العدد 1875- الإثنين 27 ذو الحجة 1425 هـ إسلامية-أسبوعية- جامعة NO 1875 MON 27 Dhul Hijjah 1425H 07 Feb 2005
الصفحة السابعة
1
عوامل أخرى للرقي بها وتخليصها من الأدران:
النفس خلق الله ولن تصلح إلا بالسير وفق مراد الله والإذعان
لأوامره
لم تنزل الكتب ولم يرسل الرسل إلا من أجل الإنسان وتزكيته
وتبيين غايته
الصلة بين الإيمان والعمل كالصلة بين العمل والحياة
مكة المكرمة ـ إبراهيم عبده
● النفس البشرية مرة أخرى، تلك
التركيبة الحاملة في داخلها الظلم والحسد وحب الوجاهة والطمع والشح والكبر وحب
الخصام والإقرار وقت الشدة بما تنكره حال الرخاء.
هذه النفس كيف لها أن تنفك من هذه الأغلال
وغيرها من الأوساخ والقذارات التي زرعت فيها والتي قد يسهم الإنسان بقدر وفير
منها..
لم يرسل الرسل ولم تنزل الكتب إلا من أجل
الإنسان. والإنسان لن يسمو ويأمن الناس شره ويقوم بحق العبودية والاستخلاف في
الأرض إلا بعد أن يتهذب من داخله وتزكو نفسه التي بين جنبيه.
د. سفر بن عبدالرحمن أستاذ العقيدة السابق بجامعة أم القرى
والشيخ علي القرني الأستاذ بالمعهد العلمي بمكة المكرمة أكدا أن الناس مختلفون في
بناء أنفسهم وتأسيسها فهناك من أسسها على تقوى ورضوان فلا تضره فتنة، صامد
كالطود.. وهناك من أسس بنيانه على شفا جرف هار.
يقول د. سفر: إن من ميزات هذا الدين الكبرى أنه نزل بالحق
والعدل الذي قامت عليه السماوات والأرض، {أنزله الذي يعلم السر في السماوات
والأرض}الفرقان:6، وكلما ازداد البشر نظراً في الآيات الآفاقية والنفسية والقرآنية
أبصروا من شواهد التطابق العجيب والتوافق الدقيق ما ينطبق بأن هذا الدين هو الحق،
وأن فاطر النظام الكوني ومنزل الوحي الديني واحد لا شريك له.
فالنظر السليم لا يرى في خلق الرحمن من تفاوت ولا يرى في
وحي الرحمن من اختلاف.
والنفس الإنسانية هي موضوع الوحي كتاباً وسنة والمخاطب به
الإنسان، فما نزلت الكتب وأرسلت الرسل إلا لهذا الإنسان ـ الذي لم يكن شيئاً
مذكورا ـ بياناً لغاية خلقه وحكمة وجوده وتزكية لنفسه، وهداية إلى طريق الحق
والصلاح، وتحذيراً من سبل الضلال والفساد، وتعريفاً له بصفات معبوده تعالى ـ الذي
معرفته أشرف أنواع العلوم والمعارف وأعظمها أثراً في صلاح الإنسان ـ وإخباراً له
بمصيره إن أطاع أو عصى.
فالدين دين الله والنفس خلق الله، والله تعالى أحكم
الحاكمين وهو الغني الحميد فلهذا لم يشرع لها من الدين إلا ما يتفق وطبعها ويتناسق
وحقيقتها، ويملأ كل جوانبها، ويشبع كل رغباتها، لكن في حدود مقدرة وضوابط مقررة
تحفظ لهذا الإنسان سعادته وتكفل صلاحه، ولا يعود ضرر تجاوزها إلا عليه وحده، قال
تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله
ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} الروم: 30. وقال صلى الله عليه وسلم
«ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه».
ولهذا كانت معرفة النفس الإنسانية كما هي في القرآن والسنة
من أجلّ الأدلة كشفاً عن حقيقة الإيمان الشرعية، ومما يؤكد أنه يتفق مع منهج الوحي
في الاستدلال والمناظرة، ذلك المنهج الفطري الذي يخاطب البديهة بوضوح وتيسير
بعيداً عن الخوض في القضايا الذهنية المعقدة.
