العدد 1875- الإثنين  27 ذو الحجة  1425 هـ  إسلامية-أسبوعية- جامعة NO 1875 MON 27 Dhul Hijjah  1425H  07 Feb 2005

 

الصفحة الحادية عشرة 

    1

 

الهجرة النبوية الشريفة.. الدروس والعبر

الدكتور عبدالله مبشر الطرازي>

● يمر عام بعد عام بعدعام وتتجدد ذكرى الهجرة النبوية الشريفة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، ويتذكر المسلمون تاريخ الآباء والأجداد بهذه المناسبة، ويتدارسون سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وسير الصحابة الكرام رضي الله عنهم، ويتساءلون ويتناقشون متى ولماذا وكيف كانت هجرته صلى الله عليه وسلم؟ وماهي نتائج تلك الهجرة المباركة؟ فيخرجون من دراستهم ومناقشتهم بدروس عظيمة تفيدهم في مستقبل الحياة.

يقول الله تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام} فالإسلام هو الدين الكامل الشامل الذي جاء لهداية البشرية جمعاء، نحو حياة أساسها الإيمان بالله تعالى والعمل بأوامر الشريعة، حياة كريمة هادئة متزنة، حياة يسودها العدل والرحمة والفضيلة، حياة يعمل الجميع فيها لخير الإنسانية.

وقد بعث الله رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم في وقت كان العالم كله يعيش في ضلال عقائدي وفساد أخلاقي وظلم اجتماعي، وطغيان الإنسان على الإنسان، بحيث كان يعامل البعض الآخر معاملة الحيوان في بعض الأحيان.

وكانت شبه الجزيرة العربية أيضا تعيش في ظلام الجهل والضلال والفساد، وكانت القبائل العربية تحارب بعضها البعض بلا رحمة، وتحيا حياة قاسية، ففي مثل هذا الوقت بعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم لهداية الناس، يدعوهم إلى الإيمان بالله خالق كل شيء، وإلى الخير والفضيلة، والعلم النافع والعمل الصالح والأخلاق الحميدة.

ولكن قومه من قريش وغيرهم لم يؤمنوا بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من تعاليم حكيمة من عند الله تعالى لخيرهم، بل قاموا بإيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم بشتى الوسائل.

ولقد صبر الرسول صلى الله عليه وسلم على أذى قريش له ثلاثة عشر عاما، حتى يئس كبار قريش من القضاء على دعوته فقرروا قتله، ووضعوا لذلك خطة ماكرة، وهي أن يأخذوا شابا من كل قبيلة، وأن يقتلوه بضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل كلها فلا يقدر بنو هاشم على حرب قريش فيرضون بالدية، وقد أقروا هذا الرأي لطاغيتهم أبي جهل، واستعدوا لتنفيذ الخطة.

ولكن إرادة الله كانت فوق كل إرادة، فقد أخبر رسوله عن مكرهم بإنزال قوله: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} وبذلك أذن الله لرسوله بالهجرة من مكة إلى المدينة، ليعود منها إلى مكة فاتحا منتصرا يحمل لواء الإسلام عاليا خفاقا.

وإذا نظرنا إلى هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، فنجد أنها قد توفرت لها أسباب النجاح، فمنها مبايعة الأنصار وسرعة انتشار الإسلام في المدينة، ومنها أن نصرة الله كانت مع رسوله صلى الله عليه وسلم في كل مايتعلق بالهجرة، ولا سيما حمايته وحفظه من شر قريش في أثناء الهجرة وبعدها.

وهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم لم تكن هروبا من أذى قريش، ولا خوفا من طغيان الطاغين، فقد ثبت في التاريخ أنه صلى الله عليه وسلم صبر على أنواع الأذى، إمتثالا لأمر ربه سبحانه حيث قال: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} وكان في عصمة الله وحفظه ورعايته في كل مراحل الدعوة التي قام بها لنشر الدين الإسلامي.

وقد أمضى الرسول صلى الله عليه وسلم تلك السنوات بمكة صابرا ثابتا في سبيل نشر دعوته، كما صبر أصحابه رضي الله عنهم على أنواع التعذيب التي قاسوها من المشركين، ولم يكن لهم ذنب غير أنهم آمنوا بالله وبرسوله وثبتوا على إيمانهم.

