انتبهوا أيها السادة واحلوا الرحمة في بيوتكم:
ضرب الزوجات مؤطر في الشريعة وغالب الأحاديث فيه ضعيفة
مكة المكرمة - إبراهيم عبده
● ضرب الزوجات موضوع قديم متجدد. في هذا الوقت يتخذ
مادة للنيل من الإسلام واتهامه. حقوق الإنسان ترى فيه مدخلا الى الإسلام بأنه يهدر
حقوق الآدمية. بعض الأزواج المستعرين والذين يقل نصيبهم من العلم والأخلاق يجدون
فيه متنفساً لهم.
المحاكم ملأى بالشكاوى والمرافعات والتي لا
تصل إلى المحاكم مئات الأضعاف من الحالات التي تؤثر الصمت وعدم إذهاب الريحة.
حالات تصل حد الإعاقة. وحالات تشرف بصاحباتها إلى الموت.
أن يحدث الضرب من إنسان بلا دين رادع فهذا
أمر غير مستغرب. ولكن أن يأتي من إنسان معروف بالخير ومحسوب على الصلاح فهذا أمر
محزن وهو موجود للأسف.
أسباب الضرب كثيرة، بعضها لا تبرىء ساحة
المرأة، وبعضها تتهم عنف الرجل وسوء خلقه.
الأخ حسن عيسى يقول عن حالة عايشها أنه سمع عن إنسان وديع
جدا إنهال على زوجته ضربا ذات صباح. ويعقب: ولكن هل أستطيع أن ألومه وقد قيل أنه
وجد في بيته رجلا آخر!!
الأخ محمد عابدين يقول إن المرأة غالباً ما تكون متسببة
فيما ما يلحق بها من ضرب وأذية من زوجها، كأن تكون عنيدة، أو سيئة السلوك، أو أنها
تثير شكوكه ببعض أفعالها، والغالب أن بعض الرجال ربما مارس ذلك لمرات ليثبت من
خلالها رجولته ومسكه بزمام الأمور خاصة إذا ما غلبت عليه العواطف في وقت من الأوقات.
في نفس الاتجاه يحذر أبو أحمد النساء من غضب الحليم من
الأزواج، ذلك أن بعض النساء قد تفسر حلمه وصفحه عن تجاوزات زوجته أنه ضعف منه،
فتتمادى فيما يزعجه.. الأمر الذي قد يسبب انتفاضة أسرية.
أحمد عبده - مدرس يقول سأكون صادقاً، أسر كثيرا وأفرح إذا
سمعت أن زوجة متكبرة على زوجها ومحتقرة لأهله قد ضربت.
أبو عبدالعزيز من مكة المكرمة يقول من استقراء الواقع وجدت
أن من يؤيد ضرب الزوجات لا يرضيه أن يحدث هذا لابنته وأخته، وأحسب أن احترام أهل
الزوجة للزوج وتقديرهم له يجعله يحترمهم فيها إن كان إنسانا سوياً فيمسك يده ولسانه
عنها إذا ما استفزته لسبب ما. أغرب ما سمعت أن بعض النساء يعجبها أن يضربها زوجها
لأنه غالباً ما يصالحها بهدايا تحبها أو أنها تتلذذ برؤية قوة زوجها وصرامته، يحدث
هذا عند الفتيات اللاتي عشن في كنف أب ضعيف وأم متسلطة.
ويضيف: بعض الأزواج رغم هيئته الجيدة إلا أنه خاو فكرياً..
هذا يظن أن في العصا كل دواء.. والبعض مكسور في عمله وحياته وضعيف في شخصه ويجد في
ضرب زوجته متنفساً وتفريغاً للشحنات التي يجبن عن تفريغها في زملائه وأقرانه.
والحل أنه لابد من الوازع الديني واستحضار معاني الرحمة وأن
الرحماء يرحمهم الله وأن الله تعالى حليم يحب الحلماء وأنه تعالى أعد الأجر العظيم
لمن كتم غيظاً كان قادراً على المجازاة به، وأن في الصبر على الزوجة وحسن الخلق
معها الأجر الكبير والدخول في خيرية الأمة كما أخبر المعصوم صلى الله عليه وسلم
وأن الإنسان ليبلغ بحسن خلقه منزلة قائم الليل صائم النهار، وأنه ما وضع إنسان في
ميزان حسناته مثل الخلق الحسن وإن لم يكن حسن الخلق مع الزوجة والأولاد فمع من؟!!
ولا يغفل جانب تقدير العشرة والحياء من الأولاد والأقارب كعوامل ردع، فإن لم تجد
كل هذه المعاني لانحراف في السلوك أو في الشخصية وعنف صاحبه شديد فلابد من قوة
رادعة: قوة أهل الزوجة أو السلطة.. وإلا فلتخلع نفسها منه إن نفد صبرها ويتولى
الله تعالى أمرها.