فمعرفة الحقيقة النفسية لا تحتاج إلى عناء في الاستدلال
والفهم، بل تقوم على بدهيات مسلمة يحسها كل إنسان من نفسه مؤمناً أو كافراً ـ ولا
ينكرها إلا مكابر مغالط، ومن هنا كثر الاستدلال على التوحيد بما في حقيقة الإنسان
من صفات كالعجز والجهل والضعف والافتقار، وهي من أقوى طرق الاستدلال وأجلاها لكل
ذي لب.
ويتبع ذلك الاستدلال على ضرورة الاستقامة على دين الله
واتباع شرعه بما في النفس البشرية من صفات، كالظلم، والجهل، والطمع، والشح،
والهلع، والكبر، وحب الخصام، والإقرار وقت الشدة بما تنكره حال الرخاء!
الوحي للتزكية
انطلاقاً من حقيقة مسلمة في التصور الإسلامي عامة، وهي: أن
الوحي إنما نزل لتزكية النفس الإنسانية وتقويم عملها، ابتداء من إصلاح الخواطر
والإرادات، وانتهاء بإصلاح الأعمال والحركات، رأيت أن أعرض حقيقة هذه النفس وطبيعة
عملها توصلاً بذلك إلى تحويل حقيقة الإيمان الشرعية من مسألة جدلية إلى قضية مسلمة
بدهية. إن الناظر لحقيقة النفس الإنسانية وطبيعة عملها في الكتاب والسنة وأقوال
العلماء الربانيين المستمدة منهما، يجد أن ذلك يقوم على قضية بدهية يأخذ بعضها
برقاب بعض.
والقضية الأولى: أن كل إنسان عامل
يقول تعالى: {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا
فملاقيه} الإنشقاق: 6. أي ياأيها الإنسان إنك عامل إلى ربك عملاً فملاقيه به،
خيراً كان عملك ذلك أو شراً. فليكن عملك ما ينجيك من سخطه ويوجب لك رضاه، ولا يكن
مما يسخطه عليك فتهلك. قال قتادة: «إن كدحك يا ابن آدم لضعيف، فما استطاع أن يكون
كدحه في طاعة الله فليفعل ولا قوة إلا بالله» ويدل لذلك قوله تعالى: {لقد خلقنا
الإنسان في كبد} البلد: 4.
وعلى هذا جاء الحديث الصحيح: «كل الناس يغدو، فبائع نفسه
فمعتقها أو موبقها» والحديث الصحيح: «أصدق الأسماء حارث وهمام». فالغدو وبيع النفس
عمل مشترك لكل حي، وإنما الفارق أن المطيع يعتق والعاصي يوبق. وكل إنسان لا يخلو
من الحرث والهم، أي: العمل والإرادة، فالتسمية بحارث وهمام وصف للطبيعة البشرية
على ما هي عليه دون اقتضاء مدح أو ذم للمسمى، ولهذا كانا أصدق الأسماء.
وبدهي أن العمل هو أثر النية والإرادة، فكل يعمل وفق ما
يعتقد ويرى، قال تعالى: {قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا}
الإسراء: 84.
فهذا إخبار بأن كل إنسان يعمل على شاكلته قال ابن عباس:
«على ناحيته» وقال مجاهد: «على حدته وطبيعته» وقال قتادة: «على نيته»، وقال ابن
زيد: «على دينه» ومؤدى هذه الأقوال واحد.
والمقصود أن الصلة بين الإيمان وبين العمل كالصلة بين العمل
والحياة، فالإنسان بمقتضى كونه حياً حساساً هو كادح مكابد، أي: عامل دائب العمل،
وأساس العمل هو الفكر والإرادة، ومعلوم أن الإنسان لا يخلو قط من الفكر والإرادة،
وأنه لا بد لها من متعلق ما وأثر ما في القلب والجوارح، وليست حقيقة العمل إلا
هذا.
فإن لم يكن للفكر والهم والإرادة أثر يوافقها، أو نتيجة
تطابقها، أو مظهر يصدقها لم تكن فكرة ولا إرادة على الحقيقة، وإنما هي عرض من
عوارض الخاطر وعليه لا يصح أن تسمى إيماناً أو اعتقاداً.