وكانت هجرته صلى الله عليه وسلم حادثة عظيمة بمشيئة الله تعالى وتدبيره وحكمته، كما كانت انتصارا عظيما للإسلام وسبباً قويا لانتشاره في العالم.

وقد قام الرسول صلى الله عليه وسلم، بعد هجرته بتأسيس الدولة الإسلامية في المدينة، ثم عاد إلى مكة المكرمة فاتحا منتصرا ليدعو الناس إلى الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، بتأييد كامل من الله تعالى، لأن الإسلام هو الدين الشامل على جميع التشريعات الإلهية، فهو لذلك دين البشرية جمعاء، كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين، لقوله تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس} يدعوهم إلى هذا الدين الحنيف، وقد أرسله اللهرحمة للعالمين يدعو الناس بالحكمة والموعظة الحسنة.

كلية الآداب ـ جدة

 

الأولى العالم هذا الأسبوعحوارات مراسلونإقتصادأوراق ثقافيةندواتطبالأسرةأقلياتالهجرةالدعوةالخطبالإنجليزيةالأخيرة

 

الصفحة الحادية عشرة 

    2

 

الهجرة.. حدث غيّر مجرى التاريخ

هجرة النبي إلى يثرب ضرورة فرضتها آليات الدعوة لانطلاقة الدين الجديد

مكث النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاثة عشر عامًا يدعو الناس إلى الإسلام، ويبصرهم بشرائعه، ويرشدهم إلى أحكامه، دون أن يتطرق إليه ملل، أو يصيبه كلل أو ضجر، لا تصرفه عن دعوته الشواغل، ولا يثنيه عن التبليغ وعد أو وعيد، وإنما هو ماض في طريقه، تحوطه عناية الله وتكلؤه رحمته، لا يجد وسيلة تمكّنه من تبليغ دعوته إلا اتبعها، ولا طريقة تهيئ له النجاح إلا أخذ بأسبابها، طرق كل باب، ووقف عند كل جمع، وعرض دعوته على القبائل؛ لعل أحدًا يؤمن بها ويؤازرها.

وآمن بالدعوة الجديدة بعض أهل مكة، ممن سمتْ نفوسهم، وصفتْ أفئدتهم، ونضجتْ عاطفتهم الدينية، فالتفوا حول نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، كما آمن عدد من الرقيق والموالي والمستضعفين في مكة، ولم تلق مكة بالاً لهذا الدين الجديد في بادئ الأمر، وعدّت محمدًا صلى الله عليه وسلم وصحبه مجموعة من الحنفاء الذين يظهرون ثم يختفون دون أن يلتفت إليهم أحد.. لكن هيهات هيهات...

فلقد استشعرت مكة وأهلها الخطر، حين وجدوا أنفسهم أمام رجل آخر، ودعوة مختلفة، وجماعة تتكون، وكتاب يُتلى، وأن الرسالة يتزايد أنصارها وإن كانت تشق طريقها ببطء بين دهاليز وجبال مكة وعقول أهلها وعصبيتهم التي جبلوا عليها، وليس هذا فحسب بل، هالهم الأمر حين بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يهاجم الوثنية ويعيب الأصنام، ويسفّه عبادتها، وهنا رأت مكة أن مكانتها الدينية وزعامتها الروحية في خطر، فلجأت إلى مواجهة الدين الوليد، ومحاصرته بكافة الوسائل التي تضمن إجهاضه والقضاء عليه، ولم تتحرج في استخدام التعذيب والقتل والسجن مع المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم ودعوته، ولم يسلم النبي صلى الله عليه وسلم نفسه من الأذى، وتعرضت حياته للخطر.

الهجرة إلى الحبشة.. والخروج من الأزمة

حين اشتد العذاب بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وضاقت بهم السبل، أمرهم بالهجرة إلى الحبشة "فإن بها ملكًا لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه"، فخرج فريق من المسلمين إلى أرض الحبشة؛ مخافة الفتنة، وفرارًا إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة في الإسلام.

