتلال وأخرجوه من الباب لن يوافقوا على
إدخاله من الشباك، وليغدو قيماً على العراق الجديد بدعوى العلاقات الدبلوماسية
الحسنة.
الاحتمال الآخر، وهو المرجح، هو أن يركب المحتلون رؤوسهم،
تماماً كما هو حال الإمبراطوريات التي يقتلها غرور القوة وتودي بها الغطرسة
والمعارك الإمبريالية، والنتيجة هي رفض الخروج أو جدولة الانسحاب، ومن ثم الإصرار
على ترتيب شكل من أشكال التشريع لوجودهم، كما هو حال وجودهم العسكري في بلدان شتى.
في هذه الحال ستكون الحكومة الجديدة موضع شك أمام العراقيين
والأمة عموماً، وهو ما سيدفع نحو استمرار المقاومة وتحدي الحكومة ومن نصبها في آن
معاً، والنتيجة هي مزيد من استنزاف الاحتلال وصولاً إلى نقطة يستحيل عندها البقاء.
خلاصة القول هي أن الاحتلال في مأزق وما جرى لن يخرجه من
ذلك المأزق، ويبقى بإمكانه تقليل حجم خسائره بإعلان قرار الرحيل، الأمر الذي يعني
انتصاراً سريعاً للمقاومة على أقوى إمبراطورية في التاريخ، أما إذا أصر على البقاء
فإن النصر سيتأجل لبعض الوقت لكنه لن يغدو مستبعداً بحال من الأحوال.