وعلى قدر صدق الفكرة وقوة الإرادة يكون تحقق العمل في
الخارج إن خيراً وإن شراً، فما ظهر على الجوارح هو الجزء الخارجي من الحقيقة
الإنسانية المركبة، ومن عملي القلب والجوارح تركيباً مزجياً عضوياً، كالسفينة التي
أسفلها سطح الماء وأعلاها فوقه، وهذا يطابق تماماً الحقيقة المركبة للإيمان
الشرعي.
يصدق هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجسد مضغة إذا
صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» فهذا مع دلالته على
الارتباط العضوي بين الإرادة والعمل يؤكد مهمة الدين التي هي إصلاح الأصل ليصلح
الفرع والأثر.
هذا وقد أنزل الله تعالى الكتب وأرسل الرسل لتدعو هذا
الإنسان الكادح بطبعه العامل ـ بمقتضى حياته ـ أن يكون كدحه ـ أي: عمل قلبه
وجوارحه ـ على ما شرع له الله، أي وفق الغاية التي خلقه لأجلها: {وما خلقت الجن
والإنس إلا ليعبدون} الذاريات: 56.
فإن لم يجب داعي الله ويؤمن برسالاته فإن عمله ينصرف قطعاً
إلى ضد ذلك، أي: أنه إن لم يكن عابداً لله فإنه عابد للشيطان لا محالة: {ألم أعهد
إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين. وأن اعبدوني هذا صراط
مستقيم} يس: 60 ـ 61.
طريقان مختلفان
وهذا هو مفترق الطريق بين شطري الجماعة الإنسانية «المؤمنين
والكافرين». وذلك أن حكمة الله تعالى في خلق الإنسان اقتضت أن يكون أمام الإنسان
طريقان مختلفان: طريق الكفر وطريق الإيمان، وأن يسير في أيهما شاء ابتلاء له
وامتحاناً: {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} الكهف: 29.
وكان مقتضى ذلك أن جعل للنفس البشرية في حركتها الجبلية
الدائبة مصدرين متنافرين يمدانها بالطاقة والحركة بين حين وآخر هما: ذكر الله
بالمعنى الشامل له، ومنه تدبر القرآن والتفكر في المخلوقات والآلاء والعلم النافع،
وكل ما من شأنه أن يزكيها ويوقظها ويصلح خلجاتها وخواطرها. وسوسة الشيطان الذي
يعبث بها ويغريها ويلهيها ويزين لها ويمكر بها، ويقذف فيها التكذيب بالحق والإيعاد
بالشر.
وهذه القضية وما يترتب عليها من قضايا تحدث عنها علماء
الإسلام الربانيون، متخذينها منطلقاً لإيضاح حقائق كبرى في معاملات القلوب مع الله
تعالى وأسلوب تزكيتها.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إيضاحاً لحديث ابن
مسعود: «إن للملك لمة وللشيطان لمة..» هذا الكلام الذي قاله ابن مسعود هو محفوظ
عنه، وربما رفعه بعضهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو كلام جامع لأصول ما يكون
من العبد من علم وعمل، من شعور وإرادة. وذلك أن العبد له قوة الشعور والإحساس والإدراك
وقوة الإرادة والحركة، وإحداهما أصل، والثانية مستلزمة للأولى ومكملة لها، فهو
بالأولى يصدق بالحق ويكذب بالباطل، وبالثانية يحب النافع الملائم له ويبغض الضار
المنافي له، والله سبحانه خلق عباده على الفطرة التي فيها معرفة الحق والتصديق به
ومعرفة الباطل والتكذيب به، ومعرفة النافع الملائم والمحبة له، ومعرفة الضار
المنافي والبغض له بالفطرة.
وإذا كان الإنسان لا يتحرك إلا راجياً، فالرجاء لا يكون إلا
بما يلقى في نفسه من الإيعاد بالخير الذي هو طلب المحبوب أو فوات المكروه، فكل بني
آدم له اعتقاد، فيه تصديق بشيء وتكذيب بشيء، وله قصد وإرادة لما يرجوه مما هو عنده
محبوب ممكن الوصول إليه، أو لدفع المكروه عنه.