وتفكير النبي صلى الله عليه وسلم في الحبشة ينطوي على معرفة واسعة للنبي الكريم بأحوال شبه الجزيرة العربية، واتجاهاتها السياسية، فلم يكن هناك مكان أصلح للحماية والإيواء من الحبشة، فالقبائل العربية تربطها بقريش علاقات وثيقة، وروابط متينة تمنعها من استقبال هؤلاء المسلمين إذا ما فكروا في الهجرة إليها، وبلاد اليمن غير مستقرة يتنازعها التنافس بين الفرس والروم، والصراع بين اليهودية والنصرانية، ولم تكن أي مدينة من مدن الجزيرة العربية تصلح أن تكون مكانًا مناسبًا لإيوائهم، حتى يثرب نفسها التي استقبلت النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، وأقام بها دولته -لم تكن تصلح هي الأخرى في هذا الوقت لاستقبال المهاجرين، حيث كانت تمزقها الخلافات الداخلية، والصراعات بين قبائلها. وكان جملة من هاجر إلى الحبشة ثلاثة وثمانين رجلاً.

مقدمات الهجرة الكبرى

وإذا كانت الحبشة التي يحكمها ملك عادل تصلح أن تكون مأوى صالحًا ومكانًا للحماية، فإنها لم تكن تصلح أن تكون مركزًا للدعوة، ومعقلاً للدين، ولهذا لم يفكر النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة إليها، واستمر في عرض دعوته على القبائل العربية التي كانت تفد إلى مكة، أو بالذهاب إلى بعضها كما فعل مع قبيلة ثقيف في الطائف، ولم تكن قريش تتركه يدعو في هدوء، وإنما تتبّعت خطوه، تحذر القبائل من دعوته وتنفّرها منه.

غير أن سعي النبي الدؤوب، وحرصه على تبليغ دعوته كان لا بد أن يؤتي ثماره، فتفتّحت لدعوته قلوب ستة رجال من الخزرج، فأسلموا، ووعدوه بالدعوة للإسلام في يثرب، وبشروه بالفوز لو قُدّر له أن تجتمع عليه قبائل يثرب.

ولم يكد ينصرم عام حتى وافى النبي صلى الله عليه وسلم في موسم الحج اثنا عشر رجلاً: تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، وعقد معهم بيعة عرفت ببيعة العقبة الأولى، على "ألا يشركوا بالله شيئًا، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم...".

وأرسل معهم حين عادوا إلى بلادهم مصعب بن عمير، وكان داعية عظيمًا، فقيهًا في الدين، لبقًا فطنًا، حليمًا رفيقًا، ذا صبر وأناة، فنجح في مهمته أيما نجاح، وانتشر الإسلام في كل بيت هناك، وهيأ السبيل لتكون يثرب هي دار الهجرة، التي ينطلق إليها المسلمون، ومعقل الدين ومركز الدولة.

وبعد عام عاد مصعب في موسم الحج، ومعه ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان، التقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في إحدى الليالي سرًا وبايعوه بيعة العقبة الثانية، التي تضمنت التزامهم بحماية النبي صلى الله عليه وسلم عندما يهاجر إليهم والدفاع عنه، والمحافظة على حياته.

ومن ثم حددت هذه البيعة الوضع القانوني للنبي صلى الله عليه وسلم بين أهل يثرب، فاعتبرته واحدًا منهم، دمه كدمهم، وحكمه كحكمهم، وقضت بخروجه ضمنًا من عداد أهل مكة، وانتقال تبعيته إلى أهل يثرب، ولهذا أخفى المتبايعون أمر هذه البيعة عن قريش؛ لأن الفترة بين إتمام هذه البيعة، ووصولهصلى الله عليه وسلم لا يلتزم أهل يثرب خلالها بحماية النبي الكريم إذا وقع له مكروه أو أذى من قريش.

التجهيز للهجرة

وبعد أن تمّت البيعة المباركة أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة إلى المدينة، فهاجروا أفرادًا وجماعات، يتخفّى بها من يخشى على نفسه، ويعلنها من يجد في نفسه القدرة على التحدي.

ولم تقف قريش إزاء هذه الهجرة مكتوفة اليدين، فحاولت أن ترد من استطاعت رده، لتفتنه في دينه أو تعذبه أو تنكل به، ولكن دون جدوى، فقد هاجر معظم المسلمين، وبقى النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، ووقعت قريش في حيرة: هل يظل في مكة كما فعل في الهجرة إلى الحبشة، أم يهاجر في هذه المرة مع أصحابه؟ وفي هذا خطر شديد عليهم؛ لأنه يستطيع في يثرب أن ينظم جماعته، ويقيم دولته، فتتهدد مكانة قريش بين القبائل، وتضيع زعامتها، وتتأثر تجارتها.