وضرب الزوجة قد يصدر من متعلم أو طالب علم. وشواهد ذلك
كثيرة من الحياة فكثير ما يهرع الناس إلى بيت أثر الصراخ المرتفع ليجدوا الرجل
الملتحي الذي يرتاد المحاضرات ويؤم الناس أحياناً وبيده الكرباج أو الهراوة فيما
تتلوى زوجته مما حل بها من عذاب، فإذا ما عوتب أو منع رفع صوته بالآيات والأحاديث
التي لا يرى أنها تؤيده فقط بل وتحضه على ما هو أشد مؤكداً أن الناس في غربة عن
الدين وفهمه وفي جهل به.
الشيخ د. سلمان بن فهد العودة يتناول القضية من أطرافها
ويحذر من القسوة في التعامل والتي لا تؤثر على حياة الزوجين فحسب ولكنها قد تنعكس
على النشء وعلى الجيل، كما كل الأمراض الاجتماعية.. ويقول: يستدل بعضهم خطأ بالآية
الكريمة: {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن}
(النساء34).
ويظن أنها تفويض بالضرب؟ وهذا..
أولاً: خاص بحال النشوز والعصيان وليس إذناً مطلقاً.
وثانياً: جزء من منظومة متكاملة في التعامل تحدد الحقوق
والواجبات ولا يجوز تناولها بمفردها معزولة عن غيرها.
وثالثاً: هو آخر المطاف بعد فشل الوعظ والتذكير ثم فشل
الهجر في المضجع أي: يهجرها في الفراش دون أن ينتقل إلى غرفة أخرى.
ورابعاً: فسره النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ضرب غير مبرح
فهو حركة تعبر عن التأديب وليس الأذى أو العدوان وهو ضرب الحبيب الذي قالوا عنه
أنه كأكل الزبيب.
وأما حديث: «لا يسأل الرجل فيم يضرب امرأته» الذي أخرجه أبو
داود والنسائي في (الكبرى) وابن ماجه والبيهقي وأحمد عن عمر فهو حديث ضعيف لأجل
عبدالرحمن المسلي قال عنه الذهبي: «لا يعرف إلا في هذا الحديث».
وعلى فرض صحته، فمعناه - والله أعلم - نهي الناس أن يسألوا
الرجل عن السبب، لأن هذا من الفضول والتطفل على حياة الآخرين، ورواية المسند تدل
على هذا.
وليس المقصود أنه لا يسأل يوم القيامة بل يسأل المرء عن كل
شىء ولا يقصد ألا يسأله الحاكم بل الحاكم يلزمه شرعا النظر العادل في أي قضية شكوى
ضد زوج اعتدى على امرأته بالضرب دون وجه حق وقد ورد في قصة جميلة بنت أبي مايدل
على هذا.
وأما حديث: «ولا ترفع عصاك عنهم أدباً» فهو ضعيف، رواه
البيهقي وفيه انقطاع بين مكحول وأم أيمن ورواه أحمد وفيه عبدالرحمن بن جبير بن
نفير لم يسمع من معاذ، ورواه الطبراني في الكبير وفيه عمرو بن واقد القرشي وهو
كذاب.
ومثله حديث: «علق السوط حيث يراه أهل البيت» رواه ابن عدي
والطبراني والبخاري في الأدب المفرد وغيرهم، وهو ضعيف قال في المقاصد: في سنده من
هو ضعيف وقال في أسنى المطالب: طرقه ضعيفة.
إن العنف ضد المرأة ظاهرة عالمية على رغم مدونات حقوق
المرأة وما يسمى لـ (اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة).
ويكفي أن واحدة من كل ثلاث نساء في العالم تعاني من مشكلات
صحية خطيرة لها علاقة بتعرضها للضرب أو الاغتصاب أو أشكال أخرى من العنف، ومن آثار
ذلك تورط المرأة في إدمان المخدرات أو التدخين أو الشيشة - على الأقل - فضلاً عن
الأمراض النفسية، كالاكتئاب والتوتر وقد تصل إلى الانتحار أو محاولة الانتحار.
حدثني أحدهم أن جارتهم تأكل كل ليلة من زوجها السكير وجبة
ساخنة من الضرب الموجع ويسمعون صراخها يقطع القلوب ثم تأتيهم في الصباح متجلدة
وكأن شيئاً لم يكن حتى فقدوها مرة.. فوجدوه قد قتلها قتله الله.
لا إحصائيات رسمية في العالم العربي فهي معاناة صامتة في
الغالب والمرأة أعجز من أن ترفع شكواها أو توصل صوتها إلى الجهات القضائية أو
غيرها.
ويا للحزن الشديد.
كم من امرأة تعيش القهر المدمر في ظل زوج لا يرى لها حقاً
ولا يقيم لها وزناً ولا خيار لها غيره.