والله خلق العبد يقصد الخير فيرجوه بعمله، فإذا كذب بالحق
فلم يصدق به، ولم يرج الخير فيقصده ويعمل له كان خاسراً بترك تصديق الحق وطلب
الخير، فكيف إذا كذب بالحق وكره إرادة الخير؟
وعن هذه أو تلك تصدر الأعمال ـ خيرها وشرها ـ التي لا يخلو
منها بشر قط.
القوة والضعف
ويقول الشيخ القرني: الناس مختلفون في بناء أنفسهم وتأسيسها
وتربيتها اختلافاً بينا، يظهر ذلك في استقبال المحن والمنح، والإغراء والتحذير،
والنعم والنقم، والترغيب والترهيب، والفقر والغنى، فمنهم من أسس بنيانه على تقوى
من الله ورضوان، فلا تضره فتنة ولا تزعزعه شبهة، ولا تغلبه شهوة، صامد كالطود
الشامخ، فهم الحياة نعمة ونقمة، ومحنة ومنحة، ويسراً وعسراً، ثم عمل موازنة، فوجد
أن الدهر يومان، ذا أمن وذا خطر، والعيش عيشان، ذا صفو وذا كدر، فضبط نفسه في
الحالين، فلم ييأس على ما فات، ولم يفرح بما هو آت، فلا خيلاء عند غنى، ولا حزن
عند افتقار، لا يبطر إن رئس، ولا يتكدر إن رُئس، يقلق من الدنيا، ولا يقلق على
الدنيا أبداً، يستعجل الباقية على الفانية، فتجده راضي النفس، مطمئن الفؤاد، إن
هذا الصنف من الناس قيم كريم، لكنه قليل قليل، وما ضره أنه قليل وهو عزيز، فمثله
كالشجرة الطيبة، عميقة الجذور، ثابتة الأصول، مفيدة الفروع، لا تزعزعها الأعاصير،
ولا تنال منها العواصف، والسر إنه الإيمان، الذي إذا خالطت بشاشته القلوب ثبت
صاحبه، واطمأن وضرب بجذوره فلا تزعزعه المحن، ولا تؤثر فيه الفتن، بل يُكنُّ الخير
ويجني الفوائد.
وهذه نماذج من هذا الصنف العزيز الشامخ القليل، جديرة
بالتأمل، وهي قليل عن كثير.
ها هو «مجاهد» جريح من جرحى أحد به سبعون ضربة، ما بين طعنة
برمح، وضربة بسيف، ورمية بسهم، لم يبق له في هذه الدنيا وما فيها من أهل ومال
ومتاع إلا لحظات. فيم كان يفكر هذا الشخص؟ وما الذي كان يشغل باله؟. اسمع ما رواه
«الحاكم» عن «زيد بن ثابت» ـ رضي الله عنه ـ قال: «بعثني رسول الله صلى الله عليه
وسلم يوم أحد لطلب سعد بن الربيع ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ في القتلى، وقال لي: إن
رأيته فأقرئه مني السلام، وقل له: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخبرني كيف
تجده؟ قال زيد: فجعلت أبحث عنه في القتلى، فأصبته وهو في رمق، به سبعون ضربة، ما
بين طعنة رمح، وضربة سيف، ورمية سهم، فقلت له: ياسعد إن رسول الله يقرئك السلام،
ويقول: أخبرني كيف تجده؟ قال: وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام وعليك
السلام، قل له: إني والله لأجد رائحة الجنة (ليس هذا موضع الشاهد، ولكن اسمع ماذا
قال)؟وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله أن يُخلص إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم وفيكم عين تطرف ثم فاضت روحه ـ رحمه الله .
ثبت سعد، وعلَّم غيره دروس الثبات وهو يودع الدنيا، ما أوصى
بأهل، وما أوصى بمال، كان همه أعلى وأغلى وأحلى، همه الرسالة، والرسول صلى الله
عليه وسلم، فرضي الله عنه وأرضاه، وجعل الجنة مأوانا ومأواه.