حزمت قريش أمرها، واتخذت قرارها بقتل النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن تفلت الفرصة من بين أيديها، ويتحقق ما تخشاه، فأعدوا مؤامرتهم لهذا الغرض الدنيء، وأشركوا جميع القبائل في قتله، باختيار شاب قوي من بين أبنائها، حتى يتفرق دمه في القبائل، ولا يقوى بنو هاشم على محاربة أهل مكة، وقد سجل القرآن الكريم نبأ هذه المؤامرة الخسيسة في قوله تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} «الأنفال: الآية 30».

حادث الهجرة.. وأسباب النجاح

اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم كل الأسباب التي تضمن نجاح هجرته إلى المدينة التي ترتب عليها قيام دولة الإسلام، واتساع رقعتها، وسطوع حضارتها، ولعل أهم الأسباب هو نجاحه الباهر في إعداد المكان الذي سينزل به هو وأصحابه، مستخدمًا كل الوسائل الممكنة من توثيق عرى العلاقات مع أهل يثرب بعقد معاهدتين عظيمتين، وإرسال داعية عظيم الكفاءة، قوي الإيمان، شديد الإخلاص؛ لنشر الدين، وجذب الأتباع هناك.

والسبب الثاني من أسباب النجاح هو اختيار الوقت المناسب للهجرة، فلم يعزم النبي صلى الله عليه وسلم على الهجرة إلا بعد أن استوثق من رسوخ إيمان أهل يثرب، وتعهدهم بحمايته والدفاع عنه، وذلك في بيعة العقبة الثانية، ومن ثم لم تعد هناك حاجة لبقائه في مكة بعد أن وجد النصرة والمنعة عند أهل يثرب.

والسبب الثالث هو آليات الهجرة التي اتبعها النبي في خروجه من مكة إلى المدينة، في واحدة من أجلّ ما عرف تاريخ المغامرة في سبيل الحق والعقيدة والإيمان قوة وروعة، وتفاصيل هذه الهجرة مذكورة في كتب السيرة، ولسنا في حاجة إلى سردها الآن، ولكن يمكن القول بأنها كانت سرية إلى أقصى حد، ودقيقة إلى أبعد مدى، وضع لها النبي صلى الله عليه وسلم كل ما في وسع البشر وطاقتهم من وسائل تضمن لها النجاح، وخطط تحقق لها التوفيق، فإذا لم يفلح ذلك كله، فستأتي عناية الله في اللحظة المناسبة.

الرسول في المدينة

وما أن وصل النبي المدينة في ضحى يوم الإثنين، الموافق (12 من ربيع الأول للسنة الأولى من الهجرة الموافق 24 سبتمبر 622م) حتى بدأ العمل الجاد، والسعي الدءوب، حتى أكمل رسالته على نحو لا مثيل له في تاريخ الإنسانية.

ولم تكن يثرب عندما نزلها النبي صلى الله عليه وسلم مدينة بالمعنى المعروف، وإنما كانت واحات متفرقة في سهل فسيح تسكنها قبائل الأوس والخزرج والجماعات اليهودية، فنظّم العمران بالمدينة، وشق بها طرقا معبّدة، وكان المسجد هو الأساس في هذا التنظيم، انتظم حوله عمران المدينة الجديدة، واتسقت شوارعها.

وكان هذا المسجد هو مقر الرئاسة الذي تقام فيه الصلاة، وتُبرم فيه كل الأمور، وتُعقد به مجالس التشاور للحرب والسلم واستقبال الوفود، وبجوار المسجد اتخذ النبي مساكنه، وكانت متصلة بالمسجد، بحيث يخرج منها إلى صلاته مباشرة، وأصبح من السُنّة أن تُبْنى المساجد وبجوارها بيوت الولاة ودواوين الحكم.

ثم أصلح النبي ما بين الأوس والخزرج وأزال ما بينهما من عداوة، وجمعهما في اسم واحد هو الأنصار، ثم آخى بينهم وبين المهاجرين على أساس أن المؤمنين إخوة، وكانت المرة الأولى التي يعرف فيها العرب شيئا يسمى الأخوة، دون قرابة أو صلة رحم، حيث جعل كل رجل من المهاجرين يؤاخي رجلا من الأنصار، فيصير الرجلان أخوين، بينهما من الروابط ما بين الأخوين من قرابة الدم.