وقبل هذا وذاك أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم، ها هو
يوسف عليه السلام في عنفوان شبابه، وفي قمة نضجه تخرج إليه وتبرز إليه امرأة
العزيز الجميلة، بأبهى حُلة، متعطرة، متبهرجة،مبدية لمفاتنها، قد غلَّقت الأبواب،
ودعته بصريح العبارة ولم تُكنِّ، فقالت: (هَيْتَ لَكَ) أقبل (قال معاذ الله إنه
ربي أحسن مثواي) ولم تقتصر الفتنة عند ذلك، بل ازدادت سعيراً حين شملت نساء علْيَة
القوم، حين أعجبن بيوسف عليه السلام، وفُتِن برجولته وجماله، فأخذن يطاردنه، يردنه
أن يعمل بهن الفاحشة، وتبلغ الأمور ذروتها يوم تأتي امرأة العزيز تهدده، وتقول:
{ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين} ماذا رد قال {رَبِّ السجن أحب
إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين} إنه ثبات
أنبياء الله أمام الشهوات وأمام التهديدات، عليهم صلوات الله وسلامه، وهم الأسوة
والقدوة، إنه الثبات بكل معانيه، والثبات بكل مبانيه أمام الشهوات وأمام الشبهات،
والذي لا يوفق له إلا من علم صدقه رب الأرض والسماوات.
ومعلوم ما لقيه الإمام أحمد في سبيل عقيدته من أذى وتعذيب،
تُخلَع يداه، ويجلد بالسياط الكثيرة، يختار الظالمون له عدداً من قساة القلوب،
وغلاظ الأفئدة ليجلده كل واحد منهم سوطين بكل ما أوتي من قوة، وهم يتعاقبون عليه،
وهو ثابت كالطود الأشم، لا يتراجع أبداً، يغمى عليه من شدة التعذيب ثم يفيق، فيعرض
عليه الأمر فلا يتراجع، حتى انتصر بإيمانه وبناء نفسه، وبتوفيق الله قبل هذا وذاك،
وكان انتصاره دليلاً على الإخلاص والعزم والقوة. لقد خرج الإمام من المحنة خروج
السيف من الجلاء، والبدر من الظلماء، أدخل في الكير، فخرج ذهباً أحمر، وتواطأت
القلوب على محبته، حتى أصبح حبه شعاراً لأهل السنة. فأين الذين عارضوه؟ وأين الذين
عذبوه؟ وأين الذين نالوا منه؟ ذهبوا إلى ما قدموا.
مواقف للبناة
ولقد تعرض البناة أنفسهم في كل العصور لمواقف فنجحوا فيها
بفضل الله. أحدهم يصدع بكلمة الحق فيشرق بها المنافقون والظالمون، ويذيقونه في
سبيلها ألواناً شتى من التعذيب في السجن لا تضاهيها إلا ألوان التعذيب في محاكم
التفتيش في القرون الوسطى، كانوا يسلطون عليه الكلاب بعد تجويعها، فتطارده
الساعات، ثم تنقض على لحمه تنهشه نهشاً إذا توقف عن الجري وهو صابر ثابت، معتصم
بالله، لن يرده ذلك عن هدفه، ولم يصده عن بغيته وغايته، فأغاظهم ذلك فماذا يفعلون؟
حكموا عليه بالقتل، وتلك والله فتنة أيما فتنة، ثم جاءه الإغراء أن استرحم ذلك
الظالم ليخفف عنك الحكم، فقال: ـ في إباء واستعلاء : لئن كنت حوكمت بحق فأنا أرتضي
الحق، وإن كنت حكموا في باطل، فأنا أعلى من أن أسترحم الباطل، إن يدي التي تشهد
لله بالوحدانية كل يوم مرات لترفض أن تقر حكم ظالم أياً كان ذلك الظالم ثم يقاد
إلى حتفه.
هذه سمة المؤمنين، الاطمئنان إلى الله يملأ نفوسهم فيبنيها،
يحرك جوارحهم فيقويها. لا يستمدون تصوراتهم وقيمهم وموازينهم من الناس، وإنما
يستمدونها من رب الناس، فأنى يجدوا في أنفسهم وهناً عند محنة أو عند منحة أو عند
شهوة، أو يجدوا في قلوبهم حزناً على فائت من الدنيا؟ إنهم على الحق، فماذا بعد
الحق إلا الضلال، ليكن للباطل سلطانه، ليكن له هيله وهيلمانه، ليكن معه جمعه
وجنوده، إن هذا لا يغير من الخطب شيئاً.