وبعد المؤاخاة كانت الصحيفة، وهي الدستور الذي وضعه النبي صلى الله عليه وسلم لتنظيم الحياة في المدينة، وتحديد العلاقات بينها وبين جيرانها، هذه الوثيقة لم يُمْلِها النبي صلى الله عليه وسلم إملاء، وإنما كانت ثمرة مناقشات ومشاورات بينه وبين أصحابه من المهاجرين والأنصار وغيرهم، وكلما استقروا على مبدأ قام الرسول بإملاء نصه على علي بن أبي طالب، وشيئا فشيئا اكتملت الوثيقة، وأصبحت دستورا للجماعة الجديدة، ولا يكاد يُعرف من قبل دولة قامت منذ إنشائها على أساس دستور مكتوب غير هذه الدولة الإسلامية الجديدة، فإنما تقام الدول أولا، ثم يتطور أمرها إلى وضع دستور.

وأدت هذه السياسة الحكيمة إلى قيام جماعة متآلفة متحابة، وإلى ازدياد عدد سكان المدينة حتى زاد عدد سكانها عما كانوا عليه أكثر من خمس مرات، بعد أن أقبل الناس على سكناها؛ طلبا للأمن والعدل في ظل الإسلام، والتماسًا لبركة مجاورة النبي صلى الله عليه وسلم واستجابة لما دعا إليه القرآن من الهجرة إلى الله وإلى رسوله.

بين الهجرة إلى الحبشة والهجرة إلى المدينة

كانت الهجرة إلى المدينة ضرورة ملحة فرضتها الأحداث التي أحاطت بالنبي صلى الله عليه وسلم في مكة، وألزمته السعي إلى مكان آخر تُمارس فيها شعائر الإسلام، وتُطبّق أحكامه، وتنطلق دعوته إلى كل مكان، دون مزاحمة أو تضييق، ومكة حينذاك لم تعد صالحة لهذه الفترة من عمر الرسالة، لأن العداء قد بلغ بها كل مدى ضد الدين الجديد، وأصبحت هناك صعوبة بالغة في استكمال الدعوة التي تحتاج إلى دولة حتى تنجح رسالتها.

ولم تكن الحبشة التي تنعم بالعدل والأمان تصلح لهذه الفترة؛ نظرا لاختلاف البيئة اللغوية والدينية هناك؛ الأمر الذي جعل حركة الإسلام هناك بطيئة، وبلا فاعلية، ولا تسمح هذه البيئة بالتطبيق؛ ومن ثم لم تكن هناك مدينة في شبه الجزيرة العربية تصلح لاستقبال الدين في الفترة الثانية إلا يثرب التي أُطلق عليها مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم.

 

الأولى العالم هذا الأسبوعحوارات مراسلونإقتصادأوراق ثقافيةندواتطبالأسرةأقلياتالهجرةالدعوةالخطبالإنجليزيةالأخيرة

الصفحة الحادية عشرة 

    3

 

الأمة الإسلامية في حاجة دوماً إلى التأمل في دروس الهجرة

إسلام أون لاين

● يبدأ العام الهجري الجديد، ويتجدد معه تذكر هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، تلك الهجرة التي أنجبت دولة حضارية في زمن قياسي في تاريخ الأمم، وسادت قوانين السماء الربانية أرجاء المعمورة، وأينع البناء الحضاري في كل روضة وربوة من فيحاء هذه الدنيا.

ومع إشراقة كل عام جديد يقف المسلم بين يدي هذا الحدث، متأملاً معتبرًا محللاً، علّه يرتقي بنفسه وبمن حوله إلى مستوى الحدث الضخم في تاريخ البشرية، يستمطر الرحمات لواقع مؤلم ونفس جموح، وتشتت في الجهود والإمكانات.

وللهجرة معنيان: حسي ومعنوي، وفي معناها اللغوي هي الانتقال، وقد يكون الانتقال حسيًّا بترك مكان لآخر، وقد يكون معنويًّا بالانتقال من ثقافة إلى أخرى.

ومن معاني هذا الأخير قول الله تعالى: {والرُّجْزَ فَاهْجُرْ}) المدثر: 5)، وقوله عز وجل: {واهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً} (المزمل: 10)؛ فهي مراجعة لكافة الموروثات الثقافية والبنائية، واكتشاف الجوانب التي عدا عليها الخطأ أو الفساد في الفهم والتطبيق، مراجعة عملية فاعلة.