هذا هو الصنف الأول من الناس ممن أسس بنيانه على تقوى من
الله ورضوان، هامات لا تنحني، وقامات لا تنثني، أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل
هذا الصنف.
جرف هـار
أما الصنف الثاني: فأسس بنيانه على شفا جرف هارٍ، يعبد الله
على حرف، إن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه، خسر الدنيا
والآخرة، يذوب أمام المحنة فلا يتماسك، يلعب بعواطفه الخبر البسيط فلا يثبت، يطير
فؤاده للنبأ الخفيف فلا يسكن، فؤاده، يعيش موزعاً بين هم حياة حاضر ومفاجآت تنتظر،
لا تطمئن لقوله، ولا تثق في تصرفاته، بصره زائغ، عقله فارغ، أفكاره تائهة، مغلوب
على أمره، لا ينفع في ريادة ولا يعتمد عليه في ساقة، جبان مفتون فرَّار غرَّار.
مثل هذا كالشجرة لا جذور لها ولا ثمرة، لا تثبت أمام الريح،
ولا تقوى على مقاومة الآفات. أو كالبناء بلا أساس، سرعان ما يخر سقفه على من فيه.
فهو قلق بائس، متردد، تعصف به الفتن، تدمره المحن، إن عزلته لم يرعوِ، إن خاطبته
لم يفهم.
إن المؤمن ليقف شامخاً وهو يرى مثل هذا الصنف البائس، وقد
غرق في شهواته الهابطة وفي نزواته الخليعة السافلة يعب منها، لكنها حكمة الله
البالغة التي أرادت أن يقف الإيمان مجرداً من الزينة والطلاء، عاطلاً عن عوامل
الإغراء، لا هتاف لذة، ولا دغدغة شهوة، وإنما هو الجهد ليقبل عليه من يقبل وهو على
يقين أنه يريد الله والدار الآخرة، ولينصرف عنه من يبتغي المطامع والمنافع
الدنيوية، ومن يشتهي الزينة ويطلب المتاع، ليحيا من حيَّ عن بينة ويهلك من هلك عن
بينة.
ها هو أحد الساقطين الذين ما بنوا أنفسهم بنوها على شفا جرف
هار فانهار بهم إنه جبلة ملك غسان أسلم وجاء المدينة في موكب عظيم بحاشيته وجنده،
فرح المسلمون بإسلامه كثيراً، فخرجوا للنظر فيه وفي موكبه، فإذا الخيول معقودة
أذنابها، وسلاسل الذهب في أعناقها، وعلى رأسه التاج المرصع بالجوهر، وذهب إلى مكة
وجعل يطوف بالبيت، وبينما هو يطوف إذ وطيء رجل فزاري إزاره فلطمه جبلة الزاري فهشم
أنفه، فشكاه الفزاري إلى عمر رضي الله عنه وأرضاه فبعث عمر إلى جبلة فأتاه، فقال
له عمر: ما هذا؟ قال: نعم ياأمير المؤمنين، إنه تعمد وطأ إزاري فلطمته، ولولا
حرمتك لضربت ما بين عينيه بالسيف، فقال عمر: قد أقررت على نفسك بما فعلت، فإما أن
ترضي الرجل، وإلا أن أقتص له منك بهشم أنفك كما فعلت به. قال: وكيف ذلك وهو سوقة،
وأنا ملك؟ قال عمر رضي الله عنه: الإسلام ساوى بينكما فلم ير جبلة مخرجاً إلا
بإعطائه مهلة، طلب مهلة إلى الغد ليلوذ بالفرار ليلاً، ويرتد عن دينه، ولو علم
الله فيه خيراً لأسمعه، سقط عند أول امتحان، لأن البناء لم يؤسس على تقوى، وإنما
أسس على شفا جُرُف هارٍ.
الأولى
العالم
هذا الأسبوع
حوارات
مراسلون
إقتصاد
أوراق
ثقافية
ندوات
طب
الأسرة
أقليات
الهجرة
الدعوة
الخطب
الإنجليزية
الأخيرة