والهجرة إن هي إلا رديف لمعنى التزكية، قال صلى الله عليه وسلم: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" «أبو داود بسند صحيح».

إن الحديث عن الهجرة يجب ألا نقف فيه عند مظاهر هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، ونسرد التفاصيل التي وردت عنها، بل نحن مطالبون بالغوص في عميق جذرها، وتحليل نفسية الهجرة وفلسفتها؛ كي نعي وندرك منها بعضًا من سبل الخلاص لأنفسنا وأمتنا الكريمة.

إن التلازم بين معنيي الهجرة -الجسدي والنفسي- لا يزال قائمًا ما دام المؤمنون لم يمسكوا بزمام الأستاذية العالمية، ولا يزالون حتى ذلك الوقت يحتاجون إلى المعين المزدوج للهجرة النبوية العطرة، ولا يتوقف أبدًا المعنى النفسي أو المعنوي؛ لأنه بمثابة الزاد والتزكية للأنفس والمجتمعات.

فالهجرة النبوية نهر جاري العطاء في كل حين بإذن ربه، يغرف منه المؤمن رواء له حينًا بعد حين، يربط الحداثة بالواقع، ويتلقط منها ما يريد.

أهمية الهجرة

تكمن أهمية الهجرة في:

تخليص المؤمنين من حالة العوَز وقلة الأمن، ومن ثم إطلاق قدراتهم الإنتاجية في حالتَي السلم والحرب معًا، قال تعالى: {ومَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً} (النساء: 100)، والمراغم هو المنعة والقوة، أو ما يرغِم به المؤمنون أعداءهم على مساومتهم ومنعهم من العدوان عليهم، والسعة هي سعة العيش، وقال تعالى: {والَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ولأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (النحل: 41).

فالمهاجر في سبيل الله اليوم إنما يهاجر ليطلق لنفسه قدراتها، ويتحلل من كل قيد يلزمه بالقعود، والمهاجر في سبيل الله اليوم مطالَب بأن يطلق لفكره وعقله وعلمه كل الآفاق الرحبة الواسعة.

والأمة تقف أمام أمر إطلاق الطاقات هذا وتتمعن في نفسها، وما يكبلها من آسار الأغلال الثقيلة التي جعلتها في آخر الأمم، وتمعن الأمة النظر في الأمن والحريات التي هي أول مدارج الصعود نحو الهجرة؛ لتعي الهوة الكبيرة بينها وبين الهجرة النبوية العطرة.

وكذا المسلم - بل الداعية - يجب ان يقف ليراجع فكره ونفسه، ويستخرج الأغلال التي تحيط به وأن ينطلق الانطلاقة المباركة وفق شرع ربنا الحكيم، وقدوته صاحب الهجرة عليه الصلاة والسلام.

إن الأعداد الكبيرة من المسلمين التي تهاجر اليوم الهجرة العكسية إلى بلاد الغرب، ثم تظل تدور حول نفسها متأثرة بالمحيط الذي تعيش فيه، غاب عنها معنى إطلاق الطاقات هذا، وفات عليها لُباب الأمر في فقه الهجرة.

والهجرة بمعناها الشامل حركة تجديد مستمر، وعامل من عوامل قوة الأمة الفكرية والمادية؛ كونها تتمحور حول المثل الأعلى عليه الصلاة والسلام، ولا تزال الأمة بعافية ما دامت على صلة قوية بهذا المثل الأعلى، سواء في إنضاج فكرها أو تقدم مدنيتها، ومن تدبَّر أحداث الهجرة ودقائقها أدرك أهمية حركة التجديد، وترك البيئات المغلقة إلى البيئات المفتوحة، سواء أكانت بلدًا أو مؤسسة، أو حتى نفس المؤمن ذاته؛ إذ المثل الأعلى يحث دائمًا على أسمى الغايات، ويدفع لإنجاز أرقى الحضارات، ولن يتحقق ذلك إلا بالتجدُّد المنفتح، المتعلق بالمثل الأعلى عليه الصلاة والسلام.

والهجرة مطلب قوي لتماسك الجبهة الداخلية في الأمة؛ إذ هي المراجعة والمحاسبة، سواء الذاتية أو الجماعية أو المؤسسية، إذْ جوهر الهجرة يقوم على هَجْر كل ما لا يليق، وبهذه النظرة الواعية لمعنى الهجرة يكون النقد البناء، وتكون المراجعات الربانية للسَّيْر، والتفرس في الأخطاء، وهذا من أقوى عوامل النهوض الحضاري.

إن حالة الأمة اليوم -وحال أفرادها في الغالب- لفي أشد الحاجة إلى إطلاق الطاقات الكبيرة التي تحوزها في أبنائها، وتوفير الأمن والاستقرار لهم؛ فما سعى النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة إلا بعد سنوات من الكبت والتضييق؛ فكانت المدينة المنورة البيئة التي انطلق فيها البناء الحضاري، ونلمس اليوم إما كبتًا لمجتمعات كاملة، أو فقدانًا للدور في كثرة من أفراد الأمة.

وحركة التجديد التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" (أبو داود بسند صحيح) هذه الحركة تحتاج إلى تجديد في الأفراد والمؤسسات.

والنقد الداخلي والتوبة والمراجعة قوة تتماسك بها الأمة، وتسترد بها عافيتها، ويتنفس بها كل فرد أنسام البناء الحضاري.

وما أصدق قول شاعر الدعوة وليد الأعظمي حين قال:

يا هجرة المصطفى والعين باكيةٌ

والدمع يجري غزيرًا من مآقيها

يا هجرة المصطفى هيّجت ساكنةً

من الجوارح كاد اليأس يطويها

هيجت أشجاننا والله فانطلقت

منا حناجرنا بالحزن تأويها

إنها دموع الداعية تنهمر من مآقيه على واقع أمته، وتعطل منابع الخيرات فيها، لكن الأمل يتجدد دائمًا بهجرة الحبيب محمد عليه الصلاة والسلام مصدر الاقتداء في المحن والمنح.

ومع إدراك فقه الهجرة وأبعادها يُطوَى اليأس، وتُطوَى معه مراحل في النفس وفي الآفاق الدعوية، وما ثمة مكان للحزن: {إِلا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة 40).

 

الأولى العالم هذا الأسبوعحوارات مراسلونإقتصادأوراق ثقافيةندواتطبالأسرةأقلياتالهجرةالدعوةالخطبالإنجليزيةالأخيرة

الصفحة الحادية عشرة 

    4

 

من دروس الهجرة

شعر صبري أحمد الصبري

في هجرة المختار نور ساري

                                        دوما إلى الوجدان باستبشار

فالظلم مهما قد تمادى ينتهي

                                        بالظالمين لخيبة وخسار

والحق مهما قد توارى فترة

                                        سيعود جهرا للعلا بفخار

والبغي مهما أطبقت أظفاره

                                        بالآمنين سينتهي لبوار

والعدل يأتي للأنام بقسطه

                                        ينساب فيهم بالهدى السيار

كانت بمكة قبل هجرة أحمد

                                        أشياء عجت باعتداء ضاري

قلبت موازين الحياة وعطلت

                                        بعض الأمور مظالم الكفار

شنوا على صحب الرسول بِغِلِّهم

                                        عدوان بغي سافر الأطوار

جعلوا من القوم الضعاف وسيلة

                                        لبلوغ قصد سيئ الأغوار

لكن دعوة أحمد ظلت كما

                                        شاء الإله بقوة الجبار

تمضي بنور الله جل جلاله

                                        بين القلوب بقدرة القهار

بلغت بفضل الله آفاقا لها

                                        شوق للقيا سيد الأبرار

فربوع طيبة كلها في لهفة

                                        تاقت لطه باشتياق حار

حتى تحقق للمدينة حلمها

                                        بلقاء حق صادق الأنصار

أهلا وسهلا بالنبي وآله

                                        وبصحبه في طيبة الأطهار

أرسى الحبيب بطيبة أسسا بها

                                        قامت بصدق دولة الأنوا ر

حق وعدل واستقامة كم لها

                                        للناس جمعا من سنا استقرار

في هجرة المحمود طه أحمد

                                        نطقت لنا بالعلم باستمرار

تحكي دروسا من جواهر عقدها

                                        للناس تجني من بديع ثمار

ولكي تظل قلوبنا وعيوننا

                                        ترنو لها بمحاسن استبصار

صلى الإله على ا لنبي وآله

                                        طه الرسول المجتبى المختار!!

الأولى العالم هذا الأسبوعحوارات مراسلونإقتصادأوراق ثقافيةندواتطبالأسرةأقلياتالهجرةالدعوةالخطبالإنجليزيةالأخيرة